قراءة لمقال " اكسروا خرافة المركز والهامش.. لقد انتهى زمن الوصاية " للدكتورة نور الهدى قرباز ..!! طه عبد الرحمن

قراءة لمقال

قراءة لمقال " اكسروا خرافة المركز والهامش.. لقد انتهى زمن الوصاية " للدكتورة نور الهدى قرباز ..!!

 

طه عبد الرحمن*

 

جغرافيا الوهم... تشريح المركز ونشيد الهامش الأخير

ها هنا، على تخوم الكلمة حيث تذوب الحدود، وحيث يلتقي أول الشعر بآخر الفلسفة، أقف لأقول لكم إن خرافة "المركز والهامش" لم تكن يوماً فكرة نقدية بريئة، ولا أداة تحليل محايدة، بل كانت ولا تزال واحدة من أخطر أسلحة الإخضاع الرمزي في تاريخ الثقافة العربية الحديثة. إنها المصطلح الذي تحوّل إلى قدر، والاستعارة التي تجسّدت حتى صارت سجناً، والتصنيف الذي مارسته أقلام الوصاية لتوزيع الأدباء على خريطة لا وجود لها إلا في ذهن من رسموها. وحين أقول لكم "اكسروا" هذه الخرافة، فإنني لا أحرضكم على خصومة نقدية عابرة، بل أدعوكم إلى عملية تحرير وجودي، إلى إعادة ميلاد ثقافية، إلى زلزال يعيد تشكيل طبقات الوعي الأدبي من أعماقها.

تأملوا معي كيف بدأت الحكاية: في البدء، كان هناك صوت. صوت الإنسان الأول وهو يحدّق في الفراغ، صوت الشاعر الجاهلي وهو يقف على الأطلال، صوت المتصوف وهو يهتف من خلوته، صوت الراوي وهو يسرد على قافلة الليل. لم يكن أحد يومها يسأل: من أين يأتي هذا الصوت؟ أمن عاصمة أم من بادية؟ أمن قصر أم من كوخ؟ المهم كان الصوت ذاته، قوته، صدقه، قدرته على اختراق القلب وسكنى الذاكرة. ثم جاء عصر التصنيف، عصر الصناديق، عصر المركز والهامش. وجاء معه من يصنّف الأصوات لا بحسب قوتها بل بحسب مصدرها، لا بحسب صدقها بل بحسب موقعها على خارطة رسمها هو بنفسه. وهكذا ولدت العنصرية الأدبية، مقنّعة بلغة النقد، مبرّرة ببلاغة التنظير.

ولكن الحقيقة التي لا تريدون سماعها، أو التي تسمعونها ولا تجرؤون على النطق بها، هي أن المركز لم يكن موجوداً أبداً كحقيقة موضوعية. المركز كان وهماً، لكنه وهم فعّال، خطير، قاتل أحياناً. كان وهماً غذّته المطابع المركزية، ومنحته السلطة دماً ولحماً، وكرّسته الجوائز والمنابر والمؤسسات. المركز لم يكن مركزاً لأنه ينتج أدباً أعظم، بل لأنه ينتج خطاباً عن نفسه بوصفه أعظم. إنها لعبة المرايا، حيث تقف المؤسسة لتقول: "أنظر إليّ فأنا المركز"، وحين تنظر إليها تصدّق أنها المركز، وحين تصدّق أن تمنحها سلطة الاعتراف بك أو بحجب الاعتراف عنك. وهكذا اكتملت دائرة الوهم، وأصبح الأدباء في الأطراف يكتبون بعيون محدّقة إلى العاصمة، منتظرين إيماءة، متوسلين التفاتة، مستجدين قبولاً لا يمنحونه هم لأنفسهم.

ثم جاء ما لم يكن في الحسبان. جاء من حيث لا يتوقعون. جاء من الشاشات الصغيرة، من المنصات، من الفضاء الذي لا تحكمه مؤسسة ولا تتحكم فيه وصاية. لقد فعلت الثورة الرقمية ما عجزت عنه كل البيانات الأدبية والثورات النقدية: لقد ألغت الحاجة إلى المركز. لم تحاربه، لم تناقشه، لم تحاول إقناعه بالتخلي عن سلطته، بل تجاوزته ببساطة قاتلة. أصبح الكاتب من أقصى قرية، من أعمق صحراء، من أعلى جبل، من قلب واحة منسية، يفتح نافذته الرقمية فيطلّ على العالم كله. لم يعد يرسل نصوصه إلى لجان القراءة في عواصم المركز، لم يعد ينتظر شهوراً ليردّ عليه سكرتير تحرير متعجرف، لم يعد يدفع لناشره كي يوزّع كتابه ثم لا يجده في معرض. صار ينشر بنفسه، ويصل بنفسه، ويبني جمهوره بنفسه. وهكذا، في أقل من عقدين، انهار جدار برلين الأدبي، وتنفس الأدباء هواء الحرية لأول مرة منذ قرون.

