رحيل إبراهيم الأخرس.. انطفاء وتر الرقة الأصيل!!

رحيل إبراهيم الأخرس.. انطفاء وتر الرقة الأصيل!!

رحيل إبراهيم الأخرس.. انطفاء وتر الرقة الأصيل!!


مؤيد العجيلي*

 

في مساء السبت، الثامن عشر من تموز 2026، غيب الموت قامة فنية فراتية سامية؛ إذ انطفأت زاوية مضيئة من زوايا ذاكرتنا الشعبية برحيل الفنان الرقاوي القدير إبراهيم الأخرس عن عمر ناهز 72 عاماً. برحيله، لا تفقد الساحة الفنية مجرد مؤدٍّ عابر، بل تخسر الساحة الإبداعية السورية أحد أعمدة الفنون الشعبية في الرقة، ووتداً حقيقياً من أوتاد تراثنا الموسيقي الشفهي.
من "التعاليل" إلى المسارح العالمية
تُعدّ "الربابة" آلة وترية بدائية بهيكلها الخشبي البسيط، وجلد الماعز المشدود، ووترها وقوسها المصنوعين من شعر الخيل؛ فهي آلة بلا نوتة ولا سلم موسيقي، تولد وتعيش بالتعلم الذاتي في السهرات و"التعاليل" الرقاوية المحفوفة بالبساطة العفوية. وقليلة هي الأسماء التي استطاعت العبور بهذه الآلة البدائية من مجالس السمر المحلية إلى مسارح النخبة الراقية، تماماً كما فعل الأسطورة العراقي جبار عكار، وكما فعل ابن الرقة إبراهيم الأخرس.
لقد امتلك الأخرس خامة صوتية استثنائية بمساحة تطاوع نبرته لتجاري حدة "الزمارة" وعنفوانها في حلقات الدبكة الشعبية، منغماً أغانيها التي تتماشى مع ذاك الإيقاع الساخن من "القوصار" إلى "الأسمر" وصولاً إلى "الولدة". لكن البصمة الأبرز لـ "الأخرس" تجلت في موقعه كأحد أعمدة "فرقة الرقة للفنون الشعبية"؛ فبين يديه تحولت الربابة إلى سفيرةٍ للهوية الفراتية.
طاف الأخرس بألوان الغناء الرقاوي من "عتابا وموليا ونايل"، وصولاً إلى الأغاني الإيقاعية السريعة المعروفة بـ "التشاطيف" كـ "الهيكالة" و"الزعلان". وشكّل مع الفنانة خولة الحسن ثنائياً فنياً ساحراً غرس ملامح تراثنا في مهرجانات قرطاج، وعمّان، ودبي، وجرش، وبعلبك، وبصرى الشام، ودار أوبرا دمشق، متجاوزاً حدود الشرق ليعتلي المسارح الرومانية ومسارح أوروبا من فرنسا وإسبانيا حتى الصين، مقلداً بالأوسمة والجوائز من لندن إلى دبي.
الفن كرسالة أخلاقية وتوثيقية
وفي هذا السياق، يدلي الصحفي السوري حسن عبد الله الخلف، مستنداً إلى مسيرته الطويلة وتجربته في عالم التراث، "لم تقتصر رسالة الأخرس مع فرقة الرقة للفنون الشعبية على الأداء في المسارح الاحتفالية فحسب، بل كان له مع الفرقة دورٌ توثيقي ونبضٌ حيّ في البرامج التلفزيونية والإذاعية التي أرّخت لأغاني المواسم والعمل. فصوته كان حاضراً يرافق حكايات الحصاد، ودق الحنطة، وفتل الشعيرية، محولاً تفاصيل المعيش اليومي إلى فلكلور حيّ عابر للأجيال، يترافق مع حركات راقصة مستوحاة من صلب حياة الفلاح البسيط كحركات المنجل، والقطاف، وصناعة الخبز، في قالب فني راقٍ بعيدٍ كل البعد عن أي خلاعة أو إسفاف":
ويشهد كل من عرف الراحل عن قرب بحسن خلقه، وتفانيه، وسمو غايته في إبراز الجمال الأصيل في الموروث الشعبي من خلال الكلمة والنغمة. وفي هذه الخسارة المزدوجة، يعبّر الأستاذ عبد الحميد الويس، أحد أعضاء فرقة الرقة للفنون الشعبية التي انفرط عقدها مع بداية الثورة السورية، بمرارة قائلًا:
"كنا نأمل أن تعود الفرقة لتمثل الرقة في المحافل السورية والعربية والعالمية كسابق عهدها بعد انتصار الثورة السورية، وأن ننجز لوحات تراثية توثق سنوات الثورة وتعكس تماسك الشعب السوري وتنوعه وغناه، من خلال حركات راقية بعيدة عن الفحش. لكن برحيل الأستاذ إسماعيل العجيلي مؤسس الفرقة، وتبعه اليوم الفنان إبراهيم الأخرس، قد يكون حلم استعادتها بألقها السابق ضرباً من المستحيل".
إن رحيل إبراهيم الأخرس هو انطفاء لآخر الأوتار الأصيلة التي ربطت الرقة بالعالم، وخسارة فادحة لذاكرة جمعية بُنيت بالجهد والعرق والنغم النقي. غاب جسد الأخرس، لكن صدى ربابته وصوته الفراتي المعجون بتراب الأرض سيبقى حياً في وجدان السوريين، شاهداً على زمن كان فيه الفن رسالةً، والتراث هويةً لا تموت.

 

*كاتب سوري/ الرقة.

 

 

رحيل إبراهيم الأخرس.. انطفاء وتر الرقة الأصيل!!

تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

الثقافة والأدب

د. منصور إسكوديرو.. من رحلة البحث عن المعنى إلى بناء الحضور الإسلامي في إسبانيا!

د. منصور إسكوديرو.. من رحلة البحث عن المعنى إلى بناء الحضور الإسلامي في إسبانيا!
الثقافة والأدب

قراءة لقصيدة – مراسم الفقد – للأستاذ الشاعر طاهر ..!! طه عبد الرحمن

قراءة لقصيدة – مراسم الفقد – للأستاذ الشاعر طاهر ..!! طه عبد الرحمن
الثقافة والأدب

دراسة نقدية في جدلية المكان والزمان وبلاغة التيه لقصيدة سكة الضور للكاتبة روعة سنوبر..!! طه عبد الرحمن

دراسة نقدية في جدلية المكان والزمان وبلاغة التيه لقصيدة سكة الضور للكاتبة روعة سنوبر..!! طه عبد الرحمن
الثقافة والأدب

الإيحاء في أدب القصة السودانية..!! انس بابكر محمد

الإيحاء في أدب القصة السودانية..!! انس بابكر محمد


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...