شهادة من دمشق: سوريا تتنفس... ببطء ولكن بحرية!! د. تمام كيلاني
شهادة من دمشق: سوريا تتنفس... ببطء ولكن بحرية!!
د.تمام كيلاني*
أكتب هذه الكلمات من قلب دمشق. وأنا اليوم في سوريا، وأتحمل مسؤولية كل حرف أكتبه. تعلمت أن لا أقول إلا الصدق، وما يُرضي ديني وضميري.
أولًا: ماذا تغير؟ وقائع على الأرض
خلال الأيام الماضية التي قضيتها في سوريا، لمستُ تحولات لم تكن لتخطر على بال أحد قبل سنوات:
لم تعد تنقطع الكهرباء كثيرا في معظم المدن السوريه
أفران الخبز بلا ازدحام، تقف، تأخذ حاجتك، وتمضي.
الكازيات فارغة دون طوابير،أزمة الوقود صفر.
أزمة الغاز صفر. أزمة مياه الشرب صفر
حدود مضبوطة، ومعابر تعمل، ومعاملة راقية،لم نعهدها.
حرية تعبير حقيقية دون خوف من الاعتقال أو النفي. تتكلم، تنتقد، وتعود لبيتك آمنًا.
قال تعالى: ((وقليل من عبادي الشكور)).فلماذا لا نرى أصواتًا إلا عند الشكوى، ونغيب عند الشكر؟
ثانيًا: الحقيقة الكاملة... الطريق لا يزال طويلًا*
نعم، الأمور تتحسن في سوريا ولكن ببطء. وعلينا أن نكون صادقين: حزب البعث، ونظام الأسد ومن قبله نظام عبد الناصر دمروا البلد على مدى ستة عقود، دمروا الحجر والبشر. نشروا الفساد. سرقوا كل شيء. سوريا اليوم تمخض من تحت الركام.
المخلفات ثقيلة:
1. فوضى عارمة في السير، وانتشار فوضوي للموتورات.
2. انفلات في العادات لم نعرفه من قبل. عادات سيئة، شرب الأركيلة والتدخين في دوائر الدولة، وللأسف بين بعض الأطباء.
3. الدولة الفتية تحاول، لكن الخزينة لا تزال مفلسة، ولم تأتِ أي مساعدات مالية خارجية حتى الآن.
هذا كله من تركة النظام السابق. لا يمكن إصلاح خراب 60 عامًا في 180 يومًا.
ثالثًا: ما لا يُشترى بالمال... أن تكون إنسانًا حرًا
مع كل هذه العثرات، هناك مكسب لا يُقدر بثمن: الإنسان أصبح حرًا.
أصبح طليقًا. يقول ما يريد، ويعبر عما في داخله دون أن يرتجف قلبه.
سأروي لكم حادثة شخصية:
أثناء سفري من حماة إلى دمشق وأنا أقود السيارة، أوقفني حاجز. كان الشاب يحمل بندقيته بشكل أفقي، ربما من التعب. عندما توقفت عنده مازحته وقلت له: "أفزعتني".
فأخذ يعتذر ويقول: "حقك علي يا عم".
أين كنت تتوقع أن تسمع هذه الكلمة في سوريا؟
كنا في السابق نقترب من الحاجز فيبدأ القلب بالخفقان، ويرتفع الضغط. كنت تسمع الشتائم والإهانات، وحتى شتم الذات الإلهية. لم يكن الإنسان يجرؤ أن يقول "السلام عليكم" لأنها تصنفك إرهابيًا.
اليوم تدخل المطارات بأمان. الحواجز قليلة، وأصحابها مهذبون.*
رابعًا: مشاهد ما كنا نحلم بها
1. *في مشفى كبير بدمشق*: حان أذان الظهر، فقام الحضور للصلاة في مسجد المشفى. دخل مدير المشفى، وهو أستاذ جامعي، ووقف في الصف قبل الأخير يصلي مع الناس.
أتذكر في ثمانينيات القرن الماضي، عندما أقمت في مشفى حلب الجامعي أكثر من ثلاث سنوات، لم يكن لدينا مسجد أصلًا, ولم أذكر أن في كلية الطب بحلب كان هناك مسجد.
2. في الهجرة والجوازات: ذهبت مع زوجتي لاستخراج جواز سفر سوري جديد. المعاملة مرت بكل احترام. لم ندفع قرشًا واحدًا رشوة, خلال يوم واحد حصلت على الجواز.
هذه الأمور وغيرها كثير، ما كنا نحلم بها في العهد البائد.
الخاتمة: الصبر والعمل
سوريا اليوم مثل مريض خرج من غرفة الإنعاش. لا يزال ضعيفًا، ولا يزال على جسده آثار الجراح. لكنه يتنفس من رئتيه، ويقف على قدميه.
نحتاج إلى وقت، وإلى صبر، وإلى عمل. نحتاج أن نرى النصف الممتلئ من الكأس ونشكره، حتى يزيده المنعم. ونحتاج أن نعمل على النصف الفارغ حتى يمتلئ.
اللهم لك الحمد والشكر حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.*
*رئيس الجمعية الطبيه الاوربيه العربية.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
الدكتور حسان نجار… طبيب الأمة وضميرها الحي!! د. تمام كيلاني
مشفى المواساة الجامعي بدمشق: 80 عامًا من العطاء... ونداء لإعادة الإعمار بعد التحرير* د. تمام كيلاني
هل نحن جميعا عالقون في البرزخ!! د قاسم عبد العزيز الدوسري
افتتاح مدرسة "عبد الله بن مسعود" في قسطون وسط فرحة غامرة من الطلاب والأهالي!! روعة سنوبر
ترجَّلَ الكلبُ.. ترجَّلَ!! بقلم القاص عمر ايوب
د. كيلاني: يتبرع بأجهزة عينية حديثة لدعم مشفى حلب الجامعي!! روعة سنوبر
الاكثر شهرة
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!! د. تمام كيلاني* ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...