سورية.. الخروج من قمقم المارد إلى العروج!!
سورية.. الخروج من قمقم المارد إلى العروج!!
عمر سعيد*
في بعض الحكايات، لا يبدأ الزمن من ساعاته المعروفة ، الزمن يبدأ من لحظةٍ يقرّر فيها الناس أن يغيّروا معنى الوقت نفسه.
هكذا بدت سوريا ٢٠١١ ؛ بلدٌ لم يعد يحتمل الهوامش، فاختار أن يكتب اسمه من جديد، ولو بحبرٍ الوجع.
البداية كانت أقرب إلى همسةٍ خرجت من صدورٍ أرهقها الصمت، أطفالٌ كتبوا على جدار، وأمهاتٌ انتظرنَ عند أبواب الغياب، وآباءٌ اكتشفوا فجأة أن الخوف الذي ورثوه لم يعد يكفي لحماية أبنائهم. من هناك، من التفاصيل الصغيرة التي تشبه الحياة، بدأت الحكاية السورية تكبر.
كان كل شيء مهيّأً، فالأرض نفسها كانت تحتفظ بسرٍ قديم ؛ سنواتٌ من الضيق غير المرئي، من أحلامٍ مؤجلة، من شعورٍ غامض بأن الحياة تُعاش ناقصة، والناس هنا لم يحتاجوا إلى تفسيرٍ كبير؛ كانوا يعرفون، في أعماقهم، أن سوريا ليست على ما يرام ! ، وحين رأوا شعوباً أخرى تكسر صمتها، كانت البداية وكأنهم يستعيدون صوتاً فقدوه منذ زمن.
ثم خرجت المدن، واحدةً تلو الأخرى، تستعيد تعلّم المشي لأول مرة ؛ في الساحات، نما الهتاف وصارت كلماتُه اكتشافاً جماعياً للذات ، صار الصوت بيتاً، وصارت الحناجر جسوراً بين أناسٍ اكتشفوا أنهم عائلة واحدة، و كان الغناء أعلى من الخوف، والأمل أكثر حضورا من القلق، حتى في اللحظات التي كان فيها كل شيء مهدداً بالانكسار ، وما أكثرها !
يعرف السوريون أنّ الحكايات الكبيرة لا تمضي بلا امتحان ، فسرعان ما تحوّل الطريق إلى مسارٍ طويل من الجمر؛ مدنٌ تُثقلها الغيوم ، وبيوتٌ تتعلم كيف تعيش على الحافة وعلى الدمار، وأرواحٌ تمشي وهي تحمل ما لا يُحتمل، - صار على السوريين -، أن يخترعوا معنىً آخر للصبر، وأن يعيدوا تعريف الثورة : ليست بالدم وحده، لكنها في القدرة على الاستمرار.
كان الألم سيّد المشهد، وكان هناك شيء آخر ينمو بصمت، بعنادٍ جميل ، في الخيام والبيوت المدمرة ، في المنافي، في الأزقة التي تغيّرت ملامحها، ظلّ الناس يحتفظون بشيء صغير لا يُرى: فكرة أن الحياة والأماني والأغاني، رغم كل شيء، ممكنة،، وأنّ الوطن أكبر من الوعد.
في فتراتٍ عصيبة ، بدا كأن الحكاية لن تنتهي ؛ العالم انشغل، وتبدّلت الوجوه، لكنّ السوريين ظلّوا في كل مكانٍ من هذه الأرض، يواصلون سرد قصتهم، كلٌّ بطريقته ؛ أمٌّ تزرع الصبر في قلبها كل صباح، شابٌ يعيد بناءَ يومه من الصفر، طفلٌ يكبر وهو يتعلّم أن الحلم ضرورة.
ثمّ، على نحوٍ يشبه المفاجآت التي لا يُخطط لها أحد، تغيّر الإيقاع، بتراكم اللحظات التي بدت عادية في حينها، شيءٌ ما بدأ يتصدّع في العمق، كما لو أنّ الخوفَ نفسه تعب من حمل كلّ هذا الثقل.
