بين الكوميديا البشرية والواقعية السحرية.. مزاج عبثي!! أحمد بيضون

بين الكوميديا البشرية والواقعية السحرية.. مزاج عبثي!! أحمد بيضون
غلاف

بين الكوميديا البشرية والواقعية السحرية.. مزاج عبثي!!

"هيا إلى المناخوليا" إنموذجا.

سمير الفيل يمسرح الحياة ويؤطر مزاج "المناخوليا" بالضباب العبثي.

 

أحمد بيضون*

 

نستهل تطواف المجموعة القصصية الماتعة في سردها المتزامن الذي ارتسم في هاجس ومخيلة القاص المتفرد؛ وكأنه يستلهم الكوميديا الانسانية لأونريه دي بلزاك أو الديكاميرون لبوكاشيو لتدوي صرخة عارمة في وجه تلك الشخوص التي لن يعالجها سوى طبيب قد يمتلك حق الولوج والخروج من بيمارستان الدنيا ولكنه يفرض الرقابة على تصرفاتهم، وكأنه خول القاص أن ينوب عنه في عملية الفحص لكنه ما لبث حتى أن وقع حبيساً كسيراً بين مطرقة المرجو What If  وسندان المأمول If only...

بداية من الغلاف العبقري الذي اشتمل لحد بعيد على رسم كاريكاتيري للشخوص بين البداية والنهاية، حتى الألوان تبدت وكأنها تستنطق النرجسية والصفاء الموهوم الذي يخبئ وراءه ذلك الظلام الدامس، بدأ قطاره الحكائي موظفا تقنيات سرد معاصرة تتقافز بين سارد عليم ومتكلم وضمني خفي هازئ، (انفلات عصفور) يأخذنا كما اعتاد في بداياته المشوقة التي تستجدي عدسة الكاميرا لذاك المهيض الضعيف الطائر الذي اختار حريته بعدما فر بعيدا عن متناول بطل (ثروت) رُفت من عمله ووقع فريسة لسياطين زوجتين هما هند وستونه بعدما ظن أنه ملك الدنيا بحزافيرها ولكن الأماني الممكنة طارت مع العصفور ومازال يطارد شهواته الإيروتيكية ليفترس امرأة أخرى تجاوره بالباص، وقد أصابته علة ذهانية وفقد صوابه من جراء كيد النساء ليطلق ضحكات صاخبة في نهاية المطاف علها تخلصه من عذاباته، مازالت الأصوات المجلجلة تجتاح ثنيات القصص لتصب جام غضبها على ضحية نسائية في (عري فادح) لما تسلل عاشق ولهان من النافذة ليخترق حرمتها في بيت الراحة أثناء الاستحمام، فتصبح (منسيّة) طريدة العيون اللاهثة من الرجال بعد تلك الفضيحة ودوي روعها الذي لم تستطع والدتها هدهدته وكأنها باتت منسية من البقاء قيد الحياة في ثوب الطهارة والعفة، وهاقد انتقل القطار لمحطة انسانية جديدة في (حزمة عصي) من الجدة وجيدة التي أصبحت وحيدة في هذا القمقم الكوني بعد غياب ورحيل زوجها في غياهب البحار، لكنها مازالت لا تصدق سوى أنها تعرف ألاعيب الرجال فقد تجده قد عاد أدراجه مرة أخرى وهي تدرك بأن الرجال عقولهم ناقصة، لقد كان لديها فطنة وفراسة تجذب إليها الأحفاد وكانت تعد تلك العصي التي قد تتوكأ عليها أو لغرض ما والويل الويل لمن يسرق أيها، لقد عكفت على مشاطرة الشبح الزائر في جوف الليل بعض الألعاب المعتادة ولكنها تدرك بأن الهارب لا يعود أبداً، هكذا – كان القاص يتبع بنيته السردية على اساس السخرية الدرامية Dramatic Satire في ضوء العلاقات المجتمعية بداية من الأسرة النواة في معترك البقاء، ليقلنا في مسار جديد يستلهم (بورخيس) في متاهاته بتحفته الأروع (الغُرف) كأنها تستصرخ تلك الأماكن الخرساء والعوالم المتعددة كما أشار المفكر الأرجنتيني ذات مرة بأنه ليس عليك أن تبني حائطاً لكي تعيش أبدا فالصحراء تكفي والمساحات الشاسعة متاهة لا مناص منها؛ وأما في ذاك (القبو) تمت الاشارة إلى شخصية بين التأثيل والتخييل الواقعي (البستاني زكريا خلوصي "القرد") وما عاناه كضحية لتلك (الكذبة)، مازال الاستنكار للواقع المأزوم والدهر الراسف بأوجاعه يأخذنا لاستعارة مكنية أخرى في (النقّار) woodpecker التي تحمل تناقضاً في رسم شخصية البطل الإنسان أمام ذاك