الصراعات الباردة بين الأفراد: حين تتحول الغيرة إلى حرب صامتة!! جلال دشان

الصراعات الباردة بين الأفراد: حين تتحول الغيرة إلى حرب صامتة!! جلال دشان
غلاف مجازي

الصراعات الباردة بين الأفراد: حين تتحول الغيرة إلى حرب صامتة!!

 

جلال دشان*

 

ما يُعرف بالصراعات الباردة بين الأفراد ليس مجرد خلافات عابرة، بل هو نمط من الصراع الصامت الذي تُدار فصوله بعيدًا عن المواجهة المباشرة، هو مزيج من الغيرة، القلق، والرغبة في إثبات الذات، لكنه يُمارس بأساليب غير مباشرة كالتجاهل، التقليل من الآخر، التشكيك في قدراته، أو الهجوم غير المعلن.

هذه الصراعات لا تحتاج إلى صوتٍ مرتفع، بل إلى نفوسٍ مضطربة تبحث عن منفذ لتفريغ ما بداخلها، ومدة هذه الصراعات لا تُقاس بالزمن بقدر ما تُقاس بوعي الأطراف، فقد تنتهي سريعًا عندما يدرك أحدهم عبثية الاستمرار، أو قد تمتد طويلًا حين يُغذيها الصمت وسوء الفهم وتضخم الأنا

والحقيقة أن إنهاءها يبدأ من الداخل، من قرار واعٍ بعدم الانجرار وراء معارك لا تُثمر إلا مزيدًا من الاستنزاف النفسي، وغالبًا ما يكون الناجحون، من أكاديميين وإعلاميين ومثقفين، في دائرة الاستهداف. فبدل أن يكونوا مصدر إلهام، يتحولون في نظر البعض إلى تهديد غير مباشر،

هؤلاء الذين يهاجمون من الظل لا يملكون الجرأة على المواجهة،

لأنهم يدركون ضعف أدواتهم وقلة حجتهم، فيلجؤون إلى أساليب ملتوية تفتقر إلى الموضوعية والعمق، فيبدون كالأواني الفارغة التي تُصدر ضجيجًا دون مضمون

 

لكن الناجح الحقيقي لا ينشغل بهذه المعارك، فهو يدرك أن الرد على كل استفزاز ليس قوة، بل استنزاف. فيختار الصمت حينًا، والتجاهل حينًا آخر، أو الرد الراقي الذي يعكس اتزانه لا انفعاله.

فالقوة الحقيقية ليست في كسب كل جدال، بل في معرفة ما يستحق أن يُخاض من أجله.

 

وما أرقى أن يمتلك الإنسان روحًا ترى في نجاح الآخرين دافعًا لا تهديدًا

أن يفرح بتفوق غيره، ويتعلم منه، ويؤمن أن النجاح ليس حكرًا على أحد،

بل هو مجال واسع يتسع للجميع.

هذه النظرة هي ما تبني مجتمعات صحية قائمة على التنافس الشريف،

لا على الهدم والتقليل.

 

وقد قيل عن العلم ما يلخص قيمة الإنسان الحقيقية، كما ورد عن الخليفة علي بن أبي طالب:

“قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسنُه”،

وقال أيضًا: “العلمُ خيرٌ من المال، العلمُ يحرسك وأنت تحرس المال.”

 

وفي الختام، تبقى الحكمة الخالدة صادقة: الشجرة المثمرة هي التي تُقذف بالحجارة،

لكنها لا تتوقف عن الإثمار. وكذلك الإنسان الواعي، يواصل طريقه بثبات، غير ملتفت إلى الضجيج، لأنه يعرف وجه ويؤمن ان ما يقدمه هو ما سيبقى .

 

*كاتب رأي سوري/ فيينا.


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

أخبار عامة

في الشعر ... عندما تغنّي دمشق !! عمر سعيد

في الشعر ... عندما تغنّي دمشق !! عمر سعيد
أخبار عامة

مجلس صحار الثقافي يعزز حضور عُمان في مهرجان جرش للعام الخامس على التوالي!

مجلس صحار الثقافي يعزز حضور عُمان في مهرجان جرش للعام الخامس على التوالي!
أخبار عامة

تاريخ الصحافة العراقية: رحلة الكلمة من التأسيس إلى العصر الرقمي!

تاريخ الصحافة العراقية: رحلة الكلمة من التأسيس إلى العصر الرقمي!
أخبار عامة

النزاهة الرياضية في كأس العالم 2026: بين الحوكمة وتحديات الفساد!

النزاهة الرياضية في كأس العالم 2026: بين الحوكمة وتحديات الفساد!
أخبار عامة

الفيفا واختلال معايير المونديال ..!! أنس بابكر محمد

الفيفا واختلال معايير المونديال ..!! أنس بابكر محمد
أخبار عامة

الصحافة والحكومة... شراكة المساءلة!!

الصحافة والحكومة... شراكة المساءلة!!
أخبار عامة

وجه الحقيقة| غنائم الموت... صمت يوازي الفاجعة!!

وجه الحقيقة| غنائم الموت... صمت يوازي الفاجعة!!


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...