أوسكار ٢٠٢٦ : " هند رجب " على خريطةً العالم!!
أوسكار ٢٠٢٦ : " هند رجب " على خريطة العالم!!
عمر سعيد*
تابعتُ حفل الأوسكار الثامن والتسعين، حين خطر لي سؤال: متى تحوّل هذا الحفل من مجرد توزيع جوائز إلى قراءة في أحوال الحضارة؟
الجواب، على ما أظن، بدا واضحاً لأول مرة هذا العام بالذات.
الملك مات، ولم يحضر جنازته أحد :
في زمن العولمة الأولى، كانت هوليوود تنتج "ملكاً للأفلام" كل عام ؛ فيلم واحد يهيمن على الليلة كلها، يحصد الجوائز الكبرى، ويُعلن نفسه صوتاً للحظة. " تيتانيك " ، كل شيء في كل مكان دفعة واحدة. أفلام تقول للعالم: هذا ما نحن عليه الآن.
لكن أوسكار ٢٠٢٦ لم يُنتج ملكاً، أنتج - على مايبدو - برلماناً!
توزّعت الجوائز الكبرى على أعمال متعددة، كأنّ الأكاديمية قررت هذا العام أن تتخلى عن منطق التتويج لصالح منطق التمثيل ؛ فاز فيلم "معركة بعد أخرى" بسبع جوائز رئيسية منها أفضل فيلم وأفضل مخرج لبول توماس أندرسون، وأفضل ممثل مساعد لشون بن.
و لكن ، وهنا المفارقة ، ذهبت جائزة أفضل ممثل إلى مايكل بي جوردان عن فلم "الخطاة"، وأفضل ممثلة إلى جيسي باكلي عن "هاملت" ، هذا التشتت ليس فوضى، إنما هو الرسالة ذاتها : العالم لم يعد يقبل بصوتٍ واحد يتكلم باسم الجميع.
ثلاثة أفلام وقضية عمرها سبعون عاماً :
القصة الأعمق في هذه الدورة لم تكن على خشبة المسرح ، لقد كانت في قوائم الترشيح.
للمرة الأولى في تاريخ هوليوود تقريباً، وصلت ثلاثة أفلام تحمل " الرواية الفلسطينية " إلى القائمة المختصرة للأوسكار في موسم واحد .
ثلاثة أفلام في وقت واحد.
هذا ليس مصادفة، هذا زلزال ثقافي بطيء.
أبرزها فلم "صوت هند رجب" الفتاة الفلسطينية ، للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، الذي يُعيد بناء اللحظات الأخيرة من حياة هند الفلسطينية بعمرها ست سنوات، وعبر تسجيلاتها الصوتية الحقيقية ، طفلة من غزة حوصرت داخل سيارة بعد استهدافها، حيث قُتلت عائلتها وبقيت وحدها تستغيث.
اتصلت بالإسعاف بصوتٍ مرتجف طالبة النجدة، في تسجيل هزّ العالم.
لكنها قُتلت قبل إنقاذها، لتصبح رمزًا لمأساة الأطفال في الحرب.
و في مهرجان فينيسيا وقف الجمهور يصفق لأكثر من عشرين دقيقة. عشرون دقيقة من التصفيق لصوت طفلة لم تُكمل عمرها.
هذا ما تفعله السينما حين تقرر أن تكون شاهداً يحكي ويكتب.
ورافقه فلم "فلسطين 36" للمخرجة آن ماري جاسر، ملحمة تاريخية تعود إلى ثورة 1936، و فلم "اللي باقي منك" للمخرجة شيرين دعبيس، التي ترصد ثلاثة أجيال فلسطينية من النكبة حتى الثمانينيات.
الجدار الأمريكي يرد على السجادة الحمراء:
غير أن ما حدث على هامش الحفل كان أكثر إيلاماً من أي مشهد في هذه الأفلام مجتمعة.
معتز ملحيس، بطل فلم "صوت هند رجب"، مُنع من دخول الولايات المتحدة؛ ليس لأنه فعل شيئاً، إنما لأنه يحمل وثيقة سفر فلسطينية. كتب ببساطة مدهشة:
"فيلمنا مرشح للأوسكار ، لكنني لن أكون حاضراً ، لا يسمح لي بالدخول بسبب جنسيتي ".
من يعرف واشنطن جيداً ، سيعرف أن السياسة الأمريكية حين تتشابك مع الثقافة تُنتج أحياناً مفارقات تقول أكثر مما تقصد ؛ فالجدار الذي بناه قرار ظالم في ديسمبر 2025 بحظر وثائق السفر الفلسطينية لم يمنع فيلماً من الوصول إلى هوليوود، لكنه منع صاحبه من رؤيته يُكرَّم.
الصوت وصل، صوت " هند رجب "، لكنوصوت صاحبه بقي خلف الحدود.
هوليوود تُعيد رسم نفسها :
على المستوى الأعمق، يخبرنا أوسكار ٢٠٢٦ أن صناعة السينما تمر بما يمكن تسميته "إعادة التشغيل الكبرى" ؛ الاستوديوهات العملاقة تتراجع . . . منصات البث تتقدم . . . والمخرجون المستقلون من القاهرة وتونس وعمان وسيول باتوا يتنافسون على المنصة ذاتها مع أبناء لوس أنجلوس!
الفيلم النرويجي "قيمة عاطفية" فاز بأفضل فيلم دولي، وذهبت جائزة أفضل فلم وثائقي إلى "السيد لا أحد في مواجهة بوتين".
أكاديمية الأوسكار، التي وسّعت عضويتها بعد موجة انتقادات عام ٢٠١٦ ، باتت تعكس عالماً متعدد الأصوات لا عالماً أحادي المركز ، قي منظرٍ يشير الى تحولٍ في الذوق، وتحولٍ في موازين القوى الناعمة.
في نهاية ليلة الاوسكار حيث صرخ الجميع " لا للحرب " ، وحين أُطفئت أضواءُ مسرح " دولبي " ، بقي السؤال الذي يطاردنا دائماً حين نفكر في أضواء هوليوود وواشنطن وبقية العالم:
هل تستطيع السينما أن تفعل ما عجزت عنه الدبلوماسية؟
ربما لا!
لكنها على الأقل تجعلنا نرى ما لا نريد أن نراه.
وهذا، في حد ذاته، بداية.
* كاتب وقاص فلسطيني.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
الصحراء والطفولة المتأخرة في رواية "التبر" لإبراهيم الكوني!
الاكثر شهرة
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!! د. تمام كيلاني* ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...
القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكرية
القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكريةأبوبكر كهال – كاتب إرتريتقع مجموعة هُمّد المعنو...
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!! جلال دشان* لسنا في مقام معاداة أحد، ولا في مقام تصنيف النا...