سوريا بين الذاكرة والمستقبل: من الانقسام إلى فلسفة التلاقي! د. تمام كيلاني
د. تمام كيلاني
سوريا بين الذاكرة والمستقبل: من الانقسام إلى فلسفة التلاقي!
د. تمام كيلاني*
أصدقائي وأحبتي السوريين،
ليست الكتابة في هذه المرحلة ترفاً فكرياً، ولا هي مجرد تعبير عن رأي، بل هي مسؤولية أخلاقية ومعرفية، تفرضها لحظة تاريخية دقيقة نعيشها جميعاً. فالأوطان، عندما تخرج من أزمنة الانكسار، لا تحتاج فقط إلى إعادة إعمار ما تهدّم، بل إلى إعادة بناء الوعي الذي سيتحكم بشكل هذا الإعمار واتجاهه.
أكتب إليكم اليوم ، بعد مسيرة طويلة امتدت بين العلم والغربة، بين ممارسة الطب كرسالة إنسانية، والانتماء إلى وطنٍ لم يغادرني رغم كل المسافات. أمضيت ما يقارب ثلاثين عاماً في سوريا في طلب العلم، حتى تخصصت في طب العيون، مؤمناً أن الإبصار ليس وظيفة العين فقط، بل وظيفة العقل أيضاً: أن نرى بوضوح، وأن نفهم بعمق.
غادرت سوريا عام 1982، بعد أن شهدت مدينتي حماة ما شهدته من دمارٍ وألمٍ عميق. خرجت كما خرج كثيرون، أحمل معي ما لا يُحمل: ذاكرة مثقلة، وحنيناً لا ينطفئ. وعلى مدى السنوات، وخاصة الخمس عشرة الأخيرة، طالت غربتي، لكن هذا البعد لم يُنقص من انتمائي، بل زاده رسوخاً. فالوطن، في معناه الأعمق، ليس مكاناً نعيش فيه فقط، بل فكرة نعيش من أجلها.
وعندما عدت إلى سوريا بعد التحرير، وجدت واقعاً قاسياً لا يمكن إنكاره: بنية مادية منهكة، ومجتمع يحتاج إلى إعادة ترميم عميقة. لكنني، في الوقت ذاته، لمست إرادة الحياة لدى الناس، ورأيت في ذلك أساساً يمكن البناء عليه.
ومن هذا الإيمان، سعينا، من خلال اتحاد الأطباء والصيادلة العرب في النمسا، والجمعية الطبية الأوروبية العربية، إلى أن نكون جزءاً من عملية النهوض، فبدأنا بالمساهمة في دعم النظامين الصحي والتعليمي، عبر مؤتمرات علمية، ومشاريع طبية، ومبادرات لإعادة إحياء المدارس ودور العبادة. هذه الجهود لم تكن مجرد أعمال خدمية، بل كانت محاولة لإعادة بناء الثقة، وهي الركيزة الأهم لأي مجتمع يسعى للتعافي.
غير أن ما يثير القلق، بل ويستدعي وقفة جادة، هو استمرار حالة الانقسام، لا على مستوى الأفراد فقط، بل على مستوى البُنى والتنظيمات، سواء في الداخل أو في الخارج.
كفانا انقساماً على مستوى الجمعيات… كفانا تشظّياً في الكيانات… كفانا تكراراً لنفس أنماط التفرقة بأسماء مختلفة.
إن التعدد في ذاته ظاهرة صحية، لكن حين يتحول إلى تنافس هدّام، وإلى صراع على النفوذ أو التمثيل، فإنه يفقد معناه، ويصبح عبئاً على المجتمع بدلاً من أن يكون رافعة له. لا يمكن لمجتمع أن ينهض بجمعيات متنافرة، ولا بمبادرات تعمل في جزر معزولة، ولا بخطاب يكرّس الانقسام بدل تجاوزه.
