محمد أحمد الطاهر: الأدب العربي يسير على ساق واحدة... والذكاء الاصطناعي لا يصنع مبدعاً!
محمد أحمد الطاهر: الأدب العربي يسير على ساق واحدة... والذكاء الاصطناعي لا يصنع مبدعاً!
حاوره : عبدالكريم العفيدلي*
بين شغف الكتابة ومسؤولية النشر، يواصل الروائي والناشر السوري محمد أحمد الطاهر بناء مشروعه الثقافي الذي يجمع بين إنتاج الرواية واكتشاف الأصوات الأدبية الجديدة عبر دار "توتول". وفي هذا الحوار لموقع " فن ومدن " يتحدث بصراحة عن واقع صناعة النشر العربية، وأزمة القراءة، ودور الجوائز الأدبية، وتأثير الذكاء الاصطناعي في مستقبل الإبداع، كما يستعيد محطات تجربته الروائية، ويكشف عن رؤيته لمستقبل الثقافة العربية، والحلم الذي ما زال يسعى إلى تحقيقه..
يقال إن الكاتب يختار الكتابة، بينما تقول تجارب أخرى إن الكتابة هي التي تختار أصحابها. كيف بدأت حكايتك مع الأدب؟
تختلف الحالة من كاتب إلى آخر؛ فالزمان والمكان والمهنة، لكل منها تأثيره الخاص، لكن الهواية الإبداعية تبقى المحرّض الأول على الكتابة. وبحكم عملي في مهنة المحاماة، كنت على احتكاك دائم بقضايا الناس، فأصبحت في قلب الحدث. وقد وُلدت كثير من رواياتي من ملفات المحاكم، مثل:" قمر على الفرات، وموعد مع الشمس، وحراس المدينة".
أنت تجمع بين الرواية وإدارة دار نشر. أيهما يمنح الآخر الحياة: الكاتب أم الناشر؟
الأدب هواية أحببتها منذ الصغر، وكنت أميل إلى الرواية أكثر من أي جنس أدبي آخر. أما النشر، فهو تجربة بدأت عام 2019، لكنها في الحقيقة حلم قديم تحقق متأخراً بتأسيس دار "توتول". أعمل في المجالين بالتوازي، لأن ذلك يمنحني متعة كبيرة رغم ما فيه من تعب وإرهاق.
ما الرهان الذي انطلقت من أجله في تأسيس دار توتول، وما الذي أردت أن تضيفه إلى مشهد النشر العربي؟
ربما كان وجود الأحبة والداعمين هو الدافع الأكبر لتأسيس دار توتول. وأسعى لأن تحجز مكانة مرموقة بين دور النشر العربية، ولذلك أحرص على تقديم محتوى متميز، من خلال إطلاق مسابقات سنوية واكتشاف الأصوات الإبداعية الجديدة.
كيف تصف واقع صناعة النشر اليوم في ظل التحديات الاقتصادية وتراجع معدلات القراءة؟
أصبحت صناعة النشر مكلفة ومرهقة للكاتب والناشر معاً بسبب الأوضاع الاقتصادية والظروف القلقة، وقد انعكس ذلك على تراجع الشغف بالكتاب الورقي، وهو ما يشكل تحدياً حقيقياً أمام الجميع.
هل أصبح الناشر اليوم شريكاً في صناعة النص، أم أن دوره ينبغي أن يتوقف عند حدود الطباعة والتوزيع؟
يختلف الأمر من ناشر إلى آخر. فهناك ناشر ينظر إلى النشر بوصفه تجارة هدفها الربح ولو على حساب جودة النص، وهناك ناشر يشعر بالمسؤولية تجاه العمل الأدبي، فيرفض النص الضعيف، وينصح الكاتب بإعادة الصياغة أو تعديل بعض المواضع، خاصة إذا كان الناشر في الأصل كاتباً وأديباً.
من خلال مئات المخطوطات التي مرت بين يديك، ما أكثر الأخطاء التي يقع فيها الروائيون الشباب؟
أبرز الأخطاء هي التسرع في الكتابة، والرغبة في الشهرة السريعة، وهو ما يكون غالباً على حساب جودة النص ومحتواه، فيصبح العمل معرضاً للفشل.
كيف توازن بين الجودة الأدبية والجدوى التجارية عند اختيار الأعمال التي تنشرها؟
عملي في النشر هو في الأساس هواية ورسالة أكثر منه مشروعاً ربحياً. لذلك لا أضع الربح في المقام الأول، بل يكفيني أن يكون العمل ناجحاً ويغطي تكاليف إنتاجه، فذلك يمنحني شعوراً كاملاً بالرضا.
ما المعايير التي تجعل مخطوطة ما تستحق أن تتحول إلى كتاب؟
يختلف الأمر من كاتب إلى آخر، لكن هناك عناصر أساسية لا غنى عنها، وهي: الفكرة، والحبكة، والسرد، والحوار، والهدف، على أن تكون جميعها منطقية ومتوازنة ومتماسكة.
