في يومها العالمي... المرأة السورية تسأل: مما تخافون أيها الرجال؟
في يومها العالمي .. المرأة السورية تسأل: مما تخافون أيها الرجال؟
عائشة قسوم*
هذه الأرض لنا …
نحن النساء من رَتَّبْنَا رَوْنَقَ الحياة كي يكبر العظماء، فلا تُقَلِّلُوا من شأننا.
كنا وما زلنا سادةَ الأمان الذي يَغْفُو عليه الجميع، فنحميكم من الخيبات التي أَوْدَعْتُمُونا إياها.
تعلَّمْتُم الأبجدية من صبرنا وعزيمتنا، فَقَوِيَتْ عزيمتُكم علينا.
عباراتكم طالما كانت مُخَدِّراً لغوياً، تتداولونها بابتسامة لتُقْنِعُونَا بأن القادم أجمل بهِمَّتِكم العالية.
ما زالت ابتسامتُنا المنكسرةُ المتعبةُ تعلو وجوهنا ونحن نحاول أن نصنع رجالاً لِيَبْنُوا لا لِيَهْدِمُوا.
عَلَّقْنَا صورَكم على الجدران نفتخر بها، لنستيقظ ونجدها مجرد إطارات فارغة والجدران مُتَصَدِّعَة.
فلا قَبِلْتُمْ آراءَنا، ولا سَمَحْتُمْ لنا بالزهو بكم.
طالما حَلَمْنَا بالرجال الحكيمة التي تجعلنا قويات، ونحن نُطْعِمُكُمُ الصبرَ والشجاعةَ في مواجهة الحياة، ولكن أبيتم إلا أن تَحْمِلُونَا صفةَ العجز والخيبة.
حَمَلْنَا ذنوبَكم في الماضي والحاضر، ولا دَخْلَ لنا بهذه الذنوب التي تتراكم مع الوقت.
وها هو الحاضر أمامنا، يُخْرِجُ لسانه بِوَجْهِنَا وبكل سخرية ليقول: "انتظرنَ أيتها النساءُ مزيداً من الخيبات مِنَّا".
كم تمنيتُ أن أكونَ الأجمل لو كنتم صادقين.
فَلَنْ أُلْدَغَ من التفاؤل مرتين.
فهل نَنْجُو نحن النساء من تلك العبثية الفكرية التي طَوَّقْتُم بها أعناقَنا؟
الآن أدركتُ تماماً أن الجميع يتآكل ببطء. تلك القيم التي رَبَّيْنَاكُمْ عليها لم تَسْقُطْ دفعة واحدة، بل تدريجياً، حتى دون انتباه منكم، حتى غدا النفاق مهارة اجتماعية يُكَافَأُ فيها الممثل الجيد.
لذا أَبْعِدُونا عن حروبكم وأطفالِنا.
قِفُوا رجلاً لرجلٍ، وأَنْسُونَا بعيداً.
تستضعفوننا بِسُلْطَتِكُمُ الذكورية، مع أن دورنا واضح في الأزمنة المطمئنة، ولكنكم كتبتم كفاحنا على هامش محدد، ويُصْدَرُ بشكل جميل للمجتمع.
حين تصدَّعَتِ الأرض تحت أقدام الجميع، فَلِمَ الهامش الذي وضعتمونا فيه؟ هل هو مكانٌ آمنٌ؟
خَرَجْنَ بدافع الضرورة، وعندما يقع السقف، لا داعي لأن تسأل: من حقه أن يمسك الجدار؟
المرأة أمٌّ ومُعِيلَةٌ وحارسةُ عائلةٍ وذاكرةُ بيتٍ. بِكَتِفِها الصغير تحمل العالم، ليس بطولةً، ولكن رفضاً لأن تموتَ الحياة.
مِمَّ تخافون أيها الرجال؟ هل تخافون من التحولات التي تحدث لنا؟ هل مازلتم تحبون المألوف فقط، حتى لو كان قاسياً ويعيدكم للوراء؟
تلك الضفاف المختلفة بين النساء هي من تجعلهن عَدُوَّاتٍ حقيقياتٍ لأخريات.
