بنية المكان في الخطاب السردي في قصة "كانون أحلامي" لأحمد بيضون
بنية المكان في الخطاب السردي في قصة "كانون أحلامي" لأحمد بيضون
د. وائل الصعيدي*
الكاتب الأديب أحمد فاروق بيضون من مواليد دمياط، عمل كمترجم في مجالات شتى، منها: العلمية، والأدبية، والبحثية، وفاز بمراكز متقدمة في العديد من مسابقات فنون الأدب: كالشعر، والقصة القصيرة، والقصيرة جدًا، والومضة القصصية.
وله عدة دواوين شعرية مثل: حنانيك، وله مجموعات قصصية وروائية، منها: محاريب الخيال ونخاريب المُحال، إنسان ولكن ...، لم ينته الأمل بعد، ونبهان ودنّان الهذيان.
والكاتب عاشق للإذاعة، وهو نشيط تراه يتنقّل بين أروقة نوادي الأدب وساحات معاركها الأدبية والمناقشات الثرية وطرح الرؤى، وبحكم قراءاته المتنوعة وترجماته المتوالية نجده يمتلك محصولًا لغويًا يؤهله للحديث والرأي والتحليل والنقد.
والمجموعة القصصية التي بين أيدينا "ريثما أرى الحقيقة" تتكون من ست عشرة قصة، تظهر في معظمها اللغة الأصيلة القوية والإحساس العالي بالأشخاص والأحداث، ووصف المكان والزمان والمناظر بكل وضوح من خلال صياغات وأسلوب جزل.
جاءت المقدمة توضح عنوان المجموعة حيث بدأ الكاتب المقدمة بتقرير أنّ الحقيقة لا تأتي دفعة واحدة، بل تتقدم ببطء، مثل ضوء خافت يتسلل إلى غرفة أغلقت طويلًا، فلا يكون الانتظار في هذا الوقت زمنًا عابرًا ويمر بل حالة وجودية يعيشها الأبطال وهم يتقدمون خطوة نحو الفهم ويتراجعون خطوتين أمام الخوف والشك.
ثم يثبت هذه الحقيقة بسرده حكاية العيون التي تعبت وكلّت من النظر والانتظار بقوله:" وعن القلوب التي ظنّت أنّ النجاة في الجهل فاكتشفت متأخرة أنّ الحقيقة مهما كانت موجعة هي الطريق الوحيد إلى الخلاص، تتشابك الأصوات وتختلط الذكريات بالوقائع حتى يصبح السؤال الأهم ليس: ما الحقيقة؟ بل هل نحتمل رؤيتها حين تنكشف" (صفحة 3).
وجاءت قصة"كانون أحلامي"، العاشرة حسب ترتيبها، وفيها يأخذنا الكاتب ويسرح بقرّائه مُدخِلًا قراءه ي عالَمه وفكره مستصحبًا الحزن والألم الممتزج بالأنّات والآهات من اجترار الذاكرة للصور والمشاهد المأساوية التي أثّرت على الحزن الذي ترسّب في قاع نفسه مما استولى على نفسه وتملّكه من مشاهد الدمار والنزوح وإفساد الحياة الهانئة التي تحولت بين ليلة وضحاها أثرًا بعد عين.
في الحقيقة، معه كل الحق؛ حيث تمثّل المشهد الدامي إلى قصف همجي لم يبق ولم يذر مكانًا أو شيئًا ولو نذرًا يسيرًا من حياة تنبض، فيصور الكاتب ذلك المشهد الرهيب مع العاطفة الجياشة لوالده من نزف يده التي امتلأت بالدماء وتعبت من رفع الأنقاض مع انتظار بريق أمل لوجود أشلاء في الخيام وتحت الركام:" تمجُل يدا والدي النازفة من رفع الأنقاض بحثًا عن أشلاء النازحين في الخيام بعدما ذهب كل شيء وسط القصف الوحشي الهستيري" (صفحة 64).
إنه الأمل الذي يحدو البشر ويعيشون على ضوئه ثم وبكل بساطة يأتي الاحتلال الآثم ويبعثره بين عشية وضحاها، إنها الأماكن التي كانت مرتعًا للعب الصغار، وموئلًا للعائلات المتشابكة، وراحة وسكنًا للعائدين ممن نأت بهم الدياروسحب بساط العُمر، هذا انعدام للإنسانية وموت الضمسر واستمراء الجريمة الممنهجة بكل ما أوتي الاحتلال من ساديّة وخِسّة.
إنّ العالم بدا ككانون ملتهب بالمقابر الجماعية التي تتناثر حولها أشجار الغوسج المحترقة، وذكريات تل الهوى، وشجرة السنديان العملاقة، وفراشات الخريف التي تغطى باللون الأصفر الشاحب حتى أصبحت الحياة غير الحياة.
