حين عوقب النجاح… وخسرت سوريا نفسها..!! د. تمام كيلاني

حين عوقب النجاح… وخسرت سوريا نفسها..!! د. تمام كيلاني

حين عوقب النجاح… وخسرت سوريا نفسها..!!

 

د. تمام كيلاني*

 

ليست كل الهزائم تبدأ في ساحات القتال، فبعضها يبدأ بقانون، وبعضها يبدأ بقرار سياسي يغيّر مصير أمة لعقود طويلة.

 

واليوم، ونحن نشاهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يزور دمشق، ويتردد اسم رجل الأعمال الفرنسي من أصل سوري رودولف سعادة، رئيس واحدة من أكبر شركات الشحن البحري في العالم، نتوقف أمام حقيقة مؤلمة: كم خسرت سوريا من أبنائها الذين صنعوا مجدهم في الخارج بعد أن ضاقت بهم أرض الوطن؟

 

إن قصة آل سعادة ليست استثناءً، بل هي نموذج لعشرات العائلات السورية التي بنت الاقتصاد السوري قبل ستينيات القرن الماضي. عائلات صنعت الزراعة، وأقامت المصانع، وأسست التجارة، ووفرت عشرات آلاف فرص العمل، ثم وجدت نفسها خارج وطنها بعد سياسات التأميم والإصلاح الزراعي.

 

لقد عشت تلك المرحلة، وما أكتبه ليس نقلاً عن الكتب فقط، بل هو أيضاً شهادة على زمن كانت فيه سوريا منارة اقتصادية في الشرق.

 

كانت عائلات مثل آل سعادة، وآل أصفر، وآل نجار، وأل الكيلاني والعظم والبرازي والاتاسي والسباعي وكيخيا والمدرس وصائم الدهر والكيالي والجابري والعابد ودياب وغيرهم من كبار المزارعين والصناعيين، تمثل العمود الفقري للإنتاج الزراعي والصناعي في سوريا. لم يكونوا مجرد ملاك أراضٍ أو أصحاب مصانع، بل كانوا يصنعون فرص العمل، ويطورون الزراعة، ويؤمنون لقمة العيش لعشرات آلاف الأسر السورية.

 

وكانت الشركة الخماسية واحدة من أعظم التجارب الصناعية الوطنية في سوريا. فقد كانت مصدر رزق كريم لآلاف العمال، ووفرت الحياة الكريمة لعائلات فقيرة ومتوسطة، وأسهمت في بناء صناعة وطنية حقيقية. وفي حلب كان الصناعي الوطني سامي صائم الدهر من أبرز رجالات الصناعة السورية الذين آمنوا بأن بناء الوطن يبدأ من المصنع قبل أي شيء آخر.

 

ويروي كثير ممن عاصروا تلك المرحلة أن زيارة الرئيس المصري جمال عبد الناصر إلى حلب وإقامته ضيفًا لدى سامي صائم الدهر بقيت حاضرة في الذاكرة، وأن أحداثًا وقرارات التأميم التي تلت تلك المرحلة تركت انطباعًا عميقًا لدى كثير من الصناعيين بأن صفحة جديدة قد بدأت، وأن مستقبل القطاع الخاص في سوريا أصبح مهددًا. وبصرف النظر عن اختلاف الروايات حول تفاصيل تلك الأحداث، فإن ما لا يختلف عليه اثنان هو أن مرحلة التأميم غيّرت وجه الاقتصاد السوري تغييرًا جذريًا.

 

لقد رُفعت شعارات العدالة الاجتماعية، لكن النتائج كانت مختلفة عن الشعارات.

 

صودرت المصانع.

 

وقُسمت الأراضي.

 

وهاجر أصحاب الخبرة.

 

وانكمش الاستثمار.

 

وتراجعت المبادرة الفردية.

 

وغادرت رؤوس الأموال إلى بلاد فتحت أبوابها للعقول السورية، فأصبحت تلك العقول تبني اقتصادات الآخرين.

 

ويرى كثير من الباحثين أن تلك المرحلة لم تقتصر على إعادة تشكيل الاقتصاد، بل شهدت أيضاً إقصاء شخصيات وضباط وكفاءات من مؤسسات الدولة لأسباب سياسية أو مرتبطة بالولاء، وهو ما أدى إلى خسارة خبرات وطنية كان يمكن أن تسهم في بناء سوريا الحديثة.