هل ما يزال الأدب قادراً على تغيير الوعي، أم أصبح مجرد شاهد على ما يحدث؟
الأدب الروسي أشعل الثورة على حكم القياصرة، وفي فرنسا كان من المحرضين على اقتحام الباستيل. أما الأدب العربي، ولا سيما في مصر وسورية خلال الخمسينيات والستينيات، فقد كان مؤثراً ومزعجاً للسلطة بسبب مساحة الحرية. أما اليوم، فقد تراجع دوره وأصبح في كثير من الأحيان مؤرخاً للأحداث ومصوراً للواقع أكثر من كونه محركاً له.
كيف تنظر إلى المشهد الثقافي السوري اليوم؟ وهل استطاع أن يتعافى من سنوات الحرب؟
أعتقد أن المشهد الثقافي السوري، بل والعربي عموماً، لن يتعافى إلا بوجود سلطة تحترم الكاتب، وإعلام يروج للثقافة كما يحدث في كثير من دول العالم.
برأيك، هل الأزمة التي يعيشها الأدب العربي أزمة كتابة، أم أزمة قراءة، أم أزمة مؤسسات ثقافية؟
أرى أننا نعاني قبل كل شيء أزمة أخلاق، قبل أن تكون أزمة قراءة أو مؤسسات ثقافية، وهذه المشكلة تشمل معظم أنحاء الوطن العربي.
ماذا أضافت الجوائز الأدبية للمشهد الروائي العربي، وماذا سلبت منه؟
الجوائز أصبحت حافزاً مهماً للكتابة، خاصة بعد تراجع دور الحكومات في دعم الكتّاب ورعايتهم، فأصبح كثير من المبدعين يسعون إلى تطوير أعمالهم أملاً في الفوز بهذه الجوائز.
بصفتك روائياً، كيف تتعامل مع الحدود الفاصلة بين الواقع والخيال؟
الخيال ضرورة لا غنى عنها، لأنه يمنح النص الحياة والجمال، لكن ينبغي ألا يكون ذلك على حساب المحتوى أو صدقية العمل.
هل تؤمن بأن الرواية ينبغي أن تحمل رسالة، أم يكفي أن تكون عملاً فنياً متقناً؟
أؤمن بأن الرواية ينبغي أن تحمل رسائل متعددة، لا رسالة واحدة. فالأدب يستطيع أن يقول ما قد يعجز المواطن البسيط عن قوله، ويوصل أفكاره برسائل مباشرة أو رمزية إلى المتلقي.
ما الرواية التي شعرت أنها تمثلك أكثر من غيرها؟ ولماذا؟
الرواية التي تحمل هماً إنسانياً وهدفاً سامياً هي الرواية التي تمتلكني وتعبر عني أكثر من غيرها.
كيف ترى أثر الذكاء الاصطناعي على مستقبل الكتابة والنشر؟
ما يبدعه العقل الإنساني والقريحة لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعوضه. وأرى أن الاعتماد عليه في الإبداع الأدبي يشوه الأدب، ويحاول أن يساوي بين المبدع الحقيقي ومن لا يمتلك أدوات الإبداع.
ما المشروع الثقافي الذي تحلم بتحقيقه ولم تسنح له الفرصة بعد؟
أحلم بأن تصبح دار توتول دار نشر عالمية، وأن تتوسع جائزتها لتشمل مختلف الأجناس الأدبية.
لو طلبت منك أن تصف المشهد الثقافي العربي بكلمة واحدة، فماذا ستكون؟ ولماذا؟
أقول: يسير على ساق واحدة؛ لأنه يفتقد كثيراً من مقومات النهوض المتكامل.
ما النصيحة التي تقدمها لكاتب يطرق باب النشر للمرة الأولى؟
أنصحه بألا يتسرع، وأن يقرأ عمله مرات عديدة، وأن يستعين بأصحاب الخبرة في اللغة والأدب قبل أن يقدمه للنشر.
أخيراً... ماذا يريد محمد أحمد الطاهر أن يبقى منه بعد سنوات: الروايات التي كتبها، أم الكتّاب الذين منحهم فرصة الظهور؟
أتمنى أن يبقى الاثنان معاً، الروايات التي كتبتها، والكتّاب الذين منحتهم فرصة الظهور، لأن كلا الأمرين يمثلان جزءاً من رسالتي الثقافية.
*كاتب وشاعر سوري/ الرقة.
أ. محمد أحمد الطاهر كاتب وناشر سوري
أ. عبد الكريم العفيدلي. كاتب وشاعر سوري
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
هل يمكن تعليم الإحساس؟ .. الفن والغناء في مواجهة مقولة فولتير..!! أسامة حجاج
إذا حارب الرجلُ العالم فراهنوا على العالم. "فرانزكافكا"..!! بلال محمد عيد الكسواني
شعرية العجائبي وتمثلات الذاكرة والهوية في رواية " سِفر الدم" للكاتبة هبة رزق مقاربة سردية دلالية..!! سعيد محتال
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...