شمعدان الدموع: الطائرة كتابوت معلق في أدب المنفى!!
شمعدان الدموع: الطائرة كتابوت معلق في أدب المنفى!!
سعيدة بركاتي*
قراءة في ققج "رحلة غائرة" للقاصة إلهام عيسى/ سوريا
المدخل: من السفر إلى الدفن
تقوم ققج "رحلة غائرة" على قلب وظيفة السفر من أساسها. فالطائرة التي يفترض أنها رمز للعبور والحداثة، تنقلب في النص إلى تابوت جماعي. والمسافرون الذين يفترض أنهم يطلبون آفاقا جديدة، يتحولون إلى "جماعات مشدوهة" تُساق إلى منفى بلا عودة. وتتكثف هذه الجنازة الجوية في صورة مركزية واحدة: "شمعدانها دموع الأغتراب". فالنص لا يضيء رحلته إلا بالبكاء. ومن هنا تنبثق هذه القراءة، لتفكيك العلاقة بين الطائرة والتابوت، وبين الدموع والشمعدان، في سياق أدب المنفى القسري.
أولا: الطائرة بوصفها تابوتا
يبني النص تقابلا كاملا بين التابوت والطائرة على مستوى البنية والوظيفة.
على مستوى الإغلاق، التابوت يغلق على الجسد إلى الأبد. والطائرة تغلق أبوابها على "جماعات مشدوهة" بعد أن "تسلقوا سلم الطائرة". فينقلب سلم الصعود من رمز للارتقاء إلى سلم نعش، لا يقود إلا إلى الداخل المغلق.
وعلى مستوى الوجهة، التابوت يتجه إلى حفرة في المقبرة. والطائرة تتجه إلى "وجهة معروفة وثمنها الخلود". والخلود هنا ليس حياة أبدية، بل موت أبدي في الغربة. فتلتقي الوجهتان في معنى الانقطاع، الأولى عن الحياة، والثانية عن الوطن.
وعلى مستوى الزمن، التابوت يوقف الزمن عند لحظة الدفن. والطائرة توقف الزمن في عبارة "الأسى الذي ظل معلقا ابدا حتى العودة". وعلامة التعجب هنا تكشف استحالة العودة، فتثبت الركاب في زمن برزخي، بين إقلاع لا يهبط، ودفن لا يتم.
ثانيا: شمعدانها دموع الأغتراب
هذه الجملة هي محور النص وقلبه النابض. اختارت القاصة "شمعدان" ولم تقل "مصباح"، و"دموع" ولم تقل "نور". والفرق دلالي حاسم. الشمعدان طقس جنائزي بامتياز، فالشموع توقد حول الميت وفي مجالس العزاء لإنارة طريق الروح الأخير. فالطائرة بهذا تصير موكب جنازة، والنور الوحيد المرافق لها هو دموع الركاب على أوطانهم، وعلى ما تركوه، وعلى أنفسهم.
ويشتغل النص على مفارقة الوقود: "اثخنت الخزانات بالأسى". فالطائرة لا تطير بالكيروزين، بل بالحزن. والأسى يحترق داخليا ليخرج دموعا تضيء خارجيا. وهكذا يصبح المغترب هو الشمعة وهو المحترق بها في آن واحد. يحرق ذاته ليبصر في ظلمة المنفى.
ثالثا: تناص الجنازة مع أدب المنفى العربي
هذه المقاربة لا تقف عند حدود النص، بل تمتد إلى ذاكرة أدب النفي.
عند محمود درويش في "جواز سفر"، الطائرة ليست اختيارا بل إخراجا قسريا: "اسمي لا يليق بكم". فهي وثيقة نفي، أي صك دفن للهوية. وهذا يتقاطع تماما مع "وجهة معروفة" في نصنا.
وعند سعدي يوسف، يتحول المطار إلى "عتبة قبر". ويقول في قصيدة عن لندن: "أبكي فأضيء الغرفة". وهي الصورة نفسها لـ "شمعدانها دموع الأغتراب". المغترب لا يضيء منفاه إلا بحزنه.
القاسم المشترك بين التجربتين أن الطائرة تفقد براءتها، وتصير تابوتا جماعيا. "الجماعات المشدوهة" عند القاصة هي أفواج المهجرين عند الشاعر. والاثنان يركبان وهما يعلمان أن الرحلة بلا عودة.
الخاتمة: جنازة لم تهبط
في حصيلة القراءة، ققج "رحلة غائرة" ليست قصة سفر، بل جنازة معلقة ومنفى قسري. حولت الطائرة من آلة عبور إلى آلة دفن. الركاب لم يسافروا، بل دفنوا أنفسهم وهم أحياء. صعدوا سلم الطائرة كما يصعد الميت إلى تابوته، بالعلم المسبق بالوجهة، ودفع ثمن الخلود، وحمل الأسى وقودا.
فالطائرة في النص ليست حديدا. هي تابوت معلق في السماء. اسمه الغربة، وشمعدانه الدموع، ومفتاحه مفقود. ولهذا يبقى الأسى "معلقا ابدا"، لأن الجنازة لم تهبط، والشموع لن تنطفئ.
بقلم الأستاذة الناقدة سعيدة بركاتي/ تونس
#القصة:
رحلة غائرة
تسلقوا سلم الطائرة ، جماعات مشدوهة بعنوان مسافرين إلى محطات غائرة حد التيه ، كانت الوجهة معروفة وثمنها الخلود ، وشمعدانها دموع الأغتراب ، اثخنت الخزانات بالأسى الذي ظل معلقا ابدا حتى العودة !
إلهام عيسى.
*كاتبة وناقدة تونسية.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
الحداثة وما بعد الحداثة: لماذا أخطأنا في فهمهما؟
نحو تجديد ونزاهة النقد الأدبي المُزيّف والمأجور!!
قيامة أنثوية في عوالم مليئة بالمتناقضات..!! ريم محمد
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...