.. الكيلانية ذبيحة التاريخ التي لا تُجمّلها الحجارة!! الترميم ليس تبرئة!! د. تمام كيلاني

.. الكيلانية ذبيحة التاريخ التي لا تُجمّلها الحجارة!! الترميم ليس تبرئة!! د. تمام كيلاني

 الكيلانية ذبيحة التاريخ التي لا تُجمّلها الحجارة!!

 

تمام كيلاني*

 

 

 

 الترميم ليس تبرئة..

هل يُخفي مسحوق التجميل ندوب المجزرة؟

 

هذا السؤال يصرخ اليوم في وجه كل من يظن أن "إعادة افتتاح" هنا و"ترميم جسر" هناك كافٍ لطي صفحة حي الكيلانية.

 

أقولها بصوت ثمانية قرون من المجد المذبوح: لا. وألف لا. والتاريخ لا يُرمم بالإسمنت.

 

أولًا: الحقيقة التي لا يقبلها إسمنت ولا حجارة

 

حي الكيلانية لم "يتضرر". حي الكيلانية أُبيد عن بكرة أبيه.

لم ينهَر فيه جدار أو جداران. سُوي بالأرض في شباط 1982 على يد عصابات حافظ الأسد.

 

1. أُحرق قصر الحمراء / قصر الطيارة، درة قصور سوريا، المُسجَّل على لوائح اليونسكو كتراث إنساني عالمي.  

2. نُسفت الزاوية القادرية التي شيدها سيف الدين يحيى الجيلاني عام 1334م، قلب الحي النابض منذ 7 قرون.  

3. دُكَّ جامع الشيخ إبراهيم الكيلاني المبني 1667م، وحمام الشيخ العثماني، والمضافات، والأقبية الدهليزية التي كانت تدرّس كنماذج معمارية في كليات أوروبا.  

4. هُجّر أهله وسجنوا وقُتلوا، من آل الكيلاني الهاشميين وحدهم سقط 180 شهيدًا، عائلات كاملة دُفنت تحت الأنقاض.  

5. سُلبت الحقوق واغتُصبت ، بيوت، أوقاف، أراضٍ، مقامات، إرث 800 عام... صودر ونهب ولم يُردّ إلى أصحابه حتى هذه اللحظة.

 

هذه ليست "أضرارًا" قابلة للترميم. هذه مجزرة موثقة أبادت أكثر من 40 ألف إنسان، وجريمة حرب بحق التراث الإنساني.

 

ثانيًا: جسر الكيلانية... شاهد الإثبات الذي لا يكذب

 

نعم، شاهدت المقطع. ورأيت جسر الشيخ عبد القادر الكيلاني يُرمم.  

لكن دعوني أذكّر: هذا الجسر ذاته هو الذي داست جنازير الدبابات فوقه في طريقها لإبادة الحي. شهد على زحف الموت نحو قصر الحمراء والزاوية القادرية.

 

ترميم حجر الجسر لا يشطب صورة الدبابة من ذاكرتنا.  

طلاء الواجهة لا يُحيي 180 روحًا من آل الكيلاني.  

قص شريط الافتتاح لا يفتح ملف العدالة المغلق.

 

الرتوش التجميلية لا تمحو الجريمة. بل تتحول إلى إهانة للضحايا حين تُقدَّم كبديل للحقيقة والعدالة.

 

ثالثًا: مطلبنا ليس "تجميلًا"... مطلبنا "عدل"

 

أنا ابن الكيلانية. وُلدت في أزقته، ورضعت من هواء قبابه، ورأيته للمرة الأخيرة صباح الثلاثاء 2 شباط 1982، قبل ساعات من محوه. كتب الله لي النجاة لأشهد وأُشهد.

 

لذلك أقولها باسم كل حر في سوريا، وبوضوح لا يقبل المساومة:

 

1. الحقوق أولًا، ثم الحجارة: أعيدوا الأملاك المغتصبة لورثتها الشرعيين. أعيدوا أوقاف الزاوية القادرية. افتحوا ملفات المصادرة والنهب. لا ترميم قبل استرداد الحقوق.