ولكن، هنا تكمن المأساة الحقيقية: المركز سقط في الواقع، لكنه لم يسقط بعد في العقول. ما تزال هناك ذهنية المركز والمؤسسة والوصاية، تتنفس في أروقة الجامعات، وتطل برأسها في الندوات، وتتحكم في مناهج التدريس. ما يزال هناك نقّاد لم يكتبوا حرفاً واحداً خارج حدود ما قاله فلان وفلان، باحثون يحوّلون أطروحاتهم إلى مقابر للأسماء الكبيرة، أساتذة يدرّبون طلابهم على الاقتباس لا على التفكير، على الترديد لا على الاجتهاد، على الخوف من الخطأ لا على شجاعة السؤال. تدخل إلى قسم اللغة العربية في أي جامعة، فتجد تماثيل منصوبة: هذا عمود الشعر، وهذه نظرية النظم، وهذا نقد النقد، وكأن الأدب العربي توقف عن الحركة منذ ألف عام، وكأن العقول توقفت عن إنتاج الأسئلة.

وهنا تبرز وصاية أخرى، أشد خفاء وأكثر رسوخاً: وصاية الأسماء الكبيرة، أولئك الفلاسفة والنقّاد الغربيين خصوصاً، الذين حوّلناهم إلى آلهة صغيرة، نستشهد بهم كما يُستشهد بالنصوص المقدسة. قال دريدا، إذاً انتهى النقاش. قال فوكو، إذاً أُغلقت القضية. ذكر دولوز، إذاً بلغنا الحقيقة. يا لها من سخرية مرة: نحن الذين نرفض الوصاية السياسية والدينية، نقبل طواعية بالوصاية الفكرية، بل نتحمس لها، بل نتفاخر بها، بل نجعل من الخضوع لها علامة على الرقي والتحضر. أليس هذا هو الاستعمار بعينه، ولكن في ثوب الفلسفة؟ أليس هذا هو الهامش الذي قبلناه لأنفسنا، لا هامش الجغرافيا بل هامش العقل؟

المطلوب اليوم ليس مجرد استبدال أسماء بأسماء، ولا استبدال مركز قديم بمركز جديد. المطلوب تغيير طريقة التفكير ذاتها. المطلوب أن نجرؤ على السؤال، لا أن نتقن ترديد الأجوبة. المطلوب أن نكتب النقد الذي ينبع من معاناتنا نحن، من أسئلتنا نحن، من تربة لغتنا وتاريخنا، لا أن نستعير أسئلة الآخرين ونجبر نصوصنا على الإجابة عنها. المطلوب أن نكون "نحن"، لا أن نكون نسخة مشوهة عن "هم".

أيها الكاتب، حيثما كنت، في عاصمة أو في قرية، في برج عاجي أو في غرفة متواضعة، أعلم أن القيمة ليست في عنوانك، بل في عمقك. ليست في موقعك على الخريطة، بل في قدرتك على رسم خرائط جديدة للروح. ليست في عدد الجوائز، بل في عدد القلوب التي اخترقتها كلماتك. الأدب لا يعترف إلا بالنص. وهذه الجملة ليست شعاراً رومانسياً، بل هي الحقيقة الوحيدة التي صمدت عبر كل العصور. هوميروس لم يكن من عاصمة، والمتنبي لم يولد في مركز، وشكسبير جاء من بلدة صغيرة، ودوستويفسكي 

كتب أعظم رواياته وهو في المنفى، ونجيب محفوظ لم يغادر القاهرة لكنه وصل إلى ما هو أبعد من كل العواصم. المركز الحقيقي لم يكن يوماً مكاناً، بل كان دائماً رؤية.

وأخيراً، اسمحوا لي أن أهمس في أذن كل كاتب شاب، في كل صوت

 

* كاتب وناقد فلسطيني.

 


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

الثقافة والأدب

قراءة لنص - أنت.. وأنا – للدكتور مايكل حمدان.. !! الناقد طه عبد الرحمن

قراءة لنص - أنت.. وأنا – للدكتور مايكل حمدان.. !! الناقد طه عبد الرحمن
الثقافة والأدب

قراءة أدبية لنص تصدع خلف الجدران للشاعرة نجاة رجاح ..الناقد د. عادل جودة !!

قراءة أدبية لنص تصدع خلف الجدران للشاعرة نجاة رجاح ..الناقد د. عادل جودة !!
الثقافة والأدب

نحن لانموت لأن قلوبنا تتوقف ..!! عائشة ابراهيم قسوم

نحن لانموت لأن قلوبنا تتوقف ..!! عائشة ابراهيم قسوم


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...