الأستاذ المهندس طرفة بغجاتي… رجلٌ جعل من الحوار رسالة، ومن خدمة الإنسان منهجًا..!! د. تمام كيلاني

الأستاذ المهندس طرفة بغجاتي… رجلٌ جعل من الحوار رسالة، ومن خدمة الإنسان منهجًا..!! د. تمام كيلاني

الأستاذ المهندس طرفة بغجاتي… رجلٌ جعل من الحوار رسالة، ومن خدمة الإنسان منهجًا..!!

 

د. تمام كيلاني*

 

 

لا يخلّد التاريخ كل من اعتلى منصبًا، ولا يحفظ أسماء كل من تصدّر المشهد، وإنما يحتفظ – عبر تعاقب الأزمنة – بأولئك الذين عاشوا لفكرة، وحملوا رسالة، وتركوا في الناس أثرًا يبقى بعد أن يخفت ضجيج الأسماء والأحداث. فهناك رجال يصنعون حضورهم بالعمل، لا بالدعاية، وبالخلق، لا بالخطابة، وبما يغرسونه في النفوس من قيم، لا بما يكتب عنهم في وسائل الإعلام.

 

ومن هذا الصنف من الرجال يأتي الأستاذ المهندس طرفة بغجاتي، الذي أراه واحدًا من الوجوه المضيئة في مسيرة المسلمين في أوروبا، وشخصية أسهمت، بهدوء وثبات، في ترسيخ ثقافة الحوار، والدفاع عن كرامة الإنسان، وتعزيز حضور المسلمين في المجتمع النمساوي بروح المسؤولية والانفتاح.

 

ولست أكتب هذه الكلمات اعتمادًا على ما قرأته في المصادر أو سمعته في المجالس، وإنما أكتبها أيضًا من واقع معرفة شخصية امتدت لفتره تزيد عن ربع قرن ، أتاحت لي أن أتعرف إلى الإنسان قبل أن أتعرف إلى الناشط والمفكر. وقد وجدت فيه رجلًا يندر أن يجتمع في شخصه صفاء الفكر، ورجاحة العقل، ودماثة الخلق، والإخلاص لما يؤمن به.

 

لقد لمست في الأستاذ طرفة بغجاتي غيرة صادقة على أبناء الجالية الإسلامية، غيرة لا تقوم على العاطفة وحدها، بل على الإحساس العميق بالمسؤولية. كان يتابع قضاياهم باهتمام، ويحرص على أن يكون حاضرًا كلما استدعت الحاجة كلمة حكيمة، أو رأيًا متزنًا، أو موقفًا يجمع ولا يفرق. ولم يكن يرى العمل العام وسيلة إلى الشهرة، وإنما كان يعدّه أمانة لا يجوز التفريط بها.

 

وفي زمنٍ كثرت فيه الأصوات المتشنجة، وتمددت فيه مساحات سوء الفهم بين الشعوب والثقافات، اختار الأستاذ طرفة طريقًا أصعب، لكنه أكثر رسوخًا؛ طريق الحوار الصادق، والاحترام المتبادل، والإيمان بأن بناء الجسور بين البشر أجدى من إقامة الجدران بينهم.

 

ومن هذا الإيمان جاء دوره مع رفيقي دربه الاستاذ عمر الراوي البرلماني في مدينة فيينا والمهندس مضر خوجه امين عام غرفة التجارة العربيه النمساويه في تشكيل Initiative muslimische ÖsterreicherInnen (IMÖ)، المبادرة التي سعت إلى ترسيخ مشاركة المسلمين في الحياة العامة بالنمسا، وتعزيز ثقافة المواطنة، وفتح قنوات التواصل مع مؤسسات الدولة والمجتمع، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن المسلم قادر على أن يكون وفيًا لدينه، ومخلصًا لوطنه، ومشاركًا في نهضته.

 

ولعل ما يميز الأستاذ طرفة أنه لم يتعامل مع الهوية الإسلامية بوصفها شعارًا يرفع، وإنما باعتبارها منظومة قيم تدعو إلى الصدق، والعدل، والإحسان، واحترام الإنسان. ولذلك جاء خطابه متوازنًا، بعيدًا عن الانفعال، رافضًا لخطابات الكراهية، وداعيًا إلى التعارف الذي جعله القرآن الكريم أساسًا للعلاقات بين البشر.