ثم ربط الكاتب بين تقارب جغرافية غزة الأبيّة وما يجري فيها وصمودها الأسطوري وجغرافية ذكرياته في لبنان فالمصاب واحد والعدو يتربص بكل مكان تنبض فيه الحياة حرصًا منه على وأدها في مهدها واجتثاثها من جذورها وطمس هويتها وقتل سعادتها، فيذكر: "صور، وذكريات الجبل، ونهر الليطاني، والشحرور، وأشجار الأرز العصيّة على الانكسار" (صحة 65)، وهنا يريد أن يُثبت أن الوطن العربي واحد لا يحدّه حدود الاستعمار ولا تفرّقه مجرّد خلافات وقضايا تافهة، فتوجد وحدة راسخة في الهدف ويترك الباقي للمتلقي ليُشركه معه في جمال تصويره وتصوره.
وبعد ذلك، يلقي الضوء على ابنة الخالة التي تعشق العنقاء والأساطير وعندها نَهَم قراءة الكثير عن الحضارات وخاصة حضارات بلاد الشام وسير الأبطال كصلاح الدين، وغسان كناني، ومحمود درويش، وغيرهم من الأحرار وممن يُلهمون تنسُّم الانعتاق من التكبيل والضيق.
ولم ينس الكاتب الجماهير الغفيرة والقاعدة العريضة التي تجرّعت كؤؤوس الصمت والذلة على مدار السنين، وكيف نأت عن المسجد الأقصى الذي هو حقها الأصيل، وكل هذا الجفاء إلا من بعض الإدانات على استحياء هنا وهناك، إنّ حرية الأقصى جذوة سرعان ما تشتعل إذا ما لاح ضوء الفجر وحان وقت الوطيس، حتى وإن حدتت كبوة فقطعًا سيعقبها صحوة.
وتقتحم الذاكرة الرماد والركام لتتساءل سؤالًها المشروع: هل خالتي بخير وذويها؟، ثم يتناهى لأسماعه صوت أمه التي تجهز الطعام من ورق العريش وحلوى الهريس، وزيت الزيتون المطعّم بالزعتر وكل ما لذّ وطاب، وأبي يأتينا بقرطاس الفاكهة التي أحبها من التين والجوافة ومن كل الثمرات.
ويعاود الكاتب الربط مرة أخرى بين فلسطين ولبنان، فالكل مجبول على انتظار المقصلة ليأتي دوره، والجلاد الواقف بالسياط وأرض العروبة التي تبكي الأمجاد، إنّ هذه المناظر هنا وهناك هي التي استجلبت طوفان الأقصى، ليتم طمس الجمال ورؤية الجثث المسجيّة للحسّون والنوارس، وبين الخريف حتى أكتوبر المجيد لن يعيد الرفات إلى الحياة.
ثم ينتقل بالتفاتة بديعة تملؤها الحزن إلى محبوبته التي أزهقت روحها، وهي جاثمة في ذلك اليوم الكئيب وهي تحدجه بنظراتها الموجعة وتلومه على الإتيان متأخرًا، ثم يُقبل على نفسه تاليًا القسم بأنه سيستقبل من الحياة ويعتلي صهوة فرقد الخلود حيث يقطن الأحباب هناك.
وجاءت خاتمة القصة لتطابق العنوان وتتماشى مع أحداثها وشخوصها وأماكنها وأزمنتها:" مازلت أنا ذاك التائه كناطور حق أبلج يتوق لمطير محياها بين الغرابيب أنبش عن ألوية الحقيقة ... أراقب ما وراء باب خالطته جدائل الذكريات البائدة لمن غربوا وغلاف كتابٍ عنوان: (ستبقى...) بجوار دميتها التي كانت قد اختارتها.. (العنقاء). (صفحة 69)، ويبقى السؤال مطروحًا وماذا بعد؟ وما الذي يحدث للحياة مرة أخرى أكثر مما حدث؟
وتمثّل الحيّز الذي رسمه الكاتب في جمال الحديث الموجِع عن غزة وما حدث لها من المغتصبين والتي لم يسلم منها الشجر والحجر، وبين لبنان الجميلة الرقيقة التي يعربدون فيها كما يحلو لهم، وخاصة مع طمس مظاهر الحضارة والجمال، والمدن التي دخلت في نطاق التراث الإنساني.
لقد وظّف الكاتب لغته الثرية في تشكيل لوحة جميلة لها حيّز وفضاء لكنها مأساوية ملطخة بالدماء وتتناثر فيها الأشلاء في كل جانب من جوانبها، فلم يترك الاحتلال إنسًأ ولا أرضًا ولا حيوانًا ولا طائرًا إلا طمسه وأزهقه، ولكن لم ينقطع الأمل ولن ننسى الذين قضوا وسنظل على العهد ونتذكر كل جميل.
* جامعة الاقتصاد والتجارة الدولية- الصين.
د. وائل الصعيدي
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
قصيدة الرباط للشاعر الدكتور عبد الولي الشميري
الشاعر عبد الولي الشميري يكتب قصيدة يفنى الزمان
تحليل نقدي إبداعي لكتاب "القسوة": شرور الإنسان والعقل البشري" لكاثلين تايلور
بين الكوميديا البشرية والواقعية السحرية.. مزاج عبثي!! أحمد بيضون
عفة وأناقة للدكتور السفير عبد الولي الشميري
تهنئة من الدكتور نادر الصيرفي المحامي لأقباط مصر بمناسبة عيد القيامة المجيد
الاكثر شهرة
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!! د. تمام كيلاني* ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...