الخراب المدمر ذي الأنف المدبب والفم الواسع الشره النقار الطائر الأسود؛ لما كان النقار هو الصادح بالحقيقة وهو الذي ينقر أبواب الأباطيل المزعومة في تلك الدعايات لمدعي الوجاهة ولكنه دوى بصوت يتهدج نافذ لجدران الصمت بأن أفاعيلهم (ه ج ص) دلالة سيميائية على اللاجدوي والخداع  والمكر لكل من اعتلى منصب ليس أهلا له، ليضرب موعدا مع عزرائيل في النهاية المأساوية جراء اغتياله، أما (سلم حلزوني) وكأنه درج سلم لرحلة أشبه برحلة دانتي وفرجيل للخلاص أو المطهر مرورا بمقام سيدي عبدالرزاق الذي يستلهم عبقا من النبي دانيال بالاسكندرية، لرفيق المكنى محسود الجوادي وصولاً إلى تلك النادلة الهندية الحسناء التي مثلت ثيمة الاغواء والاغراء الدنيوي، لكن في الختام لا تأتي الرياح بما تشتهي السفن وبروق الأطماع  والانتشاءة مآلها إلى الزوال والانطفاء بعدما أصبح السارد فريسة للمجهول ينتظرانصافاً من طائلة عدالة، ومازالت (الأصوات) تعج بالموسيقى واستحالة العاطفة حتى اهتدى القطار إلى (طريق الضباع)؛ لما استهلها بأن داخل وجدان كل انسان مازال الغموض والظلام الدامس، بين حلم البراءة والتجذر إلى ضبع يزمجر وقصة ذاك التاجر، ثم تنبري (سدّ الحنَك) التي بدأها "عليك أن تغلف فمك تماماً فلا تتحدث عما رأيته في ذلك البيت المغلق" وكأنها يوصد الأبواب ويواري سوءتها ويزم الشفاه عن الكلام، المسكوت عنه مازال يفرض نفسه في جادات القطار السردي أمام (المُهندم) وهو غزال ربيع السيد – الاسم الذي لم يكن على مسمى بسبب بدانته، لا يشق له غبار في اللت والرطان كأروع محلل اقتصادي أو حلال للعقد أو عذوبة اللسان التي تجذب النساء ولكنه لا يتقن فن النصب العاطفي؛ مازالت أثافي (غزال) عن مصرع الفأر ونفوق الحمار وعقر الكلب المسعور تبعث بنذير شؤم لهندامه المنمق ولم ينقذه سوء طالعه في الختام وكأن رفيقه السارد الذي يغبطه على وظيفته أيضاً قد ساهم أيضاً في إسقاط نواقيس الخطر الذي داهمه، (فوق السطح) تنعتق من تيار السوداوية إلى أحلام عامل البلدية من البسطاء ليعيش عيشة هنية ثم تباغتنا (وتدلّى سبتُ في ليل مظلم) من مطلق هذا الحب المفقود المحرم على الرغم من مشروعيته بين انسان وامرأة فقدت أبيها وأخيها وظلت إلى جوار زوجة أبيها السليطة رمز الشرور التي تصر على عدم أهيليتها وتقطع السبل عنها للانعتاقة من الاستعباد والرحيل مع محب عاشق حتى الرمق الأخير، تستمر (المناخوليا) في سينوغرافيا مسرحية (أعمى  وذئب) لسارد عليم يقص آثرة جره (حسين السيد) بعد مقدمة مشوقة تستلهم أسطرة الذئاب بين حرب الاستنزاف وانتصار اكتوبر العظيم في أرض الفيروز، وكأن القاص الذي عايش الأوضاع والأحوال في تلك الحقبة من الزمن يسرد واقعاً لشخص من لحم ودم، لقد فقد حسين بصره صار كفيفاً بعد حادث اصطدام مأساوي ولم يعد يتزاور لموئله سوى الأزهري الذي يقرؤه الجرائد والصحف ورفيقته(زبيدة النحال) التي تساهم في خدمته بحكم الجيره، إلى أن هرع إلى الخلاء في ليلة ليلاء وحيداً فيفترسه ذئب لعين فيعقر قدميه، ليتم إسعافه بالمشفى ويتم حقته إحدى وعشرين مرة، وكأن هناك رابط قد تنامى بينه وبين الذئب الذي استطاب لحمه، أو كأن القاص يريد أن يلهمنا أن الشراهة الحيوانية والتحيون اقتادا (حسيناً) إلى اللهاث على إثر فريسة طريدة تندب حظها التعس من زيجة نغصت حياتها وانتهت بعد مرارة وقحل، لترتضي الارتباط به بعد موافقة ذويها لتستظل بظله على الرغم من عجزه البصري، لكن النهاية الطريفة في الختام قد ألقت طلاوة واقتلعت ضحكة بعدما زاره نفس الذئب ليعضه تارة أخرى وكأنه مصمم أن يضمه إلى القطيع مهما دارت الأيام!