 

وخلال سنوات طويلة من العمل المدني والفكري، ظل حاضرًا في الندوات والمؤتمرات والحوارات، يقدم صورة للمسلم الأوروبي الواثق بهويته، المنفتح على مجتمعه، المؤمن بأن المشاركة الإيجابية هي السبيل الأمثل إلى بناء الثقة، وتصحيح الصور النمطية، وتعزيز السلم المجتمعي.

 

ومن خلال معرفتي به، لم أجده يومًا باحثًا عن الأضواء، ولا ساعيًا إلى موقع أو منصب. كان يؤمن بأن قيمة الإنسان فيما ينجزه، لا فيما يقال عنه، وأن العمل الصادق كفيل بأن يتحدث عن صاحبه. ولعل هذا ما يفسر احترام كثيرين له، حتى ممن اختلفوا معه في بعض الآراء؛ إذ كانوا يجدون فيه أدب الحوار، واحترام المخالف، والقدرة على الإصغاء قبل الإجابة.

 

لقد ايقن الاستاذ طرفه أن خدمة الجالية ليست عملًا موسميًا، ولا استجابة لأزمة عابرة، وإنما هي مشروع طويل يحتاج إلى صبر، وحكمة، ونَفَسٍ طويل، وإيمان بأن بناء الإنسان هو أساس بناء المؤسسات. وكان يرى أن مستقبل أبناء الجيل الجديد في أوروبا مرهون بالعلم، والانخراط الإيجابي في المجتمع، والتمسك بالقيم، والقدرة على الجمع بين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على الآخر.

 

وإذا كانت سلسلة «رجالات أضاءوا التاريخ الإسلامي في أوروبا» تهدف إلى إنصاف رجال أسهموا في صناعة صفحات مضيئة من الحضور الإسلامي في هذه القارة، فإن الأستاذ المهندس طرفة بغجاتي يستحق أن يكون واحدًا من هؤلاء.

 

إن الأمم لا تُبنى بالشعارات وحدها، وإنما تُبنى برجال يؤمنون بالعمل، ويجعلون من الأخلاق منهجًا، ومن الحكمة أسلوبًا، ومن خدمة الناس رسالة. والأستاذ طرفة بغجاتي واحد من هؤلاء الرجال الذين تركوا أثرًا يتجاوز حدود المؤسسات والمناسبات، ليبقى حاضرًا في ذاكرة كل من عرفه، أو عمل معه، أو لمس صدقه وإخلاصه.

 

ولعل أجمل ما يمكن أن أختم به هذه الشهادة هو أن التاريخ لا ينصف الرجال في حياتهم دائمًا، لكنه ينصفهم حين يُقرأ بإنصاف. ومن واجبنا أن نكتب عن أصحاب العطاء وهم بيننا، وأن نوثق جهودهم، وأن نقدم للأجيال نماذج مضيئة من أبناء هذه الأمة، ممن حملوا مسؤوليتهم بوعي، وأدوا رسالتهم بإخلاص، وأسهموا في ترسيخ صورة حضارية للإسلام في أوروبا.

 

وتلك، في تقديري، هي المكانة التي يستحقها الأستاذ المهندس طرفة بغجاتي؛ مكانة رجلٍ لم يبحث عن المجد الشخصي، بل انشغل بخدمة الإنسان، وجعل من الحوار رسالة، ومن الحكمة أسلوبًا، ومن الوفاء لقيمه طريقًا سار عليه بثبات، فاستحق أن يُذكر في سجل رجالات أضاءوا التاريخ الإسلامي في أوروبا.

 

*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.

 

 

 

الأستاذ المهندس طرفة بغجاتي… رجلٌ جعل من الحوار رسالة، ومن خدمة الإنسان منهجًا..!! د. تمام كيلاني

تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

عمر الراوي… سيرة رجلٍ جعل من المشاركة عهدًا ومن الحوار رسالة..!! د. تمام كيلاني

عمر الراوي… سيرة رجلٍ جعل من المشاركة عهدًا ومن الحوار رسالة..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

د. فريد حافظ.. رحلة باحث من النمسا إلى أمريكا في خدمة المعرفة والحوار الحضاري..!! د. تمام كيلاني

د. فريد حافظ.. رحلة باحث من النمسا إلى أمريكا في خدمة المعرفة والحوار الحضاري..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

حين عوقب النجاح… وخسرت سوريا نفسها..!! د. تمام كيلاني

حين عوقب النجاح… وخسرت سوريا نفسها..!! د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

تابعونا


جارٍ التحميل...