أتاك الدور يا دكتور: من صرخة أطفال درعا إلى سقوط الخوف!
د. تمام كيلاني
أتاك الدور يا دكتور: من صرخة أطفال درعا إلى سقوط الخوف!
د. تمام كيلاني
في تاريخ الشعوب لحظات صغيرة تبدو عابرة، لكنها تتحول إلى شرارة تغيّر مسار التاريخ. في ربيع عام 2011، خرجت من جدران مدرسة في مدينة درعا عبارة بسيطة كتبها أطفال صغار: “أتاك الدور يا دكتور”. كانت كلمات بريئة، لكنها حملت في طياتها غضب شعبٍ أنهكه القمع، ورسالة جيلٍ لم يعد يخشى السلطة. لم يكن أولئك الأطفال يدركون أن كلماتهم ستتحول إلى بداية واحدة من أعظم الانتفاضات في تاريخ سوريا الحديث.
في 15 آذار/مارس 2011 خرجت أولى الاحتجاجات الشعبية، مطالبة بالحرية والكرامة والإصلاح السياسي. كان المتظاهرون يرفعون أصواتهم بشعارات بسيطة: العدالة، إنهاء الفساد، وإطلاق الحريات. لم تكن تلك المطالب ثورية في بدايتها، بل كانت تعبيراً طبيعياً عن رغبة شعبٍ في حياة كريمة بعد عقود من الحكم الأمني الذي رسخته سلطة بشار الأسد وحزب حزب البعث العربي الاشتراكي.
لكن الرد لم يكن إصلاحاً، بل قمعاً. واجهت السلطات تلك المظاهرات السلمية بالاعتقالات والرصاص الحي. وسرعان ما انتشرت الاحتجاجات من درعا إلى مدن أخرى مثل حمص وحماة وحلب ودمشق. ومع كل يوم كان يمر، كان الشارع السوري يزداد إصراراً على التغيير، بينما كان النظام يزداد تشدداً في مواجهته.
تحولت المظاهرات إلى حركة شعبية واسعة، وبدأت المدن السورية تعيش مشهداً غير مسبوق: مئات الآلاف يخرجون إلى الشوارع، يهتفون للحرية ويطالبون بإنهاء حكم الاستبداد. كانت تلك اللحظة بداية كسر حاجز الخوف الذي ظل جاثماً على صدور السوريين لعقود طويلة.
غير أن مسار الأحداث سرعان ما دخل مرحلة أكثر دموية. فبدلاً من الاستجابة للمطالب الشعبية، صعّد النظام استخدام القوة العسكرية، بما في ذلك المدفعية الثقيلة والطيران. تعرضت أحياء ومدن كاملة للقصف، وسقط آلاف الضحايا بين قتيل وجريح، فيما اضطر ملايين السوريين إلى النزوح داخل البلاد أو اللجوء إلى دول الجوار.
خلال السنوات التالية تحولت سوريا إلى ساحة صراع معقد، تشابكت فيه عوامل داخلية وخارجية. ظهرت قوى مسلحة متعددة، وتدخلت أطراف إقليمية ودولية، ما جعل الأزمة السورية واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية والسياسية تعقيداً في القرن الحادي والعشرين.
ومع ذلك، بقيت جذوة الثورة الأولى — ثورة الكرامة والحرية — حاضرة في ذاكرة السوريين. فقد كانت تلك اللحظة التي أعلن فيها الناس أن زمن الصمت قد انتهى، وأن الشعوب مهما طال صبرها لا يمكن أن تقبل الظلم إلى الأبد.
إن قصة تلك العبارة التي كتبها أطفال درعا ليست مجرد حادثة عابرة في التاريخ، بل رمزٌ لروح التحدي التي يمكن أن يولدها الظلم نفسه. ففي كثير من الأحيان، تبدأ التحولات الكبرى بكلمات بسيطة يخطها الصغار، لكنها تعكس شعور أمة كاملة.
لقد علّمت التجربة السورية العالم درساً عميقاً: أن الشعوب التي تطالب بالحرية قد تدفع أثماناً باهظة، لكن صوتها لا يختفي من التاريخ. فالأجيال القادمة ستظل تتذكر كيف بدأت الحكاية بعبارة قصيرة على جدار مدرسة، وكيف تحولت تلك الكلمات إلى صرخة شعب بأكمله.
وهكذا تبقى “أتاك الدور يا دكتور” أكثر من مجرد جملة؛ إنها شهادة على لحظة تحدّى فيها الأطفال الخوف، وفتحوا باباً لمرحلة جديدة في تاريخ سوريا — مرحلة كتبها الناس بآمالهم وتضحياتهم، وما زال صداها يتردد في الذاكرة الجماعية للسوريين حتى
اليوم
تحية إجلال وإكبار إلى ثوار درعا الميامين، أولئك الذين أشعلوا شرارة الحرية في أرض سوريا، وكتبوا بدمائهم وتضحياتهم الصفحة الأولى من ملحمة شعب رفض الذل والاستبداد.
*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!
قتلُ امرئٍ في غابةٍ جريمةٌ لا تُغتفر… وقتلُ شعبٍ آمنٍ مسألةٌ فيها نظر!!
السرقة في زمن الكذب… سرقة القيم والأسماء الإنسانية
نوفا العرب السورية.. تتوجع فارسة اللغات في النمسا!!
الإفطار الرمضاني في فيينا… تقليد إنساني يعزز التعايش في زمن التحديات!!
ستون عاماً بين السجون والخراب… ثم جاء فجر الحرية!!
الاكثر شهرة
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!! د. تمام كيلاني* ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...
القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكرية
القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكريةأبوبكر كهال – كاتب إرتريتقع مجموعة هُمّد المعنو...
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!! جلال دشان* لسنا في مقام معاداة أحد، ولا في مقام تصنيف النا...