في الفلسفة الاجتماعية، يقوم أي مجتمع متماسك على مبدأ التكامل، لا التناحر. وكل بنية لا تقوم على التعاون محكومة بالهشاشة، مهما بدت قوية في ظاهرها. لذلك، فإن الأصوات التي تدعو إلى الانفصال أو التمايز الضيق، سواء كانت مناطقية أو فئوية أو حتى مؤسساتية، هي أصوات تتعارض مع منطق التاريخ، ومآلها – حتماً – إلى الزوال والفناء.
وما يزيد من خطورة هذا المشهد، هو ما نراه على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تحوّل الفضاء العام إلى ساحة للاتهامات، والمزايدات، والمهاترات التي تستنزف الطاقات وتُعمّق الشروخ.
كفانا مهاترات… كفانا تبادلاً للاتهامات… كفانا خطاباً يفتقر إلى الحد الأدنى من المسؤولية.
إن الكلمة ليست أداة عابرة، بل هي فعلٌ مؤثر في تشكيل الوعي. والخطاب الذي يقوم على التجريح أو الإقصاء لا يمكن أن يُنتج مجتمعاً سليماً. المثقف الحقيقي، بالمعنى العميق، ليس من يملك الحقيقة، بل من يفتح المجال لتعددها، دون أن يُسقط احترام الآخر.
نحن اليوم بحاجة إلى انتقال نوعي في التفكير: من ثقافة الانقسام إلى ثقافة التلاقي، من منطق “أنا أو أنت” إلى منطق “نحن معاً”. فالوطن لا يُبنى بالغلبة، بل بالشراكة، ولا يستقر بالإقصاء، بل بالتكامل.
التسامح، في هذا السياق، ليس خياراً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة وجودية. والتآخي ليس شعاراً عاطفياً، بل قاعدة عمل. علينا أن نعيد توجيه بوصلتنا نحو ما يجمعنا، لا ما يفرّقنا، وأن نستثمر في المشترك الوطني، لا في الهويات الضيقة.
سوريا، بتاريخها وتركيبتها، هي نموذج للتعدد الذي لا يعيش إلا بالوحدة. وكل محاولة لتفكيك هذا النسيج، تحت أي ذريعة، هي محاولة لمصادرة المستقبل.
فلنرتقِ بخطابنا، ولنُحسن إدارة اختلافنا، ولنضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. فالسفينة واحدة، وأي خلل فيها لن يصيب طرفاً دون آخر.
هذه دعوة صادقة، تنطلق من تجربة عمر، ومن إيمان عميق بأن سوريا، رغم كل ما مرّ بها، لا تزال قادرة على النهوض… ولكن بشرطٍ واحد: أن نكون معاً.
محبتي وتقديري لكل سوري، أينما كان.
*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
علي جعفر العلاق... جائزة النيل تتوج شاعرًا جعل من القصيدة وطنًا للإنسان والذاكرة!
الملكة المثيرة للجدل… بين بناء الإمبراطورية ونقض العهود!
الموريسكيون في إسبانيا دراسة تاريخية في الذاكرة والهوية والتحولات المعاصرة..!! د. تمام كيلاني
أوروبا والمسلمون… حين يصبح سؤال المستقبل أكبر من سؤال الاندماج..!! د. تمام كيلاني
من النشر إلى التأثير.. منتدى دولي في فيينا يعيد تعريف البحث العلمي!
ليس كل سوري خبرًا سيئًا… عندما تصبح الصورة الناقصة خطرًا على المجتمع..!! د. تمام كيلاني
المكتب الثقافي المصري في فيينا.. دبلوماسية ثقافية ترسّخ الحضور المصري في أوروبا!!
Persönlichkeiten, die den Weg der islamischen Präsenz in Europa geprägt haben Omar Al-Rawi … Ein Lebensweg im Zeichen von Teilhabe, Dialog und gesellschaftlicher Verantwortung
فيينا… مدينة جودة الحياة تستقبل المؤتمر الثالث والثلاثين لاتحاد الأطباء والصيادلة العرب في النمسا..!! د. تمام كيلاني
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...