عمر الراوي… سيرة رجلٍ جعل من المشاركة عهدًا ومن الحوار رسالة..!! د. تمام كيلاني
عمر الراوي… سيرة رجلٍ جعل من المشاركة عهدًا ومن الحوار رسالة..!!
د. تمام كيلاني*
حين تُكتب صفحات التاريخ، لا تبقى الأسماء بما شغلته من مناصب، وإنما بما تركته من أثر في حياة الناس، وبما أسسته من قيم ومؤسسات تمتد آثارها إلى الأجيال اللاحقة. فالمواقع الرسمية تزول، أما الأعمال التي تُرسّخ ثقافة المشاركة وتبني جسور الثقة بين الإنسان ومجتمعه، فإنها تبقى شاهدة على أصحابها.
وعندما نتحدث عن الحضور الإسلامي في أوروبا، فإننا لا نتحدث عن الهجرة بوصفها انتقالًا جغرافيًا فحسب، وإنما عن مسيرة إنسانية وحضارية شارك في صناعتها رجال ونساء حملوا معهم منظومة من القيم، وانفتحوا على أوطانهم الجديدة، وأسهموا في بناء علاقة متوازنة بين الهوية الدينية والانتماء الوطني، وبين الخصوصية الثقافية والمواطنة الفاعلة.
ومن بين الشخصيات التي تركت بصمة واضحة في هذا المسار، يبرز اسم الأستاذ عمر الراوي، الذي اختار منذ بداياته أن يكون شريكًا في بناء المجتمع، وأن يجعل من المشاركة العامة والحوار والتواصل منهجًا دائمًا في مسيرته.
وُلد الأستاذ عمر الراوي في بغداد، المدينة التي حمل منها إرثًا حضاريًا وثقافيًا عريقًا، ثم انتقل إلى النمسا في أواخر سبعينيات القرن الماضي لمتابعة دراسته الجامعية في الهندسة المدنية. وهناك بدأت مرحلة جديدة من حياته، لم تقتصر على الدراسة والاستقرار، بل تحولت إلى مشروع حياة قائم على المشاركة الفاعلة في المجتمع الذي اختار أن ينتمي إليه.
وقد آمن منذ وقت مبكر بأن المواطنة ليست مجرد انتماء قانوني، وإنما مسؤولية أخلاقية وسلوك يومي، وأن الإنسان يصبح جزءًا حقيقيًا من وطنه عندما يسهم في بنائه وخدمة مجتمعه. ومن هذا الفهم، انتقل من دائرة الاهتمام الفردي إلى فضاء العمل العام والمؤسسي.
وشارك الأستاذ عمر الراوي في الحياة السياسية النمساوية، فكان ولايزال عضوًا في المجلس البلدي لمدينة فيينا، ثم انتُخب عضوًا في برلمان ولاية فيينا، حيث لا يزال يواصل أداء مهامه حتى اليوم، مسهمًا في مناقشة القضايا الاجتماعية والتنموية، ومدافعًا عن قيم العدالة الاجتماعية، والمساواة، والتعايش، ومؤكدًا أن التنوع، إذا أُحسن إدارته، يتحول إلى مصدر قوة وإثراء للمجتمع.
كما تولّى رئاسة لجنة التطوير العمراني في برلمان ولاية فيينا، وهو من أهم المواقع البرلمانية المرتبطة برسم سياسات التنمية الحضرية والتخطيط العمراني في العاصمة النمساوية، الأمر الذي يعكس حجم الثقة التي حظي بها، ودوره في الإسهام في تطوير المدينة وتعزيز جودة الحياة فيها، بعيدًا عن أي تمييز ديني أو ثقافي.
غير أن قيمة تجربة الأستاذ عمر الراوي لا تُقاس بالمناصب التي تقلدها، وإنما بالمبادرات التي أسهم في تأسيسها، وبالمشروعات التي تركت أثرًا مستدامًا في المجتمع.
ففي عام 1999 شارك في تأسيس مبادرة المسلمين النمساويين (Initiative muslimischer ÖsterreicherInnen – IMÖ)، التي هدفت إلى تعزيز التواصل بين المسلمين ومؤسسات الدولة والمجتمع، وترسيخ مفهوم المسلم المواطن، الذي يجمع بين الاعتزاز بهويته الدينية والقيام بمسؤولياته الوطنية.
وقد مثلت هذه المبادرة محطة مهمة في تطور العمل الإسلامي المدني في النمسا، إذ نقلت الحوار حول الإسلام والمسلمين من دائرة الصور النمطية إلى فضاء اللقاء المباشر والعمل المشترك والنقاش المسؤول حول قضايا المواطنة والاندماج والتنوع.
