ناظم القدسي… رئيس الحرية الذي أسقطه الانقلاب وأحياه التاريخ
الرئيس ناظم القدسي
ناظم القدسي… رئيس الحرية الذي أسقطه الانقلاب وأحياه التاريخ
د. تمام كيلاني*
رجل القانون في زمن العسكر
في السابع من شباط تمرّ ذكرى رحيل الرئيس السوري الدكتور ناظم القدسي، أحد أبرز رجالات الدولة في تاريخ سورية الحديث، وآخر من حاول بصدقٍ ومسؤولية أن يؤسس لحكمٍ دستوري ديمقراطي حقيقي قبل أن تُغلق الحياة السياسية في البلاد لعقود طويلة.
لم يكن ناظم القدسي رجل سلطة بالمعنى التقليدي، بل كان رجل قانون ودستور. درس الحقوق في جامعة دمشق، ثم في الجامعة الأمريكية في بيروت، وتابع دراسته في جامعة جنيف، فتكوّنت شخصيته السياسية على قاعدة واضحة: لا دولة بلا قانون، ولا حكم بلا مؤسسات، ولا شرعية بلا إرادة شعبية.
دخل الحياة العامة مبكرًا من بوابة النضال ضد الاحتلال الفرنسي، وانتُخب نائبًا في البرلمان عام 1936، ثم شغل مناصب دبلوماسية وسياسية رفيعة، أبرزها أول سفير لسورية لدى الولايات المتحدة، ووزيرًا للخارجية، ورئيسًا للحكومة أكثر من مرة، قبل أن يُنتخب رئيسًا للجمهورية في كانون الأول 1961، بعد انهيار تجربة الوحدة السورية–المصرية.
عودة الحياة البرلمانية والحريات
جاء القدسي إلى الرئاسة في مرحلة بالغة الحساسية. فقد خرجت سورية لتوّها من عهد الوحدة مع مصر، وهو عهد اتسم بتقييد الحريات العامة، وحلّ الأحزاب، وإلغاء الحياة البرلمانية، وتركيز السلطة بيد الأجهزة الأمنية.
ومع وصول ناظم القدسي إلى سدة الرئاسة، عادت سورية لتتنفس هواء السياسة من جديد. أُعيد العمل بالدستور، واستُعيد البرلمان، وعادت الأحزاب إلى النشاط، وعادت الصحافة إلى الكتابة، واستعاد المواطن السوري حقه في التعبير والنقد والمشاركة. سادت البلاد أجواء من الحرية لم تعرفها منذ سنوات، وعاشت سورية مرحلة برلمانية حقيقية، كان فيها الخلاف السياسي علنيًا، والانتخابات ممكنة، والحكومة خاضعة للمساءلة.
انتعاش اقتصادي قصير الأمد
في المجال الاقتصادي، شهدت البلاد فترة من الانتعاش النسبي، خاصة في ظل رئاسة الوزراء التي قادها كلٌّ من معروف الدواليبي وخالد العظم. جرى تشجيع القطاع الخاص، وتنشيط التجارة، وإعادة الاعتبار لدور الدولة في التخطيط دون خنق المبادرة الفردية. كما أُلغيت قرارات التأميم المتسرعة التي فُرضت في أواخر عهد الوحدة، ما أعاد الثقة إلى الأسواق، وحرّك عجلة الإنتاج والاستثمار.
كان ناظم القدسي يؤمن بأن الديمقراطية السياسية لا تنفصل عن الاستقرار الاقتصادي، وأن كرامة المواطن لا تكتمل إذا كان فقيرًا أو محرومًا من فرص العمل والعيش الكريم.
حين تصبح الديمقراطية جريمة
غير أن هذه الديمقراطية الواسعة، وهذا المناخ من الحرية، شكّلا في الوقت نفسه نقطة ضعف أمام القوى الشمولية التي لم تؤمن يومًا بالعمل السياسي، بل بالانقلاب والاستيلاء على السلطة. فكانت ديمقراطية ناظم القدسي، ونزاهته السياسية، من العوامل التي سهّلت على حزب البعث تنفيذ انقلابه في الثامن من آذار 1963، والإطاحة بآخر عهد دستوري فعلي في سورية.
وبذلك دخلت البلاد نفقًا طويلًا من حكم البعث، امتد لعقود، جرى خلاله تفريغ الدولة من مضمونها الديمقراطي، وتهميش الدستور، وتحويل السياسة إلى جريمة. ومن رحم هذا النظام خرج حكم حافظ الأسد، ثم ورثه ابنه، لتترسخ واحدة من أكثر الأنظمة قمعًا في تاريخ المنطقة، وتنتهي سورية إلى الخراب الذي نشهده اليوم.
شهادة على أخلاق رجل دولة
ورغم كل ما سبق، بقي ناظم القدسي رمزًا للأخلاق السياسية. وأستحضر هنا شهادة شخصية تختصر الكثير من ملامح شخصيته. ففي عام 1962،
وخلال زيارة له إلى مدينة حماة، صعد إلى شرفة السرايا لإلقاء خطاب، فبادر بعض الشبان إلى شتم الرئيس جمال عبد الناصر. فقاطعهم الرئيس القدسي قائلاً:
“لا أسمح لسوري أن يشتم عربيًا ما دام هو رئيس الجمهورية السورية.”
لم يكن ذلك دفاعًا عن خصم سياسي، بل دفاعًا عن كرامة المنصب، وعن أخلاق الخلاف، وعن فكرة أن السياسة لا تكون شريفة إلا إذا بقيت نظيفة من الإساءة.
خاتمة: من القدسي إلى سورية الجديدة
في ذكرى رحيل ناظم القدسي، يحقّ لنا أن نسأل: كيف كان يمكن أن يكون حال سورية لو استمر ذلك المسار الديمقراطي؟ لو تُركت السياسة لأهلها، والدستور لمكانه الطبيعي، والجيش في ثكناته؟
اليوم، وبعد التحرير في 8 كانون الأول 2024، بدأ الشعب السوري يشعر من جديد بطعم الحرية التي حُرم منها ستة عقود كاملة. بدأ الإنسان السوري يستعيد كرامته المفقودة والمسلوبة في زمن حكم البعث، وفي أيام الأسد الأب والابن، وبدأ الأمل يولد من تحت الركام.
كأن التاريخ يمنحنا فرصة ثانية… فرصة للعودة إلى الطريق الذي حاول ناظم القدسي أن يفتحه قبل أكثر من ستين عامًا: طريق الدولة، والدستور، والحرية.
رحم الله ناظم القدسي،
وجعل ذكراه جسرًا بين سورية التي كانت…
وسورية التي نريدها .