وفي لحظةٍ خاطفة، انفتح بابٌ ظلّ مغلقاً طويلاً وكثيراً.
المشهد يومئذٍ ، بدا انتصاراً صخّاباً، وأقربَ إلى تنفّسٍ طويلٍ بعد اختناق؛ فخرج الناس من ظلامهم، كما لو أنهم يتعرّفون على وجوههم للمرة الأولى؛ بعضهم بكى، وآخرون غنوا ، ورقصوا وهتفوا لسورية الجديدة ، سوريا من دون " بشار الاسد" .
والفجر، كما يعرف العابرون في الطرق الطويلة، ليس نهاية الرحلة! إنّهُ بدايتها الحقيقية. فبعد كل ما حدث، لم تعد المسألة مجرد حكاية ماضٍ ثقيلٍ ، لا .. إنه سؤال المستقبل: كيف يُبنى بيتٌ واسع لكل هذا الألم؟ و كيف تتحوّل الذاكرة من عبء إلى جسر؟ وكيف يتعلّم الناس أن يعيشوا معاً، فوق جراحهم، ومن خلالها؟
التحدي الآن هو ما يمكن أن يكون؛ أن تُصاغ الحياة من جديد، بروحٍ أقلّ قسوةٍ، وأكثر إنصافاً.
أن يجد كلّ فرد مكانه دون خوف، وأن يصبح الاختلاف جزءاً من الغنى لا ذريعةً للانقسام.
طريق سوريا ليس سهلًا، وربما لن يكون قريباً، لكنه ممكن… وهذا وحده كافٍ ليبدأ السوريون ، بعد صمتٍ طويل انكسر أخيراً.
هل كان كلّ هذا يستحق؟
السؤال يبدو بسيطاً وساذجاً، لكنه يحمل ثقلَ سنوات الجمر الكاملة! وربما لا توجد إجابة واحدة تكفي. لكن ما يمكن قوله، بهدوءٍ يشبه اليقين، هو أن الإنسان حين يتمسّك بكرامته، سيفعل كل شيء ، وأي شيء ، حتى يضمنها.
سوريا اليوم ليست كما كانت، ولن تعود كما كانت؛ لقد مرّت بالنار، والنار لا تترك الأشياء على حالها، لكنها أيضًا لا تحرق كل شيء؛ أحياناً، تترك في الرماد بذوراً لا تُرى، تنتظر لحظة المطر.
وفي الذكرى الخامسة عشر ، لا يبدو الأمر كاحتفالٍ بقدر ما هو تأمّل في كل ما حدث، وفي كل ما فُقد، وفي كلّ ما يمكن أن يُستعاد بطريقةٍ أخرى.
الحكاية لم تنتهِ بعد، وربما لن تنتهي قريباً ، لكنها، على الأقل، صارت تُروى بصوتٍ أكثر وضوحاً، وبقلبٍ أقلّ خوفًا.
هنا، في سوريا... من بين الجمر، بدأ الفجر يتشكّل… كمعجزة، واختيارٍ طويل، دفع ثمنه أناسٌ عاديون، قرروا / في لحظةٍ ما/ أن يكونوا هم الحياة بكل تعبها ونورها.
* كاتب فلسطيني - سوري.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
ألمانيا الصين والإمارات قصص اقتصاد مُلهِمة!! علاء عبود
أوسكار ٢٠٢٦ : " هند رجب " على خريطةً العالم!!
الصحراء والطفولة المتأخرة في رواية "التبر" لإبراهيم الكوني!
الاكثر شهرة
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!! د. تمام كيلاني* ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...
القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكرية
القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكريةأبوبكر كهال – كاتب إرتريتقع مجموعة هُمّد المعنو...
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!! جلال دشان* لسنا في مقام معاداة أحد، ولا في مقام تصنيف النا...