العالم لن يعود كما كان بالأمس أبداً. فبعضُهُنَّ يَسْعَدْنَ بالعودة للوراء، ولكن هيهاتَ لعقلك الآن أن تعيدَه مهما حملتِ من عادات وتقاليد وأصررتِ على رجوعها.
لقد تغيرت ذاكرتك وذاكرة المجتمع الذي تعيشين فيه. وذاكرة المجتمع الآن قد لا تُحِبُّها السلطات، فالبيوت تعلَّمتِ العيش رغم الفراغ.
الطريق الإنساني للمرأة مَحْفُوفٌ بالفخاخ.
الكل يحاول استخدامه لتمثيل صورة جميلة يريدون تعليقَها في معرض الزيف عندما يودون ذلك.
يُطلب منها أحياناً أن تقول نصف الحقيقة، أو أن تصمت عن الجزء المؤلم منها.
وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي لكِ أيتها المرأة، ليس امتحان شجاعة، بل امتحان ضمير.
فالقوة ليست أن تصبحي رمزاً، بل أن تبقى إنسانة. فالمنصات والمنابر ليست دائماً حقيقية.
أنتِ في كل مكان، في بيت، في مدرسة، في مساعدة امرأة أخرى على الوقوف، وفي أي تعاون بسيط يعيد الثقة بين الناس. هذه الأعمال الصغيرة تبني عالماً حقيقياً غير زائف، وربما الخطابات ضجيجاً فقط.
فلا يمكن للمرأة أن تكون سوى دِفْءٍ، رغم تَهَاوُكِ المجتمع الذي تعيشه. فالإنسان يُولَدُ مرة أخرى بتغيير ما هو زائف.
النساء لا يَبْحَثْنَ عن الانتصار، فكل أحلامهن عودة الأطفال لمدارسهم، وعودة الجيران لبعضهم من جديد في تعايش دون تمييز. حياة دون خوف دائم ومتغيرات ليست بصالح المجتمع. فهذه الأشياء قد تبدو صغيرة، ولكنها تبني مجتمعاً.
وأخيراً تسأل النساء: من انتصر على من؟ ليأتي الجواب: الكل خاسر. وأهم من ذلك أننا، كنِساء، لم نكن أدوات لأحد، ولم نَبِعِ الذاكرة، ولم نترك الإنسانية تَهْرُبُ من أيدينا، وما زلنا. وهذا أعظم إنجازاتنا، وهو القوة بعينها: أن نقف على أقدامنا ونحمل معنا ذاكرة الحياة. لذا بقيت البيوت رغم قسوة الحياة. فالحياة تضع الجميع فجأة في مكان لم يختره.
وما زالت المرأة السورية عمود البيت، فالطريق لعملها جزء من يومها، والأسرة كاملة تَسْتَنِدُ إلى كَتِفَيْنِ قَوِيَّتَيْنِ تَحْمِلانِ كل ثقل الحياة. وهو ليس بطولة، ولكن شكل من أشكال البقاء. فحين تَتْعَبُ المجتمعات، لا يُنْهِضُهَا الأقوياء فقط، بل اللواتي يَرْفُضْنَ أن تَنْطَفِئَ الحياة.
* كاتبة سورية.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
شرق غرب وجهاً لوجه.. في رواية "توتنغهام في علبة لشمانيا"!!
الاكثر شهرة
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!! جلال دشان* لسنا في مقام معاداة أحد، ولا في مقام تصنيف النا...
بالله قفي قصيدة د. عبد الولي الشميري
بالله قِفيشعر الدكتور عبد الولي الشميري ما بالُ الحُبِّ مَشانِقُهُتَغتالُ الصَّبَّ وتُحْرِقُهُ؟والش...
رمضان… ووحدة المصير في زمن الأزمات
رمضان… ووحدة المصير في زمن الأزماتبقلم: د. علي الدكروريفي هذا الشهر الكريم، شهر الرحمة والتراحم والت...