الملكة المثيرة للجدل… بين بناء الإمبراطورية ونقض العهود!
الملكة المثيرة للجدل… بين بناء الإمبراطورية ونقض العهود!
حين يدور الزمان
د. تمام كيلاني*
في صباح الثاني من يناير عام 1492، ارتفعت رايات قشتالة وأراغون فوق أسوار الحمراء، وانتهى وجود استمر قرابة ثمانية قرون للمسلمين في الأندلس.
خرج أبو عبد الله الصغير من غرناطة مطأطئ الرأس، بينما دخلها الملكان الكاثوليكيان، إيزابيلا وفرديناند، بوصفهما صانعي إسبانيا الجديدة. وفي تلك اللحظة، بدا وكأن التاريخ قد حسم أمره، وأن المنتصر سيكتب الرواية وحده.
لكن التاريخ لا يقف عند لحظة النصر، ولا يكتفي بمنح الأوسمة للغالبين أو اللوم للمهزومين. فهو يزن الرجال والنساء بما تركوه من أثر، وبما وفوا به من عهود، وبما صنعته قراراتهم في مصائر الشعوب.
وهكذا يقف التاريخ أمام شخصيتين صنعتا نهاية عصر وبداية آخر؛ إيزابيلا الكاثوليكية، التي أسست مع زوجها فرديناند نواة الدولة الإسبانية الموحدة، لكنها ارتبطت أيضًا بسياسات الإقصاء الديني ونقض المواثيق، وأبو عبد الله الصغير، آخر سلاطين بني نصر، الذي انتهى عهده بسقوط غرناطة، ليصبح اسمه عنوانًا لآخر صفحة من صفحات الحكم الإسلامي في الأندلس.
من أميرة إلى صانعة دولة
ولدت إيزابيلا عام 1451 وسط صراعات دامية على عرش قشتالة، لكنها استطاعت بذكائها وحزمها أن تصل إلى الحكم سنة 1474، ثم عززت نفوذها بزواجها من فرديناند ملك أراغون، فكان اتحادهما اللبنة الأولى للدولة الإسبانية الحديثة.
غير أن مشروعهما لم يكن سياسيًا فحسب، بل كان قائمًا أيضًا على توحيد البلاد دينيًا، وهي السياسة التي ستغير وجه الأندلس إلى الأبد.
سانتا فيه… المدينة التي رُسمت فيها نهاية الأندلس
خلال حصار غرناطة، أنشأ الملكان الكاثوليكيان مدينة سانتا فيه لتكون مقرًا دائمًا لجيشهما، ومنها أُدير الحصار الذي استمر حتى استسلمت المدينة.
وفي سانتا فيه لم تُكتب نهاية الأندلس فقط، بل بدأت أيضًا مرحلة جديدة من التاريخ العالمي؛ ففيها وقعت إيزابيلا اتفاقها مع كريستوفر كولومبوس، ممولةً رحلته التي فتحت الطريق أمام قيام الإمبراطورية الإسبانية في العالم الجديد.
وهكذا أصبحت مدينة صغيرة شاهدًا على حدثين غيّرا وجه التاريخ: سقوط غرناطة، وبداية عصر الاكتشافات والاستعمار الأوروبي.
غرناطة… النهاية التي سبقتها الانقسامات
لم تكن غرناطة ضحية قوة أعدائها وحدها، بل كانت أيضًا ضحية انقساماتها الداخلية.
فالصراعات بين أمراء بني نصر أضعفت الدولة سنوات طويلة، حتى أصبحت عاجزة عن مواجهة الخطر الخارجي.
وفي خضم تلك الأحداث، وقع أبو عبد الله الصغير أسيرًا في معركة لوسينا، ثم أُطلق سراحه بعد اتفاق مع الملكين الكاثوليكيين. وتذكر بعض المصادر أن الاتفاق تضمّن تقديم نحو خمسمائة رهينة من أنصاره ضمانًا لتنفيذ التزاماته، ولم يُفرج عنهم إلا بعد تسليم غرناطة.
كما حضرت في تلك السنوات شخصية ثريا، زوجة السلطان أبي الحسن علي، التي ارتبط اسمها بالصراعات داخل القصر النصري، وإن اختلف المؤرخون في حجم تأثيرها الحقيقي في مجريات الأحداث.
وعندما سلّم أبو عبد الله مفاتيح غرناطة، انتهت آخر دولة إسلامية في الأندلس.
ولهذا بقيت العبارة المنسوبة إلى والدته عائشة الحرة تتردد عبر القرون:
“ابكِ مثل النساء ملكًا مضاعًا لم تحافظ عليه مثل الرجال.”
وقد أصبحت هذه الكلمات تعبيرًا عن مرارة الهزيمة أكثر من كونها مجرد كلمات قالتها أم لابنها.
معاهدة غرناطة… بين الوعد والواقع
لم يكن تسليم غرناطة استسلامًا بلا شروط.
فقد وقّع الملكان الكاثوليكيان معاهدة ضمنت للمسلمين حرية العقيدة، وحماية المساجد، واحترام القضاء الإسلامي، وصيانة الأموال، وعدم إكراه أحد على تغيير دينه.
لكن تلك الضمانات لم تعش طويلًا.
فبعد استقرار الحكم، بدأت سياسة جديدة قادها الكاردينال فرانسيسكو خيمينيث دي سيسنيروس، الذي انتهج سياسة التنصير القسري، وأشرف على إحراق آلاف المخطوطات العربية، مما أدى إلى اندلاع ثورات المسلمين.