ومن الإنجازات التي ارتبط اسمه بها أيضًا الجهود التي أثمرت عن إنشاء المقبرة الإسلامية في فيينا، وهو مشروع لم يكن مجرد استجابة لحاجة دينية، بل حمل بعدًا حضاريًا وإنسانيًا، مؤكداً اعتراف المجتمع النمساوي بأن المسلمين أصبحوا جزءًا أصيلًا من نسيجه الاجتماعي، وأن احترام التنوع الديني والثقافي يمثل إحدى ركائز الدولة الديمقراطية الحديثة.
كما ارتبط اسم الأستاذ عمر الراوي بترسيخ تقليد الإفطار الرمضاني الرسمي الذي تنظمه مدينة فيينا، والذي أصبح مناسبة سنوية تجمع عمدة المدينة مع ممثلي وقيادات الجالية الإسلامية، في رسالة واضحة تؤكد أهمية الحوار والتواصل بين مؤسسات الدولة ومختلف مكونات المجتمع. وقد شارك في هذه اللقاءات، خلال سنوات مختلفة، المستشارون الاتحاديون للنمسا، مما منح هذا التقليد بعدًا وطنيًا يعكس مكانته في تعزيز ثقافة التفاهم والشراكة.
ومن المبادرات الثقافية والوطنية التي كان للأستاذ عمر الراوي دورا
بارزا في دعمها ومتابعتها، إطلاق اسم المفكر النمساوي المسلم محمد أسد على الساحة المقابلة لمبنى الأمم المتحدة في فيينا، والتي افتُتحت رسميًا في الرابع عشر من نيسان/أبريل عام 2008 من قبل مدينة فيينا، لتكون أول ساحة عامة في النمسا تحمل اسم شخصية مسلمة. وقد جاء هذا التكريم تقديرًا للإسهامات الفكرية والحضارية التي قدمها محمد أسد في التعريف بالإسلام، وفي بناء جسور الحوار بين العالم الإسلامي والغرب، ليشكل هذا الإنجاز رسالة حضارية تؤكد أن الفكر والثقافة قادران على صناعة جسور دائمة بين الشعوب.
إن تجربة الأستاذ عمر الراوي تمثل نموذجًا للحضور الإسلامي الأوروبي الذي يقوم على التوازن بين الحفاظ على الهوية والانخراط الإيجابي في المجتمع، فصيانة الخصوصية الدينية والثقافية لا تتعارض مع المواطنة الصادقة، كما أن الاندماج الحقيقي لا يعني الذوبان، وإنما المشاركة الفاعلة في خدمة الوطن واحترام قيمه الدستورية.
وقد تختلف الآراء حول الشخصيات العامة، وهذا أمر طبيعي في المجتمعات الديمقراطية، غير أن تقييم التجارب التاريخية ينبغي أن ينطلق من حجم الإنجاز والأثر الذي تركته تلك الشخصيات في مجتمعها، ومن المبادرات التي ساهمت في بناء المؤسسات وتعزيز قيم الحوار والتعايش.
ومن هذه الزاوية، فإن تجربة الأستاذ عمر الراوي تستحق أن تُقرأ بوصفها جزءًا مهمًا من تاريخ تشكل الحضور الإسلامي المؤسسي في أوروبا، وتجربة تؤكد أن العمل الهادئ والمستمر أكثر قدرة على صناعة التحولات من الخطابات العابرة.
فالرجال الذين يصنعون التاريخ ليسوا بالضرورة أولئك الذين تكثر أسماؤهم في العناوين، وإنما أولئك الذين يزرعون الثقة، ويبنون المؤسسات، ويفتحون الطريق أمام الأجيال القادمة. وفي هذا المعنى، يمثل الأستاذ عمر الراوي صفحة مضيئة من صفحات الحضور الإسلامي المعاصر في أوروبا؛ صفحة كتبتها المشاركة، ورسخها الحوار، وأغنتها خدمة الإنسان.
فالحضارات لا تُبنى بالجدران، وإنما بالجسور، ولا تزدهر المجتمعات إلا عندما يجد كل إنسان فيها مساحة للمشاركة والإسهام في صناعة المستقبل. ومن هنا تأتي أهمية هذه السيرة، لا باعتبارها قصة نجاح شخصية فحسب، بل باعتبارها شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخ المسلمين في أوروبا، أثبتت أن الحضور الإيجابي، والعمل المؤسسي، والحوار الصادق، هي الطريق الأرسخ نحو الاحترام المتبادل والشراكة الحقيقية.
*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
د. فريد حافظ.. رحلة باحث من النمسا إلى أمريكا في خدمة المعرفة والحوار الحضاري..!! د. تمام كيلاني
حين عوقب النجاح… وخسرت سوريا نفسها..!! د. تمام كيلاني
أنس شقفة..رجل المؤسسة وباني الحضور الإسلامي المؤسسي في النمسا..!! د. تمام كيلاني
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...