قراءة نقدية لقصة" عبور مرحلي" للكاتبة إيناس سيد جعيتم..!! جدوى عبود
قراءة نقدية لقصة" عبور مرحلي" للكاتبة إيناس سيد جعيتم..!!
جدوى عبود*
النص:
أغلقت عينيّ رغمًا عني؛ فرداؤها القصير الذي يكشف عمّا يعلو ركبتيها أكثر إغراءً من ظلمات خيالاتي، بصوت رخيم تسللت لعقل كلٍ منا وكأنه الوحيد المقتحم دائرتها:
- أغلق عينيك... تنفس بعمق... أترك كل شيء وادخل حجرتك الخاصة... أغلق بابك والنوافذ.. أطفئ المصابيح.. تحسس طريقك نحو تلك الستائر المخملية التي تفصلك عنه...
أين هي تلك الستائر؟ علّها في الواجهة، ماذا لو تعثرت بكرسيٍ أو منضدة وأنا أتجه إليها؟ لم تطلب مني أن أخلي حجرتي؟!
- تحسس ستائرك وأبعدها، اتركها واقتحم...
هذا ما تريدينه حقًا أيها المشاكسة! ولا أكذبكِ قولًا أريده أنا أيضا..
- أنت الآن داخل كهفك الخاص... إنه ملاذك الآمن...
جليدي! .. لماذا حصلت على كهف جليدي!..لماذا لم أحظ بكهف حجري دافئ، أو حتى كهف يعج بالفطر والخفافيش! ترى على ماذا حصّل الآخرون؟
- ابحث عن حيوانك، إنه أيقونتك الخاصة ومصدر قوتك...
فقمة!.. رمز قوتي كتلة شحم وفرو! ..كائن رخو... له مخالب أليس كذلك؟ وأنيابٌ أيضًا... هكذا يلتهم صغار البطاريـ...
- دعه يرشدك دعه يقودك لمصدر طاقتك التي لا تنضب...
إنه يزحف مترهلًا على بطنه، كيف له أن يرشدني!.. لماذا لم يكن نسرًا قويًا يعتلي السماء وينقض..ويقتل، أو دبًا قطبيًا ضخمًا بمخالب عملاقة وفكين قويين وعضلات هائلة يهاجم بهم وينهش..ويقتل، أو..
تبًا لركبتيها الناعمتين، وحرف ذلك الرداء الحريري وهو ينزلق عنهما ليكشف المزيد من فتنتها، هي تقصد ذلك لا شك، رسالة وصلتني ويجب علي الرد..
ألا يفترض بتلك الجلسة أن ترشدني!.. ألا يفترض بها أن تخدر ذلك المكان المسؤول عن الوعي وتجعلني أطفو في مكانٍ آخر!
هي تفعل ذلك عن قصد، كهف جليدي وفقمة وما هذا الشيء؟.. معول!
هل باقي الكهوف بها معاول؟.. أم أنها دسّته لي خصيصا؟ إنه ثقيلٌ حقًا، ونصله حادٌ للغاية، لماذا أرسلت لي معولا؟ تلك الشقية.. تريدني أن أتحرر من كل تلك الهلاوس، تلك الفقمة لن تحتاج سوى ضربةً واحدةً على رأسها.. دمها دافئٌ ولزج، ما التالي؟.. نعم عرفت؛ جدران الكهف الجليدي، ضربةٌ وأخرى والثالثة، نعم تلك الشروخ تعني أنني اقتربت كثيرًا...
ههه نعم لقد استأثرت على جل اهتمامك الآن، تعجبني رجفتك وتسارع نبضك، هيا.. لا تضيعي المزيد من الوقت، نعم.. أكثر.. أشعر بدفء كفك وهو يضغط على صدري، تمهلي يا امرأة!.. ماذا سيقول جمعنا الصغير عنك وأنت تجثمين فوق صدري هكذا!.. يالها من نشوة غامرة! .. ترفقي بشفتيّ.. ما.. ماذا تفعلين؟! لماذا هذا الفزع!!
القراءة:
نحن لا نمارس دور الطبيب أو المعالج النفسي بقدر ما ندخل تفاصيل النص القصصي الذي أوغل في التجريد
موضوعه: الدخول إلى أعماق اللاوعي لسبب سيكشفه النص.