 

كانت سوريا قبل تلك السياسات من أكبر منتجي القمح في الشرق الأوسط، وكانت الجزيرة السورية تُعرف بسلة غذاء المنطقة، وكان القطن السوري، “الذهب الأبيض”، ينافس في الأسواق العالمية ويؤمن مورداً رئيسياً للخزينة العامة.

 

وكانت معامل حلب ودمشق وحمص واللاذقية تعمل ليلاً ونهاراً، وتصدر منتجاتها إلى مختلف الدول العربية، بينما كان المنتج السوري يحمل اسماً يبعث على الثقة والاعتزاز.

 

أما اليوم…

 

فقد تحولت سوريا، التي كانت تصدر القمح، إلى دولة تستورده في كثير من السنوات.

 

وتراجع إنتاج القطن إلى مستويات غير مسبوقة.

 

وتوقفت آلاف المعامل.

 

وهاجرت الكفاءات.

 

وخسر الوطن أبناءه قبل أن يخسر أمواله.

 

إن أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه أي دولة هو أن تعتبر النجاح تهمة، ورأس المال عدواً، ورجل الأعمال خصماً.

 

فالاقتصاد لا يبنى بالشعارات.

 

ولا تنهض الأمم بالمصادرة.

 

ولا تتحقق العدالة بإفقار الجميع.

 

إن احترام الملكية الخاصة ليس امتيازاً للأغنياء، بل هو الضمان الحقيقي لكل عامل وفلاح وصاحب مهنة، لأن الاستثمار هو الذي يخلق فرص العمل، ويزيد الإنتاج، ويقوي الاقتصاد.

 

لقد أثبت التاريخ أن الإنسان السوري لم يكن المشكلة.

 

فكل سوري أُتيحت له فرصة عادلة في الخارج أثبت أنه قادر على النجاح والمنافسة وبناء أكبر الشركات العالمية.

 

ورودولف سعادة اليوم ليس سوى مثال واحد من آلاف السوريين الذين حملوا وطنهم في قلوبهم، بينما صنعت أوطان أخرى من خبراتهم ثروات هائلة.

 

إن إعادة الاعتبار للملكية الخاصة، وإنصاف المتضررين وفق القانون، وإعادة الحقوق إلى أصحابها أو تعويضهم تعويضاً عادلاً، ليست قضية انتقام من الماضي، بل هي خطوة نحو بناء المستقبل، واستعادة الثقة بين المواطن والدولة، وتشجيع عودة الاستثمارات السورية المنتشرة في أنحاء العالم.

 

فالأوطان لا تنهض بطرد أصحاب الخبرة…

 

بل باحتضانهم.

 

ولا تبنى بمصادرة النجاح…

 

بل بحمايته.

 

ولا تستعيد مجدها إلا عندما يصبح القانون فوق الجميع، وتصبح الكفاءة هي المعيار، ويشعر كل مواطن أن ثمرة عمله مصونة.

 

لقد خسرت سوريا الكثير…

 

خسرت رجالها…

 

وخسرت مصانعها…

 

وخسرت حقولها…

 

وخسرت مكانتها الاقتصادية.

 

ويبقى السؤال الذي يجب أن يطرحه كل سوري على نفسه:

 

كم كانت ستكون سوريا اليوم لو أن أبناءها الذين بنوا موانئ العالم، ومصانعه، وشركاته العملاقة، بقوا يبنون وطنهم بدلاً من أن يبنوا أوطان الآخرين؟

 

*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.

 

 


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

أنس شقفة..رجل المؤسسة وباني الحضور الإسلامي المؤسسي في النمسا..!! د. تمام كيلاني

أنس شقفة..رجل المؤسسة وباني الحضور الإسلامي المؤسسي في النمسا..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

وحدي أعانق سراديب النسيان..!! نجاة رجاح

وحدي أعانق سراديب النسيان..!! نجاة رجاح
بوابة دمشق

التصوف كجسر إلى الإسلام في التجربة الأوروبية الحديثة..!! د. تمام كيلاني

التصوف كجسر إلى الإسلام في التجربة الأوروبية الحديثة..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

ندوة فكرية حوارية ( المسرح الحسيني حدث إحياء آخر)!!

ندوة فكرية حوارية ( المسرح الحسيني حدث إحياء آخر)!!


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

تابعونا


جارٍ التحميل...