ثمن الحكمة بين جحود البشر وعطاء الله..!! د. تمام كيلاني
ثمن الحكمة بين جحود البشر وعطاء الله..!!
د. تمام كيلاني*
يقول الأديب الكبير نجيب محفوظ: “الحياة لا تعطي دروساً مجانية لأحد، فحين أقول إن الحياة علّمتني، تأكد أنني دفعت الثمن.”
هذه العبارة ليست مجرد حكمة عابرة، بل هي قانون وجودي يحكم مسيرة الإنسان منذ أن يفتح عينيه على الدنيا وحتى آخر لحظة من عمره. فالحياة ليست مدرسة تُوزّع الشهادات بلا امتحانات، وإنما هي معلم صارم لا يمنح المعرفة إلا مقابل الألم، ولا يهب النضج إلا بعد التجربة، ولا يزرع الحكمة إلا في أرضٍ سقتها الدموع والصبر.
فالإنسان لا يتعلم معنى الوفاء إلا عندما يخذله أقرب الناس إليه، ولا يدرك قيمة الصحة إلا بعد أن يطرق المرض بابه، ولا يعرف حقيقة النجاح إلا بعد أن يتذوق مرارة الفشل. وكأن الحياة تقول لنا في كل مرحلة: إن المعرفة الحقيقية لا تُقرأ في الكتب فقط، بل تُكتب على صفحات القلب بتجارب الأيام.
ومن أكثر الدروس إيلاماً في رحلة العمر أن الإنسان قد يبذل الخير للناس بكل صدق، ثم يفاجأ بجحود بعضهم. يساعد محتاجاً فينسى فضله، ويقف إلى جانب صديق في الشدة فيغيب ذلك الصديق عند أول اختبار، ويمنح وقته وجهده ومحبته للآخرين فلا يجد أحياناً إلا النكران.
وهذه ليست ظاهرة جديدة، بل هي جزء من طبيعة البشر منذ القدم. فالناس متفاوتون في الوفاء كما تتفاوت الأشجار في الثمار. فمنهم من يحفظ الجميل ولو بعد سنين طويلة، ومنهم من ينسى المعروف بمجرد انتهاء حاجته. ولذلك فإن ربط السعادة بردود أفعال الناس يجعل الإنسان أسيراً لتقلباتهم، يعيش فرحه وحزنه وفق اعترافهم أو جحودهم.
ولعل التاريخ والحياة اليومية يقدمان لنا شواهد لا حصر لها. فكم من أبٍ أفنى عمره في تربية أبنائه ثم وجد منهم عقوقاً، وكم من معلمٍ صنع نجاح تلاميذه ثم نُسي اسمه بعد تخرجهم، وكم من طبيبٍ سهر على علاج مرضاه فلم يسمع كلمة شكر ممن أنقذهم. ومع ذلك استمرت الحياة، واستمر العطاء، لأن قيمة الخير لا تُقاس بردة فعل المتلقي، بل بسمو الفعل ذاته.
لكن وسط هذا المشهد الإنساني المليء بالتقلبات، يظل هناك عزاء عظيم يطمئن القلب ويعيد إليه توازنه؛ وهو أن المؤمن حين يعمل الخير لا يتعامل في الحقيقة مع البشر وحدهم، بل يتعامل مع رب البشر.
فإذا كان الناس قد ينسون، فإن الله لا ينسى.
وإذا كان البشر قد يجحدون، فإن الله يحفظ كل ذرة من المعروف.
وإذا كان الشكر قد يغيب من أفواه الناس، فإن الجزاء محفوظ عند من لا تضيع عنده الودائع.
ولهذا كان أهل الإيمان يرددون المعنى القرآني الخالد:
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾.
إنها فلسفة التحرر من انتظار المقابل، والارتقاء بالفعل الإنساني من مستوى التجارة إلى مستوى العبادة. فحين يصبح الخير لوجه الله، يتحول العطاء إلى راحة نفسية لا إلى مصدر خيبة، لأن صاحبه لا ينتظر الثمن من الناس أصلاً.
إن أعظم ما يتعلمه الإنسان بعد سنوات طويلة من التجارب أن الخير ليس صفقة، وأن المعروف ليس ديناً في أعناق الآخرين، وأن الحكمة الحقيقية تكمن في أن تزرع الورود ولو لم ترَ من يشكرك عليها. فربما جحد الناس، وربما أنكروا، وربما رحلوا، لكن الله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر المحسنين.
وهكذا يصبح ثمن الدروس التي ندفعها في الحياة ليس خسارةً خالصة، بل استثماراً في الوعي والإيمان. فكل ألمٍ علّمنا، وكل خيبةٍ نضجنا بها، وكل جحودٍ واجهناه، كان خطوةً نحو فهم أعمق للحياة، وإدراكٍ أعظم لمعنى التوكل على الله.
فالحياة تعلّم، نعم، لكنها لا تعطي دروسها مجاناً. غير أن أجمل ما فيها أن الله يعوض الصابرين عن كل ثمن دفعوه، وعن كل خير قدموه، وعن كل معروف لم يجدوا له شكراً بين الناس.
وهذا هو الانتصار الحقيقي للإنسان: أن يبقى نقياً في عالمٍ متقلب، وأن يستمر في فعل الخير، لا لأن الناس يستحقون دائماً، بل لأن الله يستحق أن نخلص له العمل .
* رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
الأسطورة والخرافة في القصة..!!أنس بابكر محمد قسم الله
أركَ عصيّ الدمع.. حين يتحول الكبرياء إلى بكاء مؤجل..!! د. تمام كيلاني
حين يصبح التأجيل شكلا من أشكال الخسارة..!! د. تمام كيلاني
مختارات قصصية قصيرة جدا..!! عبد الباسط عبدالله
عيد الأضحى..حين ترتقي الروح فوق حدود الأرض..!! د. تمام كيااني
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...