تستمر (المتاهات) وينتهي القطار الذي ضل سبيله عند (رأْس فِجلة)؛ العنونة التي تبرهن على اللاجدوى والعبثية على لسان سارد يحكي قصة جلسة طالت وتواترت بالمقهى  عن ذلك المكلوم الذي تعايره زوجته وأبناءه لعجزه واستحالة نفعه لتناديه (رأس فجلة) التي يمكن الاستعاضة عنها، تستمر استمالة المتحدث للسارد المنصت لنوادر رأس الفجلة الذي يصر في النهاية أن يحاسب على المشروب، فيباغته الذي ذهب إليه ليجالسه: " لماذا؟ أنا الذي أتيتك أمْ تظنني رأس فجلة؟!"... هكذا – يطنبنا الأيقوني سمير الفيل في سرديته التي تروم العوالم وتجتاز الفضاءات وتؤكد بلا مرية أن المناخوليا بلورت دستوراً وشرعنت نمطا فكرياً وثقافياً واجتماعيا ووجدانياً لطالما تمسك كل متصف بالإنسانية بأنه صائب ولا يمكن أن يتصرف بشكل خاطئ أو يحقق إخفاقاً ذريعا؛ يذكرني الأمر بقول الفيلسوف الألماني نيتشه: (من الجميل أن يقول الإنسان أنه مخطئ بدلاً من الاصرار أنه على حق، خاصةً عندما يكون على حق)..

هنيئا للقاص وصول قطار إبداعه إلى محطة انسانية مذهلة مدججا بلغة رائقة وبليغة ومستساغة وبندول سردي يتأرجح بين الألم والأمل ورسالة سامية هي الأروع تستصرخ الأدران المجتمعية و العوار الأخلاقي وتسأل: إلى متى سنقتل قلوبنا ونذهب عقولنا أو أننا عشقنا هندام المناخوليا؟!!

 

*كاتب ومترجم مصري/ دمياط.

بين الكوميديا البشرية والواقعية السحرية.. مزاج عبثي!! أحمد بيضون


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة القاهرة

عفة وأناقة للدكتور السفير عبد الولي الشميري

عفة وأناقة للدكتور السفير عبد الولي الشميري
بوابة القاهرة

تهنئة من الدكتور نادر الصيرفي المحامي لأقباط مصر بمناسبة عيد القيامة المجيد

تهنئة من الدكتور نادر الصيرفي المحامي لأقباط مصر بمناسبة عيد القيامة المجيد
بوابة القاهرة

بين النيل والهرم قصيده يكتبها عبد الولي الشميري

بين النيل والهرم قصيده يكتبها عبد الولي الشميري
بوابة القاهرة

زري قبيل الفجر يكتبها د. عبد الولي الشميري

زري قبيل الفجر يكتبها د. عبد الولي الشميري
بوابة القاهرة

ملكة جمال الأناقة أميرة قصري تتلقى دعوة للمشاركة في مهرجان "سوبر ستار العرب"

ملكة جمال الأناقة أميرة قصري تتلقى دعوة للمشاركة في مهرجان "سوبر ستار العرب"
بوابة القاهرة

سهرة على ضفاف الضياء!! د.قاسم عبد العزيز محمد الدوسري

سهرة على ضفاف الضياء!! د.قاسم عبد العزيز محمد الدوسري
بوابة القاهرة

تحركات مريبة في توقيت حساس انضمام رشا قنديل لكيان إخواني يفتح ملف العلاقات الخفية

تحركات مريبة في توقيت حساس انضمام رشا قنديل لكيان إخواني يفتح ملف العلاقات الخفية


الاكثر شهرة
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!   د. تمام كيلاني*   ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...

تابعونا


جارٍ التحميل...