السخرية كقناع لإرث الدم – ردًّا على ما كتبه فراس طلاس

السخرية كقناع لإرث الدم – ردًّا على ما كتبه فراس طلاس
د. تمام كيلاني

السخرية كقناع لإرث الدم – ردًّا على ما كتبه فراس طلاس

 

د. تمام كيلاني*


ليس كل من يكتب ساخرًا يكون ساخرًا ذكيًا، وليس كل من ينتقد سلطة يكون خارجها فعلًا. أحيانًا تكون السخرية مجرّد قناع قديم، يُستعمل للهروب من مواجهة تاريخ ثقيل، لا للاشتباك معه.

ما كتبه فراس مصطفى طلاس لم يكن تفكيكًا لسياسة كهرباء، ولا مساءلة جادّة لإدارة عامة، بل محاولة لتخفيف ثقل الإرث الذي يحمله اسمه ومن قبله الأب ذو النياشين ،عبر نكتة خفيفة، وسيناريو افتراضي، يوحي بأنه يقف على مسافة من السلطة، بينما هو في الحقيقة ابن مدرسة كاملة بُنيت على الطاعة لا على السؤال.

المشكلة ليست في خيال الحوار الذي اختلقه، بل في نوع الذاكرة التي اختار أن يستحضرها، ونوع الذاكرة التي قرر دفنها.

حين يسخر من فاتورة كهرباء، ويتجاهل فاتورة الدم، فهذه ليست صدفة.

فراس ينتمي إلى بيت كان جزءًا أصيلًا من ماكينة الحكم، لا من ضحاياها. والده، مصطفى طلاس، لم يكن رجل قرار، بل رجل توقيع. لم يكن مهندس السياسات، بل القلم الذي يمرّرها. وظيفة واضحة في دولة المزرعة: تحويل الأمر الشفهي إلى ورقة رسمية، وتحويل الورقة إلى رصاصة.

في أنظمة كهذه، لا يُطلب من الوزير أن يفكّر، بل أن يوقّع. لا يُسأل عن الجدوى، بل عن سرعة التنفيذ. وكان مصطفى طلاس مثالًا كلاسيكيًا لـ”رجل الكرسي”: حاضر بالجسد، غائب بالعقل، يؤدي الدور المطلوب منه بدقة ميكانيكية.

وأقول هذا لا من كتب التاريخ فقط، بل من تجربة شخصية.

التقيت مصطفى طلاس مرة واحدة عام 2005?. كان واضحًا عليه نوع من العته الشيخي؛ ذاكرة متآكلة، تركيز ضعيف، حديث عن النساءيتكرر. كنا نتكلم في موضوع ما، فيرن الهاتف، يجيب، ينهي المكالمة، ثم يلتفت إلينا ويسأل: عن ماذا كنا نتحدث؟

بعد دقائق يدخل أحد المرافقين أو الحجّاب بورقة توقيع. يوقع بلا نقاش. ثم يلتفت مرة أخرى ويسأل السؤال ذاته: ما الموضوع الذي كنا فيه؟

رجل لا يتذكر الحوار، لكنه يتذكر مكان التوقيع.

هذه الصورة تختصر عقودًا من الحكم في سوريا: وزير دفاع لا يعرف ماذا يحدث حوله، لكنه يعرف تمامًا أن عليه أن يوقّع.

مصطفى طلاس، ابن الرستن، حمل في داخله حقدًا واضحًا على حماة وأهلها، رغم أنها مدينة سورية كغيرها، ورغم أن الدم السوري واحد. ذلك الحقد لم يكن شخصيًا بقدر ما كان انعكاسًا لثقافة النظام: تقسيم المجتمع، شيطنة المدن، وتحويل الجغرافيا إلى لائحة اتهام.

ومن تربّى في بيت كهذا، حيث الوطن يُدار كملف أمني، والناس أرقام، والإعدام إجراء إداري، الأولى به أن يصمت بتواضع، لا أن يعتلي منصة السخرية.

سوريا اليوم تحاول أن تخرج من منطق المزرعة.

تحاول أن تبني دولة تُناقَش فيها القرارات بدل أن تُوقَّع في الغرف المغلقة.

تحاول أن تجعل الكهرباء قضية خدمات، لا غطاءً لنسيان المقابر.

ومن كان أبوه أحد حرّاس المزرعة، لا يملك رفاهية الوعظ، ولا حق توزيع السخرية.

قبل أن تسألوا عن فاتورة الكهرباء، اسألوا أنفسكم عن فاتورة الدم.

وقبل أن تكتبوا نكتة عن وزير، واجهوا تاريخ بيتكم.

فالأوطان التي تدفع ثمن حريتها غاليًا، لا تتلقى دروسًا من أبناء من وقّعوا أوامر قتلها.

 

*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا.


تعليق / الرد من


الاكثر شهرة

تابعونا


جارٍ التحميل...