2. التوثيق قبل التبييض : نطالب بلجنة وطنية ودولية مستقلة توثّق: كيف ولماذا أُبيد حيّ مسجل في اليونسكو؟ من أصدر الأمر؟ من نفذ؟ جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم.  

3. العدالة قبل الاحتفال : لا تطلبوا منا التصفيق لافتتاح جسر فوق رفات أهلنا. لا تطلبوا منا النسيان. أشلاؤهم لا تزال شاهدة تحت تراب الحي.  

4. الإعمار الكامل لا الترقيع المُهين الكيلانية ليست جسرًا وحيدًا. هي 13 قصرًا، و4 زوايا،و حمامات نهرية لا مثيل لها، وناعورة، وأقبية، ومضافات، وبيوت لعائلات كاملة مُحيت من الوجود. المشروع يجب أن يكون بحجم الجريمة وبحجم التاريخ، أي "عالميًا" كما كان الحي، أو لا يكون.

 

رابعًا: إلى الحكومة الجديدة... هذه أمانة الشهداء

 

يا من تسلمتم سوريا بعد التحرير.  

يا من في عهدكم دخلنا المطارات بلا خوف، وتكلمنا بلا رقيب.

 

نقر أننا ربما لم نحمل السلاح في الخطوط الأمامية، لكن دعمنا للثورة كان ثابتًا منذ يومها الأول، قبل السقوط وبعد التحرير: بالمال، بالعتاد، بسيارات الإسعاف، بالأدوية، بالسلال الغذائية، وبإعادة تأهيل المشافي والمدارس والمؤسسات الصحية.

 

نعلم أن الإرث ثقيل، والخزائن خاوية، والجرح غائر.  

لكن العدالة ليست ترفًا. العدالة هي حجر الأساس الذي تُبنى عليه سوريا الجديدة.

 

أملنا بكم أن تعيدوا الحق إلى نصابه.  

أن تتعاملوا مع ملف الكيلانية كقضية وطن وكرامة، لا كمشروع ترميم بلدي.  

أن تقولوا للعالم أجمع: "نحن لا نرمم جرائم نظام الأسد... نحن نحاكم مجرميه، ونُنصف ضحاياه، ثم نُعيد البناء على قاعدة الحق والعدل".

 

الكيلانية ذاكرة. والذاكرة لا تُقتل مرتين: مرة بمدافع الأسد، ومرة بنسيان الأحرار.

 

لن نسمح بتجميل القبح على حساب الدم.  

لن نقبل بجسر يُدشّن فوق مقبرة جماعية.  

زمن الصمت ولّى إلى غير رجعة.

 

{وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}

 

د. تمام كيلاني

حفيد الكيلانية... وشاهد على مجزرة حماة قبل وقوعها بساعات.

 

*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا.

 

 

 

 

 

 

 


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

حي الكيلانية: ذاكرة حماة المذبوحة!! د. تمام كيلاني

حي الكيلانية: ذاكرة حماة المذبوحة!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

اجتماع تحضيري لمؤتمر اتحاد الأطباء والصيادلة السوريين الثالث والثلاثين! روعة سنوبر

اجتماع تحضيري لمؤتمر اتحاد الأطباء والصيادلة السوريين الثالث والثلاثين! روعة سنوبر
بوابة دمشق

دمشق تتنفس: من لقاء الياسمين إلى ذاكرة حماة الجريحة!! د. تمام كيلاني

دمشق تتنفس: من لقاء الياسمين إلى ذاكرة حماة الجريحة!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

شهادة من دمشق: سوريا تتنفس... ببطء ولكن بحرية!! د. تمام كيلاني

شهادة من دمشق: سوريا تتنفس... ببطء ولكن بحرية!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

الدكتور حسان نجار… طبيب الأمة وضميرها الحي!! د. تمام كيلاني

الدكتور حسان نجار… طبيب الأمة وضميرها الحي!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

مشفى المواساة الجامعي بدمشق: 80 عامًا من العطاء... ونداء لإعادة الإعمار بعد التحرير* د. تمام كيلاني

مشفى المواساة الجامعي بدمشق: 80 عامًا من العطاء... ونداء لإعادة الإعمار بعد التحرير* د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!   د. تمام كيلاني*   ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...

تابعونا


جارٍ التحميل...