رواية «جنّ»: حين لا يكفي البيت لجمع العائلة
رواية «جنّ»: حين لا يكفي البيت لجمع العائلة
حسن داوود*
لم يكن ذاك الأب (حسين) طامحا لأكثر من أن يشتري بيتا للعائلة في إسطنبول. وقد تحقّق له ذلك، حتى إنه أنجز تأثيثه وبات قابلا للسكن قبل أيام قليلة من وفاته بأزمة قلبية مفاجئة. كان في عمر التاسعة والخمسين، ما يمكّنه، في بداية الرواية، أن يقصّ سيرة حياته كاملة. لكن هذه السيرة ستتزعزع حين يروح كل من الأبناء يروي سيرته ضمن حياة العائلة. كان بعضهم ما زال يقيم في ألمانيا، يعيش كل منهم مخالفا لما ظنّ الأب حسين أنه أنشاه عليه. ما كان ينتظره من الحياة هو الكدّ المتواصل والاقتناع بالمسرّات القليلة التي تتيحها. كان يعمل على الانسجام، بل الانضباط، ليكون على قدر مساحة الوجود المعطاة له.
حين كان ما يزال بعد في تركيا حال دون أن يتكلم أولاده باللغة الكردية. التركية فقط، حسبما تسمح به الإقامة في ذاك البلد (تركيا)؛ كما من أجل أن لا يتوزّع أبناؤه بين لغة أصل ولغة ثانية مكتسبة (ألمانيا).
من أماكنهم المتفرّقة كان على الأبناء أن يأتوا عائدين إلى إسطنبول ليشاركوا في تشييع الجنازة. لم تكن العودة هيّنة لبعضهم، فالإبنة الكبرى (سيفدا) عوقّها، بعد وصولها إلى المدينة حيث المطار، نسيانها لجوازات السفر في بيتها البعيد. أما هاقان، أكبر الأخوة الذكور، فأخّرته عن الوصول إلى المطار دورية جوالة للشرطة. لم يخل ذلك من عنصرية، لم يكن ممكنا إخفاؤها، العنصرية التي أطلقها عدم ملاءمته لنوع سيارته الألفا روميو. وفي الحوار مع دورية الشرطة، ذاك الذي احتوته حصته من السرد في الرواية، بدا هاقان نزقا في البداية ـ لكنه لم يلبث أن أطاع حين تبيّن له أنه لن يقدر على الاستمرار في نزقه، وانه لم يستطع التوقّف عن مشهد أبيه المذل مع الشرطة.
ما أنشأه الأب ليس إلا عائلة مفكّكة، فأبناؤها غير متجانسين، وسيكون هذا سببا في النزاع الكلامي الذي قام بينهم. فقاهان رفض الإنتساب إلى وظيفة، محبذا الانصراف إلى عمل خاص تمثّل في تجارة السيارات المستعملة، رخيصة الثمن. لم يكمل تعليمه الجامعي، فيما شقيقته بيري غرقت في النيتشوية والتفلّت من كل محافظة في سلوكها وخياراتها. أما أوميت، الذي تبدأ به سير الأخوة، رغم أنه أصغرهم، فخائف مذعور، ويخفي ميله إلى المثلية الذاهبة به إلى أقصى حدّ من حدود مخالفة تقاليد الأصل وثقافته. أما سفيدا فكانت الأقل حظا بين أخواتها وأخوتها، لكونها منعت من الدراسة وزّوّجت، وهي في سنّ مبكّرة، لشاب هو حسّان أخرجته من حياتها بعد أن أنجبت منه ولدين.
الأبناء والبنات الأخوة مختلفون ولا تدل المصائر التي تفرّقوا بينها على أنهم عاشوا في كنف أسرة واحدة. ها هم الآن متفرّقون بين تركيا وألمانيا،، لكل منهم تكوينه الشخصي والمهني والطبيعي المختلف. سعي ابيهم إلى توحيدهم، أو إلى تشابههم على الأقل، فشل فشلا ذريعا، ثم إن أيا منهم لم يحقّق نجاحا في عمله، باستثناء سفيدة، المطلّقة غير المتعلّمة، التي لا تعرف كيف تقرأ فواتيرها، حققت النجاح في إدارتها للمطعم، واكتسبت صفة زائدة عن الحاجة هي «سيدة أعمال».
وقد انفجر ذاك الاختلاف بينهم في السجال الطويل الذي دار بين الأم وابنتها الكبرى سفيدا. ما أخفته سنوات الصمت والتوزّع بين الأمكنة، انفجر مبديا أن ماضي العائلة لم يراكم إلا الضغائن. كان على الأم أن تتذكّر كيف أن انصياعها لقرارات زوجها انتزع منها كل ما كان يمكن له أن يجعل حياتها سعيدة هانئة. لم يكن يُعمل حساب لرأيها في التنقل بين البلدين.، ولم تستطع أن تجعل أبناءها يقبلون بشيء مما ترتئيه، وإلى كل ذلك تولّى زوجها تقديم وليدها الأول لعائلة أخيه أحمد، هبة ومنحة، بحجّة ان زوجته لا تنجب. لقد جرى حرمانها من ابنها الأول، وها هي تفصح، في شكواها، عن مدى الظلم الذي لحق بها جراء ذلك.
وهذا في وقت ما راحت تتلقى الاتهامات بالتمييز بين الأولاد والتحكم بمصير ابنتها التي كأنها تجد أن في وفاة الأب فرصة لإمكان ذلك. في آخر فصول الرواية، أو آخر سيرها، كون هذه الفصول مقسّمة على سِيَر تتاليا. في آخر الرواية، إذن بدا كل من أفراد العائلة منكفئا على فشله وخيبته. ومع تعدّد المجالات التي توزّعت هؤلاء خاضت الرواية بكل تلك الأزمات التي كشفت عالم المهاجرين من أكثر جوانبه، مفضية من ذلك إلى كسر كل التصورات عن أحلام الخروج من مآسي بلدان الأصل إلى بلاد أخرى أكثر وعدا وغنى. كأن لا هنا يحسن العيش ولا هناك. هي رواية مآس متجمّعة معا، بدأت مع كل سيرة من السير الستّ. مآس متكرّرة، واحدة تلو أخرى، عملت الروائية فاطمة أديمير على جعل لغاتها مختلفة، حيث الأم لا تروي سيرتها بنفسها، وحيث هاقان الابن لا تُنسج سيرته على المنوال الذي نسجت به السير التي تقدّمته. فاطمة أديمير كتبت بأقصى قدر من الدقة والمعرفة، ذلك الاختلاف بين الأفراد بلوغا إلى أعمق المشاعر لدى كل منهم.
* رواية «جنّ» لفاطمة أيديمير نقلها عن الألمانية أحمد فاروق لدار الجمل في 367 صفحة سنة 2025.
المصدر: القدس العربي
كاتب لبناني
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
الأنا المنتفخة في زمن جوجل: لماذا صار الجاهل يغلب العالم؟ د. تمام كيلاني
عبد الله عيسى الفادح.. يؤرق مساء المدينة الوادعة بأناشيد المخيم!!
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
سوريا… ذاكرة الحضارة ومستقبل النهضة! د. تمام كيلاني
زمن الانفلات: الحياة المنفلِتة التي نعيشها ومستقبل البشرية! د. تمام كيلاني
سقوط بلا ضجيج: كيف تدمّر الأخلاق المنهارة عقل المجتمع! د. تمام كيلاني
الاكثر شهرة
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!! د. تمام كيلاني* ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...