أبطاله:
١..الراوي؛ البطل
٢..عدد من الأشخاص المشابهين له: في إسقاط التجربة المطروحة على الواقع الجمعي
تحدث البطل عن نفسه بينما أمثاله حاضرون في الظل.
٣..طبيبة شابة "من وجهة نظر البطل نفسه" تثير الغرائز / تقيم علاقة جسدية معه على الملأ
أركان النص:
الركن الأول: ظلمات خيال البطل(رداؤها أكثر إغراء من ظلمات خيالي)
الركن الثاني: (الرؤية: بين البطل ومفاتن الجسد) ثوبها القصير الذي يظهر ركبتيها
الركن الثالث: الدخول إلى كهف الذات ومعالجة مافيها
رؤية حيوانه القوي، أيقونته، مصدر قوته.
قتله للحيوان وهدم الكهف البارد
الركن الرابع: العودة إلى الوعي فكل نص فلسفي ينتهي إلى الوعي.
دعا البطلُ نفسه إلى
غض البصر " الخوف من الخطيئة"في البدء
ثم إلى قبول الشهوة والرغبة
ثم الانسجام والموافقة والإذعان
ثم الاستهجان : ماذا سيقول جمعُنا الصغير عنكِ ..
بينما قاد صوتُ المعالِجة البطلَ ومن معه قائلة: أغمض عينيك؛ تنفس بعمق؛ أغلق الباب والنوافذ؛ ادخل إلى حجرتك " أزح الستائر؛ تجاوزها؛ ادخل إلى كهفك؛ ابحث عن قوتك الذاتية".
السرد :
بدأ السرد من وجهة نظر الراوي العليم و
حمل مجموعة من البنى العميقة في معانيها؛ بينما بقيت اللغة حيادية.
المشاهدة: " مشاهدتُهُ الطبيبةَ المُعالِجة":
يعيش المجتمع العربي تفاوتاً في النظرة إلى المرأة كأنثى تثير الشهوة و الغرائز
ظلمات خيالاته:
لكل نفس طبيعة وأهواء
النفس تمرض كما سائر الجسد فتصاب بالوهن والكآبة والوساوس ...وكلها أمراض شملها الطب النفسي باهتمامه
الأمر لم يقف عند حدود الانجذاب لإغراء الجسد.
الصوت:
سيّر مراحل العبور في لاوعي المريض لاقتلاع( المرض؛ الوهم).
الدخول إلى كهف الذات:
سبر أغوارها من خلال الصوت الذي يأمر
تفاعل( المريض) مع كل خطوة
الكهف البارد:
له دلالة برودة المشاعر ( يفتقد الدفء )
حيوانك مصدر قوتك أيقونتك (مايميزك عن غيرك)
ثم الشكل الخارجي:
جسد لدن رخو؛ كتلة شحم؛ يكاد يزحف على بطنه ،جلده فرو وهي (ملابس الإنسان وصفاته)
دعه يرشدك إلى قوتك
كيف يرشدني؟ إنه عاجز
ليس نسراً لينقضّ من علٍ ولا دباً قطبياً إنه يزحف مترهلاً على بطنه.
في أعماق لا وعيه يشعر أنه قوي / بضربة واحدة على الرأس.. دمها حارٌّ و لزج / بقي الكهف ضربتان ثلاثة.. الشروخ تدل أني اقتربت.
لا وعيه أصبح يعرف أنها تعالجه ويعرف أين العله!
إغماء استدعى إجراء تنفس صناعي إسعافي لإعادته إلى الحياة.
هل كان المريض يقتل صغار البطار...يق ؟
هل كان هو الفقمة التي تزحف على بطنها وتفترس!
هل كان كل هذا وهماً في خيال البطل؟
دهاليز عميقة الغور هي النفوس؛
ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها..
صدق الله العظيم
إنها متاهة أن يدخل الأدب دهاليز هذا العلم الواسع؛ فكثيراً ما كان وكانت اللغة وعاء يتسع الآداب والمعرفة ؟
القصة القصيرة الآن تغوص في خفايا النفس سليمة ومريضة.
دأبها السفر في أكثر الرحلات عمقاً وغرابةً لا يسبقها إلّا طبيب خبير أو باحث مجرِّبٌ..