ويرى عدد من المؤرخين أن إلغاء العمل العملي ببنود المعاهدة تم بغطاء وموافقة من البابوية، الأمر الذي منح السلطات الدينية والسياسية مبررًا للمضي في إنهاء الالتزامات التي تعهدت بها عند التسليم.
ولهذا أصبحت معاهدة غرناطة واحدة من أشهر الأمثلة التاريخية على نقض المواثيق بعد تحقيق النصر العسكري.
محاكم التفتيش… حين يصبح الدين وسيلة للسلطة
وفي عهد إيزابيلا وفرديناند، اتسع نفوذ محاكم التفتيش، وأصبحت وسيلة لفرض الوحدة الدينية بالقوة.
تعرض آلاف الأشخاص للمحاكمات، واستُخدم التعذيب في عدد من القضايا، وأُجبر كثير من المسلمين واليهود على التنصر أو الرحيل، بينما عاش آخرون حياتهم في خوف دائم من الاتهام أو الوشاية.
ولذلك لم يبق اسم إيزابيلا مرتبطًا بتوحيد إسبانيا فحسب، بل ارتبط أيضًا بسياسات الإقصاء الديني التي تركت جراحًا عميقة في ذاكرة شعوب كثيرة.
الرحلة التي غيّرت العالم
وفي العام نفسه الذي سقطت فيه غرناطة، انطلقت سفن كريستوفر كولومبوس بتمويل من إيزابيلا، لتبدأ مرحلة جديدة من التاريخ الإنساني.
فقد ولدت الإمبراطورية الإسبانية، واتسع نفوذها عبر القارات، لكن تلك البداية كانت أيضًا فاتحة عصر الاستعمار الأوروبي، وما رافقه من احتلال واستغلال وإبادة لشعوب العالم الجديد.
حين يدور الزمان
غير أن عجلة التاريخ لا تتوقف عند لحظة الانتصار.
فبعد سنوات قليلة، فقدت إيزابيلا ابنها الوحيد وولي عهدها الأمير خوان، ثم ابنتها الكبرى، ثم حفيدها ميغيل، وأصيبت وريثة العرش خوانا باضطرابات نفسية هزّت مستقبل المملكة.
وأصابها المرض حتى أنهكها، وفي وصيتها أوصت بأن تُدفن في غرناطة، المدينة التي رأت فيها أعظم إنجازات حياتها.
وعندما توفيت في السادس والعشرين من نوفمبر سنة 1504، نُقل جثمانها إلى المصلى الملكي في غرناطة، حيث لا يزال قبرها قائمًا حتى اليوم، وكأنه يروي قصة الملكة التي ربحت مملكة، لكنها بقيت موضع جدل في ضمير التاريخ.
دروس لا تموت
بعد أكثر من خمسة قرون، لا يزال المؤرخون يختلفون في تقييم إيزابيلا الكاثوليكية.
فهي من دون شك إحدى الشخصيات التي أسهمت في بناء إسبانيا الحديثة، لكنها ارتبطت أيضًا بنقض معاهدة غرناطة، ومحاكم التفتيش، وسياسات الطرد والإكراه الديني، وهي صفحات لا يمكن تجاوزها عند قراءة سيرتها.
وفي المقابل، بقي أبو عبد الله الصغير رمزًا للنهاية؛ فقد لا يكون وحده مسؤولًا عن سقوط الأندلس، لكنه كان آخر من حمل تاجها، وآخر من سلّم مفاتيحها.
إن الأمم لا تنهار حين يقوى عدوها فقط، بل حين تتغلب الانقسامات الداخلية على وحدتها، وحين يصبح الصراع على السلطة أقوى من مصلحة الوطن. كما أن النصر العسكري لا يمنح صاحبه عظمة أخلاقية إذا أعقبه نقض للعهود واضطهاد للناس.
وهكذا تبقى قصة إيزابيلا الكاثوليكية وأبي عبد الله الصغير من أكثر صفحات التاريخ ثراءً بالعبر؛ ملكةٌ بنت دولة وإمبراطورية، لكنها اقترنت أيضًا بخرق المواثيق والاضطهاد، وملكٌ انتهى عهده بضياع آخر تاج للأندلس، فخلّده التاريخ لا بما حكم، بل بما خسره.
ويبقى الزمن، في نهاية المطاف، هو القاضي الذي لا يجامل أحدًا، ولا يحفظ للملوك إلا ما صنعت أيديهم.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
الموريسكيون في إسبانيا دراسة تاريخية في الذاكرة والهوية والتحولات المعاصرة..!! د. تمام كيلاني
أوروبا والمسلمون… حين يصبح سؤال المستقبل أكبر من سؤال الاندماج..!! د. تمام كيلاني
من النشر إلى التأثير.. منتدى دولي في فيينا يعيد تعريف البحث العلمي!
ليس كل سوري خبرًا سيئًا… عندما تصبح الصورة الناقصة خطرًا على المجتمع..!! د. تمام كيلاني
المكتب الثقافي المصري في فيينا.. دبلوماسية ثقافية ترسّخ الحضور المصري في أوروبا!!
Persönlichkeiten, die den Weg der islamischen Präsenz in Europa geprägt haben Omar Al-Rawi … Ein Lebensweg im Zeichen von Teilhabe, Dialog und gesellschaftlicher Verantwortung
فيينا… مدينة جودة الحياة تستقبل المؤتمر الثالث والثلاثين لاتحاد الأطباء والصيادلة العرب في النمسا..!! د. تمام كيلاني
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...