سوريا ليست جواز سفر… سوريا وطن لا يُستبدل..!! د. تمام كيلاني

سوريا ليست جواز سفر… سوريا وطن لا يُستبدل..!! د. تمام كيلاني

سوريا ليست جواز سفر… سوريا وطن لا يُستبدل..!!

 

 

د. تمام كيلاني*

 

كم سمعنا عبارة: “سوريا ليست وطناً، بل مجرد جواز سفر حتى نجد وطناً بديلاً.”

كانت هذه الكلمات، بالنسبة لكثيرين، صرخة وجع أكثر منها قناعة، وصرخة إنسان سحقته سنوات الاستبداد، وأرهقته الحروب، ودفعت به إلى المنافي. لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم هو: هل كانت المشكلة في سوريا، أم في النظام الذي اختطف سوريا لعقود؟

 

لقد نجح نظام الأسد وحزب البعث في أخطر مشروع عرفته سوريا الحديثة: مشروع إقناع السوري بأنه غريب في وطنه، وأن كرامته لا يمكن أن تعيش إلا خارج حدوده. صادروا السياسة، وأخضعوا القضاء، وحطموا الاقتصاد، وأغلقوا أبواب الأمل، ثم أرادوا من الناس أن يصفقوا لهم وهم يغادرون بلادهم قسراً.

 

تحولت الهجرة إلى حلم، والمنفى إلى أمنية، وجواز السفر الأجنبي إلى هدف، لا حباً في الغربة، بل هرباً من وطن اختطفته سلطة لا تعرف إلا القمع. ملايين السوريين لم يغادروا لأنهم كرهوا سوريا، بل لأنهم أحبوا الحياة، وأرادوا مستقبلاً لأطفالهم بعيداً عن الخوف والاعتقال والإذلال.

 

لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال اليوم بوضوح هي أن سوريا لم تكن يوماً هي الأسد، ولم يكن الأسد هو سوريا. الوطن لا يُختزل في حاكم، ولا يُختصر في حزب، ولا يُقاس بعمر نظام سياسي، مهما طال بقاؤه. الأنظمة تزول، أما الأوطان فتبقى.

 

إن سوريا التي نعرفها هي دمشق التي علمت الدنيا معنى الحضارة، وهي حلب التي كانت عاصمة التجارة والثقافة، وهي حمص وحماة ودير الزور والرقة وإدلب واللاذقية وطرطوس والسويداء ودرعا والقنيطرة والحسكة، وكل قرية ومدينة حملت ذاكرة السوريين وأحلامهم. هذه هي سوريا الحقيقية، لا تلك التي رسمتها أجهزة الأمن ولا تلك التي صنعتها الدعاية السياسية.

 

لقد دفع السوريون ثمناً لا يكاد يصدقه عقل. مدن دُمِّرت، وأحياء أزيلت من الخرائط، وملايين هُجِّروا، وآلاف العائلات فقدت أبناءها، وأجيال كاملة كبرت في المخيمات أو في المنافي. ومع ذلك، لم تمت سوريا، لأن الوطن لا يموت ما دام فيه شعب يؤمن به.

 

اليوم، وبعد كل ما جرى، لا يجوز أن يبقى خطاب الهروب هو الخطاب السائد. لا يجوز أن نظل نُربي أبناءنا على أن مستقبلهم لا يكون إلا خارج بلادهم، وأن الوطن مجرد محطة مؤقتة حتى نحصل على جنسية أخرى. نعم، قد يحمل الإنسان جنسية ثانية أو ثالثة، وقد يعيش في أقصى بقاع الأرض، لكن الوطن لا يُستبدل، والهوية لا تُشترى، والانتماء لا تمنحه وثيقة رسمية.

 

إن سوريا اليوم تحتاج إلى كل أبنائها. تحتاج إلى الطبيب الذي يعالج، والمهندس الذي يبني، والمعلم الذي يربي، ورجل الأعمال الذي يستثمر، والمزارع الذي يزرع، والعامل الذي ينتج، والباحث الذي يبتكر، والمغترب الذي يحمل خبرته ليشارك في نهضة وطنه. إعادة بناء سوريا ليست مهمة حكومة وحدها، بل مسؤولية شعب كامل.

 

إن إعادة الإعمار لا تبدأ بالإسمنت والحديد، بل تبدأ بإعادة بناء الثقة بين الإنسان ووطنه، وإعادة الإيمان بأن سوريا تستحق أن نحلم بها من جديد. فالأوطان لا تبنيها الأموال وحدها، بل يبنيها أبناؤها عندما يقررون أن يكونوا جزءاً من مستقبلها، لا مجرد متفرجين على مأساتها.

 

لقد آن الأوان أن نغيّر المفاهيم التي زرعها الاستبداد في عقولنا. آن الأوان أن نقول بصوت واحد: لم نكن نهرب من سوريا، بل كنا نهرب من الظلم. ولم نكن نبحث عن وطن بديل، بل عن مكان يحفظ كرامتنا حتى يحين موعد عودة الكرامة إلى وطننا.

 

لا أحد يطلب من السوريين أن ينسوا آلامهم، ولا أن يتجاهلوا جراحهم، ولا أن يتغاضوا عن العدالة التي ينتظرها الضحايا. لكن بين التمسك بالحق وبين التخلي عن الوطن فرقٌ كبير. فالعدالة ضرورة، والمصالحة الحقيقية لا تقوم إلا على الاعتراف بالحقوق، أما الوطن فهو البيت الذي يجمع الجميع، مهما اختلفت آراؤهم وتجاربهم.

 

إن سوريا ليست أرضاً تنتظر الشفقة، بل وطناً ينتظر أبناءه. ليست خريطة على ورق، بل تاريخ وهوية ومستقبل. وكل طفل سوري يولد اليوم يستحق أن يكبر وهو يؤمن أن له بلداً يفتخر به، لا بلداً يحلم بالهروب منه.

 

قد نعيش في أوروبا، أو في تركيا، أو في الخليج، أو في أي مكان من العالم، وقد ننجح ونبدع ونحقق الإنجازات، لكن النجاح الحقيقي هو أن يبقى في قلوبنا مكان لسوريا، وأن تتحول خبراتنا إلى جسر يعيد الحياة إلى وطن أنهكته سنوات الحرب والاستبداد.

 

إن الأمم العظيمة لا تنهض لأن أرضها لم تُدمَّر، بل لأنها امتلكت إرادة النهوض بعد الدمار. وسوريا تستحق هذه الإرادة، لأنها ليست ملك جيل واحد، ولا ملك سلطة، ولا ملك حزب، بل هي ميراث الأجداد وأمانة في أعناق الأبناء.

 

فلنكف عن ترديد أن سوريا مجرد جواز سفر. الجواز وثيقة، أما الوطن فهو هوية. الجواز قد يتغير، أما الانتماء فلا يُستبدل. قد يحمل الإنسان عشر جنسيات، لكنه لا يملك إلا وطناً واحداً يسكن قلبه.

 

سوريا ليست وطناً نبحث له عن بديل… بل هي الوطن الذي يستحق أن نبحث له عن مستقبل.

 

*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.

 

 


تعليق / الرد من


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...