قد لا نستطع التمييز لوهلة:
هل الطبيبة هي الراوية؛ أم المريض في حالة الوعي؛ أم هو ذاته؛ في حالة الذهول!
تماهى السرد بين شخصيةٍ قائدةٍ وأخرى.. وأخرى.
ذكاء السرد وتمكن الطبيبة
من لغة حوارِها المرضى، وثِقتها بعلمها وبقدرتها السيطرة على أفكارهم "مرضاها" جعلني أعتبر الحوار نقطة ضوء للعبور نحو النهاية رغم أنه ليس حواراً إلا في حدٍّ ضيّقٍ
ما جعل النص مبهراً صعوبة وخصوصية الكتابة القصصية عن و في علم النفس المَرَضي
ثم قدرة الكاتبة على إشراك القارئ في الحوار ليتبين مَن يقول الآن ولماذا يقول..وذلك من خلال ما رأيته تعدد الرواة في مشهدية متلاحقة الحركة والنمو نحو النهاية/الهدف/العلاج.
النقطة وعلامة الترقيم ونهاية الجملة كله ضروري كما عتبة النص الأولى: عبور مرحلي.
فكان:
عبور المريض إلى جسد الطبيبة غض النظر ، تبين فيما بعد
"أنا أيضاً عندي رغبة"
عبور الطبيبة إلى نفوس مرضاها
عبور صوتها الواثق وبالتالي علمها وخبرتها وهو عبور مرحلي حقاً..
عبور اهتمام المريض جسد الطبيبة، انشغاله بثوبها؛ ما بان من مفاتن جسدها؛ ثم غض النظر ثم "الرغبة".
مع العبور:
أغلق عينيك.. تنفس بعمق، اترك كل شيء وادخل حجرتك الخاصة..
أغلق بابك و النوافذ أطفئ المصابيح تحسس طريقك نحو تلك الستائر..
السرد يطبق على أنفاس القارئ كما المريض حتى آخر لحظة فيصبح رهين الفكرة ..الصوتُ جزءٌ منها..فعلم النفس يقول الكثير
عبور الطبيبة والمريض ستائر وعيه المخملية إزاحة الستائر العبور إلى كهف الذات الأكثر غرابة /النفس وما تشتهي.
هي لم تقل عن الكهف بأنه جليدي ..
هو من قال
لم تقل عن إزاحة الأشياء من الطريق
لم تقل عن اسم حيوانه رمز قوته
هو من قال
هو من قال إنها تأكل البطار...
هي من تفترس رغم أنها تزحف على بطنها برمائية ....
هي الطبيبة من أدارت التجربة
تجربة الاستغراق في لاوعي الذات ووضع اليد على الألم لاستئصاله وإخراجه بأدوات صاحبه..
في أثناء الاستغراق انتبه المريض إلى ذاته التي تعاني الفصام بين منطق تعاليم الدين، و السفور وإظهار مفاتن جسد الأنثى، وبين الرغبة القاتلة في استغلال المحرّم الممنوع المرغوب من نفس مريضة هشة ضعيفة بلا حول..
انتقال دقيق بين الشخصيات وبين الذات والآخر بين الوعي و اللاوعي وقد وظفت
اللغة البديعة في إدارة الحوار والعبور بفهم وذكاء ومعرفة؛ مع المرضى ومع متابعة القارئ الذي انسجم تماماً مع الحدث
الفكرة مخاتلة مراوغة لكنها ذكية بانية ..ما على القارئ إلا أن يعرف شيفرة نص "عبور مرحلي"
الذي ينتمي إلى أدب ما بعد الحداثة كأيقونة نادرة.
* كاتبة وناقدة سورية.
إقرأ أيضًا
قراءة لقصيدة "ضاعت بلادي "للدكتور مايكل حمدان ..!! طه عبد الرحمن
الفقر ليس عيبًا.. والشهادة ليست مقياسًا للأخلاق!
"صعوداً نحو الحب".. سردية النور في مواجهة العتمة!
هل نحن على موعد مع أجاثا كريستي.. عربية؟ قراءة في رواية " متاهات الوهم" للأديبة السورية معاني سليمان..!! محمد البنا
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...