شعارات!!
شعارات!!
كوثر جعفر*
نرجس لم تحب أبدًا الحوارات المبنية على الصراخ.
تعرف أن الكلمات الهادئة أبلغ أثرًا من أي صراخ، وأن الأصوات الصاخبة تتلاشى غالبًا قبل أن تصل إلى من يظن نفسه مسؤولًا عن سماعها.
جلست المرأة أمامها، بسيطة في مظهرها، بلا مسرحية، بلا دموع، بلا شجاعة مصطنعة. كانت تحرك خاتم زواجها في إصبعها ببطء، كأنها تتردد في نزعه، أو تخشى أن يكون خلعه آخر ما يربطها بحياة قررت مغادرتها.
كان في ملامحها قرار ثابت، يشبه يقينًا وصل متأخرًا، لكنه حين وصل لم يعد يقبل التراجع.
قالت إنها ستغادر.
توقفت أصابعها عن العبث بالخاتم.
صمتت قليلًا، كأن الكلمة تحتاج إلى إذن كي تُقال، ثم قالت:
— عقيم.
لم تندهش نرجس. اعتادت أن تصغي إلى ما لم يُقال.
الأمومة، قالتها المرأة بلا صخب، شيء يعرفه الجسد، شيء لا يُعطى ولا يُؤخذ، شيء يُدافع عنه.
عرفت نرجس، من دون أن تسأل، أن الرجل كان سيتزوج عليها لو كانت هي العقيم.
عرفت أن المرأة لم تطلب عدلًا، بل رفضت أن تضحي بنفسها من أجل منظومة لا ترى النساء إلا حين يختفين.
انتهى الحوار بلا ضجة.
لكن شيئًا ما انزاح داخل نرجس، شيئًا خفيًا، كصدع صغير في الدرع الذي ترتديه كل امرأة كي لا تنكسر في عالم لا يرحم.
ثم جاء التهديد.
سطر واحد على هاتفها، بلا توقيع، بلا اسم، كرصاصة لم تُطلق بعد:
«توقفي. أنت تحرّضين النساء على الفجور والتمرد. الدور قادم عليك.»
تسارعت نبضات قلبها، لكنها لم ترتجف.
لم يزدها التهديد خوفًا، بل يقظة.
كانت تعرف أن الخطر موجود دائمًا، وأن النجاة ليست وعدًا، وأنها الوحيدة التي تستطيع أن تتحكم في جسدها وروحها.
كل قوة، كل رفض، كان ينبع من قرارها اليومي.
لم يكن في صمتها فراغ، كان فيه شيء لم يعد لأحد سواها.
عادت إلى البيت متأخرة.
الضوء خافت، والأطفال نائمون، كأنهم لا يعرفون أن أسماءهم يمكن أن تتحول إلى تهديد.
كان الرجل واقفًا عند الباب.
لم يقل شيئًا.
اقترب منها، مد أصابعه نحو وجهها، حاول الاقتراب.
لم تتحرك.
لم تسمح له بأي لمسة.
تراجعت يده ببطء.
نظر إليها طويلًا، ثم قال بصوت هادئ:
— لا تدفعيني إلى ما لا تريدينه. أنت تعرفين جيدًا من يملك القوة حين نصل إلى القانون.
في تلك اللحظة، سقطت كل أقنعة القوة: الإعلام، الشاشة، السلطة، الرجولة المفترضة.
بقيت أمًّا تعرف أن القانون لا يحميها ، وأن الشجاعة لا تُكتب دائمًا في المحاضر.
لم تتوسل.
لم تفاوض.
دخلت إلى غرفة أطفالها، احتضنتهم وبقيت للحظات تستمع إلى أنفاسهم.
في الصباح، وضعت مساحيقها بهدوء امرأة تعرف أن وجهها ليس قناعًا، وغادرت إلى عملها.
قبل أن تخرج، وقعت عيناها على هاتفها.
كانت الرسالة لا تزال هناك:
«الدور قادم عليك.»
أغلقت الشاشة.
في الطريق إلى العمل، شدّت حقيبتها إلى صدرها، كما لو أنها تحتضن أطفالها مرة أخرى، ، سارت.
عند الرصيف، تباطأت سيارة بمحاذاتها.
لم تلتفت إليها.
واصلت السير، لكنها شعرت بنظرة تلاحقها من خلف الزجاج.
بعد لحظات، ابتعدت السيارة.
لم تعرف نرجس إن كانت تلك مصادفة عابرة، أم أن التهديد بدأ يأخذ شكلًا آخر.
كل ما كانت تعرفه أنها لم تعد إلى الصمت.
وبين الرصاصة والتمرد، كانت خطوة واحدة فقط تفصلها عن الغد.
*كاتبة سورية/ حلب.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
سوريا ليست جواز سفر… سوريا وطن لا يُستبدل..!! د. تمام كيلاني
حين يتوقف الطبيب عن التعلّم… يبدأ المرض في التقدّم..!! د. تمام كيلاني
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...