سامحيني يا أمي!
سامحيني يا أمي!
عائشة الفارسي*
الكثير منا يخطئ ويسيء الفهم ويصدر أحكامًا متسرعة وذلك عندما نحكم على تصرفات أمهاتنا بسرعة ونعصب منهن، ولا نفهم ماذا تقصد من كلمة "لا"، أو أنها تمنعنا من طلعة، أو اعتراضها على لبس، أو تصحيح لأسلوب كلامنا، أول ما يدور في بالنا "أمي متسلطة، ما تبغى لنا الخير، تبغى تتحكم"، أمنا دائمًا تردنا، ودائمًا ترفض الذي نريده، بس لو وقفنا ثانية وسألنا "طيب هي لماذا ترفض؟ وما هي أسبابها؟"
لفهمنا أن الأم هنا لا ترفض ما نريد هي ترفض الخطر الذي ممكن أن يمسنا لو واصلنا، لأنها ترى الدنيا من زاوية خبرتها التي اكتسبتها من عمرها وتجاربها الطويلة، أما نحن فنراها من زاوية عمرنا وتجربتنا المحدودة، لما تمنعنا من سفرة هي ما تمنع فرحتنا ومتعتنا بهذه الرحلة، هي تمنع من باب الخوف من تجارب صارت في حياتها، حادث شافته، أو قصة غدر حدثت لولد أو بنت انضحك عليهم.
رفضها ليس ضدك رفضها للضرر الذي تتوقعه أن يحدث عليك، لما تقول لنا "ذاكروا أول"، أو "ارجعوا بسرعة ولا تتأخروا"، أو "لا تصاحب فلان"، فهذه ليست تسلطًا أو مثل ما نسميها نحن الأبناء أوامر عسكرية، هذه خريطة نجاة لنا، هذه تجارب هي مرت فيها وتحاول أن تختصر علينا الطريق وتحَمينا من غلط قد نقع فيه ونندم عليه طول العمر.
حتى وهي تعصب وتصارخ وتقول لا وترفض، نحن نفهم العصبية هذه على أنها تسلط وفرض رأي، لكن الحقيقة أن العصبية عند الأم خوف وصل إلى ذروته، والدليل أنها تحاول أن تبرر لنا في كثير من الأوقات لماذا لا، وتفهمنا أمورًا غائبة عن بالنا، تريد منا أن نفهم ونطيع، لا أن نخضع ونضيع، هي تربي وتعلم، ما تفرض سيطرة، وهناك فرق بين المتسلط والمربي.
المتسلط يرفض ليحس بقوته ويفرضها على الجميع ويتفاخر بذلك، والأم مربية ترفض للتعلم والاستفادة، وهي لا ترفض لتذلنا، هي ترفض لتحسسنا بالأمان.
ترفض لتحميني من شيء لا نراه الآن، ولكن بعد فترة نراه بوضوح ونقول: شكرًا لك يا أمي إنك منعتني، شكرًا لقولك "لا" التي فادتني في حياتي، نعترف كنا نزعل ونقفل الباب، ونحس أنك ضد حريتنا وضد فرحتنا.
بس اليوم كبرنا وفهمنا أن "لا" التي كنتِ تستخدمينها كانت درعًا لنا، حمتنا وعلمتنا، عرفنا أن بر الوالدين يبدأ من حسن الظن بما يقولون ويفعلون، شكرًا لكل الأمهات، شكرًا لما تقدمنه من دروس وعبر، سامحونا على سوء الظن.
*كاتبة عمانية.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
الإنسان لا يرى العالم... بل يرى تفسيره للعالم!! حسين مطر
نجاة رجاح حكايةُ حرفٍ ينسجُ أفقاً سيرةٌ على ضفافِ الكلمة..!! طارق الأسمر
قراءة في قصيدة حسن أجبوه الموسومة" الآن بدأت حكم العالم"..!!عبد الغفور مغوار
تأملات في رسالة الحب والعدم للشاعر الاردني د. محمد سليط! طه دخل الله عبد الرحمن
"متاهات".. حين يصبح السؤال أكثر قيمة من الجواب! ماجد القيسي
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...