د. منصور إسكوديرو.. من رحلة البحث عن المعنى إلى بناء الحضور الإسلامي في إسبانيا!
د. منصور إسكوديرو.. من رحلة البحث عن المعنى إلى بناء الحضور الإسلامي في إسبانيا!
د.تمام كيلاني*
لا يصنع التاريخ دائمًا الساسة أو القادة العسكريون، بل قد يصنعه طبيبٌ يغيّر مسار حياته، ثم يكرّس علمه وفكره لبناء الإنسان والمؤسسات.
ومن بين الشخصيات التي تركت أثرًا واضحًا في تاريخ المسلمين المعاصر في إسبانيا، يبرز اسم الدكتور منصور إسكوديرو؛ الطبيب الإسباني الذي تحوّل من ممارسة الطب إلى أحد أبرز رواد العمل الإسلامي المؤسسي، فجمع بين العقل العلمي، والالتزام الفكري، والرؤية الحضارية، وأسهم في ترسيخ حضور المسلمين داخل المجتمع الإسباني الحديث.
ولد الدكتور منصور إسكوديرو، واسمه قبل الإسلام فرانسيسكو إسكوديرو بيداتي، في السابع من تشرين الثاني /نوفمبر عام 1947. تلقى تعليمه في كلية القديس ستانيسلاوس اليسوعية، ثم حصل على درجة البكالوريوس في الطب والجراحة من جامعة كومبلوتنسي في مدريد، وتخصص في الطب النفسي العصبي. وقد منحته دراسته الطبية رؤية علمية عميقة لطبيعة الإنسان، لكنها لم تُغلق أمامه باب التساؤلات الوجودية، بل دفعته إلى رحلة بحث روحي انتهت باعتناقه الإسلام عن قناعة، واختياره اسم منصور.
غير أن إسلامه لم يكن تجربة شخصية فحسب، بل أصبح نقطة تحول في حياته؛ إذ انتقل من الاهتمام بالفرد إلى الاهتمام بالمجتمع، ومن علاج المرضى إلى المساهمة في بناء مؤسسات تخدم المسلمين في إسبانيا.
في مرحلة كان الوجود الإسلامي في إسبانيا الحديثة لا يزال في طور التشكل، أدرك منصور إسكوديرو أن مستقبل المسلمين لا يمكن أن يقوم على الجهود الفردية وحدها، بل يحتاج إلى مؤسسات قوية تمثلهم أمام الدولة والمجتمع. لذلك شارك في تأسيس عدد من أهم الهيئات الإسلامية في البلاد، وأسهم في إنشاء اتحاد الكيانات الدينية الإسلامية في إسبانيا (FEERI)، كما تولى رئاسة المجلس الإسلامي الإسباني، الذي أصبح أحد أبرز المرجعيات الرسمية للمسلمين في إسبانيا.
ولم يقتصر نشاطه على العمل الإداري، بل كان من أوائل من أدركوا أهمية الإعلام في تشكيل الوعي، فأسس موقع «ويب إسلام» (WebIslam)، الذي تحول إلى واحد من أهم المنابر الناطقة بالإسبانية للتعريف بالإسلام، ونشر الدراسات الفكرية والحوار الحضاري، وربط المسلمين الناطقين بالإسبانية بالعالم الإسلامي.
كما أطلق مجلة Islam Verde، وأسهم في تأسيس المجموعة الأدبية «شهادة»، التي اهتمت بقضايا المسلمين الإسبان، وسعت إلى تقديم خطاب ثقافي معاصر يعكس خصوصية التجربة الإسلامية في إسبانيا.
ولم تكن اهتماماته محصورة بالشأن الفكري، بل امتدت إلى العمل الإنساني، حيث شارك في دعم مشاريع إغاثية وتنموية في النيجر والسنغال وموريتانيا، مؤمنًا بأن رسالة الإسلام تتجسد في خدمة الإنسان قبل أي شيء آخر.
ومن أبرز القضايا التي ارتبط اسمه بها دفاعه السلمي والقانوني عن حق المسلمين في أداء الصلاة داخل جامع قرطبة، الذي تحول إلى كاتدرائية بعد سقوط المدينة سنة 1236م. وقد رأى أن هذا المعلم التاريخي، الذي يمثل أحد أعظم شواهد الحضارة الإسلامية في أوروبا، يمكن أن يكون رمزًا للتعايش والحوار بين الأديان. وفي هذا السياق وجّه رسائل إلى القيادات الكنسية، بما فيها البابا، داعيًا إلى السماح بالصلاة فيه، إلا أن طلبه لم يُستجب. ومع ذلك بقي متمسكًا بالدفاع عن هذا الحق بالوسائل القانونية والسلمية، وأصبحت مواقفه في هذه القضية معروفة على المستوى الدولي.
وفي حياته الشخصية، شاركته زوجته ماريا خيسوس أوريبي، التي اعتنقت الإسلام واختارت اسم صبورة، مسيرته الفكرية والدعوية، وتولت رئاسة تحرير موقع «ويب إسلام». وقد شكّل اغتيالها عام 1998 بعد تعرضها للطعن صدمة كبيرة، إلا أن هذه الفاجعة لم تثنه عن مواصلة رسالته في خدمة الإسلام والعمل المجتمعي.
ولم يكن تأثير منصور إسكوديرو محصورًا داخل إسبانيا، بل امتد إلى أوروبا والعالم الإسلامي، حتى أُدرج اسمه ضمن الشخصيات الإسلامية المؤثرة تقديرًا لدوره في بناء المؤسسات الإسلامية والدفاع عن حقوق المسلمين وترسيخ ثقافة الحوار.
وفي الثالث من أكتوبر عام 2010، وبينما كان يؤدي صلاة الفجر، رحل الدكتور منصور إسكوديرو عن عمر ناهز اثنين وستين عامًا، بعد أن ترك إرثًا يتجاوز المناصب والإنجازات الإدارية؛ إرثًا يتمثل في ترسيخ فكرة أن الإسلام في أوروبا ليس وجودًا عابرًا، وإنما جزء من مستقبل القارة، يُبنى بالعلم، والحوار، والمؤسسات، والمواطنة الصالحة.
لقد أثبت منصور إسكوديرو أن الطبيب لا يقتصر دوره على علاج الأجساد، بل يستطيع أن يسهم في علاج أزمات المجتمع، وبناء الجسور بين الثقافات، وإحياء قيم العدل والتعايش. ومن هنا تبقى سيرته مصدر إلهام لكل طبيب ومثقف يؤمن بأن الرسالة الإنسانية أوسع من حدود المهنة، وأن بناء المؤسسات الصادقة قد يكون أثره أبقى من أعمار أصحابها.
رحم الله الدكتور منصور إسكوديرو، وجزاه خير الجزاء على ما قدمه من خدمة للإسلام والمسلمين، وللحوار الإنساني القائم على الاحترام والمعرفة والعمل المؤسسي.
*رئيس اتحاد الاطباء والصيالة العرب في النمسا.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
قراءة لقصيدة – مراسم الفقد – للأستاذ الشاعر طاهر ..!! طه عبد الرحمن
رحيل إبراهيم الأخرس.. انطفاء وتر الرقة الأصيل!!
دراسة نقدية في جدلية المكان والزمان وبلاغة التيه لقصيدة سكة الضور للكاتبة روعة سنوبر..!! طه عبد الرحمن
الإيحاء في أدب القصة السودانية..!! انس بابكر محمد
قراءة في جمالية الانهيار الرمزي في قصيدة "احتمالات" للشاعرة السورية: روعة سنوبر..!! سعيد محتال
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...