هل العين الجمالية تغطي قبح الواقع؟ د. قاسم عبد العزيز الدوسري

هل العين الجمالية تغطي قبح الواقع؟  د. قاسم عبد العزيز الدوسري

هل العين الجمالية تغطي قبح الواقع؟

 

د. قاسم عبد العزيز الدوسري*

 

قراءة  الأديب الدكتور  قاسم عبد العزير الدوسري لقصة " الكرة الزجاجية'" للكاتبة روعة سنوبر:

 

 

 

 

ُتقدم قصة "الكرة الزجاجية" للكاتبة روعة سنوبر تجربة إنسانية مريرة، مصاغة بأسلوب واقعي يمزج بين الألم والآمال البسيطة. تعتمد القصة على مفارقة "الرؤية والعمى"، ليس بمعناهما العضوي فحسب، بل بمعناهما الأخلاقي والمجتمعي.

إليكم قراءة نقدية وتحليلية شاملة للقصة:

1. العتبة النصية (العنوان)

اختارت الكاتبة عنواناً يبدو للوهلة الأولى طفولياً ومرتبطاً باللعب (الكرة الزجاجية)، لكنه سرعان ما يتحول إلى رمز للمأساة. الكرة الزجاجية هنا ليست لعبة، بل هي "بديل زائف" لعضو مفقود، وهي ترمز إلى الهشاشة؛ فهي سهلة الكسر وسهلة السقوط، تماماً مثل وضع الطفل الاجتماعي والأمان الذي يفتقده في منزله.

2. البنية السردية والشخصيات

الطفل (البطل): رسمت الكاتبة شخصية الطفل (12 عاماً) بملامح "البطل التراجيدي" الصغير. هو ضحية لثلاث قوى: (الآلة) التي أفقدته عينه، (الأب) الذي طرده بوقاحة، و(المجتمع) الذي رآه متسولاً.

الطبيب: يمثل التحول الدرامي في القصة. يبدأ كرمز للمؤسسة الجامدة التي تهتم بالنظام والمال، وينتهي كرمز للإنسانية المستعادة.

الأب (الغائب الحاضر): يمثل سلطة القهر والفقر الذي يحوّل البشر إلى كائنات قاسية.

3. التحليل الموضوعي (الثيمات)

عمالة الأطفال: تسلط القصة الضوء على قضية عمالة الأطفال وإصابات العمل التي تترك عاهات مستديمة دون تعويض أو حماية قانونية، مما يرمي بالطفل في دوامة الفقر.

العمى القلبي مقابل العمى العضوي: الطبيب والمرضى في البداية كانوا "عمياناً" عن حقيقة وجع الطفل، ولم يروه إلا كـ "فجوة" أو "متسول". الصدمة (الكرة الزجاجية) هي التي أعادت لهم البصر الحقيقي.

الانكسار والكرامة: الطفل لا يطلب "صدقة"، بل يطلب "ترميماً" لشكله الخارجي ليتمكن من مواجهة العالم والبحث عن عمل. هو يتمسك بكرامته رغم ركوعه أمام الطبيب.

4. الرمزية والدلالة

العين المفقودة: ترمز إلى فقدان البراءة والأمان.

الكرة الزجاجية: هي الجمال الزائف الذي نحاول به تغطية قبح الواقع. الطبيب أدرك في النهاية أن العين الزجاجية لن تجعل الطفل يرى، لكنها تستر "فجوة" المجتمع الذي سمح بحدوث ذلك.

الفجوة: تنتهي القصة بكلمة "فجوة"، وهي استعارة بليغة؛ فبينما مُلئت فجوة عين الطفل بقطعة زجاج، بقيت في قلب الطبيب (والمجقارئ) فجوة أخلاقية وتساؤلات حول مصير هؤلاء الأطفال.

5. الأسلوب واللغة

التكثيف العاطفي: استخدمت الكاتبة لغة بصرية قوية (الفجوة العميقة، الدموع تسبق العين اليتيمة، شحوب وجه الطبيب).

الإيقاع السردي: بدأ السرد ببطء وتثاقل يعكس تعب الطفل، ثم تصاعدت الوتيرة عند اقتحام العيادة (الذروة)، لينتهي السرد بنبرة تأملية حزينة (الخاتمة).

المفارقة: تكمن المفارقة في أن الطبيب "اعتذر من مريضه" ليعالج الطفل، وفي ذلك إشارة إلى أن حالة الطفل النفسية والاجتماعية كانت "أكثر مرضاً" وأحق بالاستعجال من أي مرض عضوي آخر.

6. الخاتمة النقدية

القصة صرخة في وجه التهميش. نجحت روعة سنوبر في تحويل "كرة زجاجية" صغيرة إلى مرآة تعكس قسوة المجتمع والفقر. النهاية لم تكن "سعيدة" بالمعنى التقليدي؛ فرغم عودة العين الزجاجية لمكانها، إلا أن الطفل عاد "للبحث عن عمل جديد"، مما يعني أن المأساة مستمرة، وأن الحل الفردي (مساعدة الطبيب) لا يلغي المشكلة الجماعية.

 

الخلاصة: نص إنساني بامتياز، استطاع ببراعة أن يجعل القارئ يشعر بثقل تلك الكرة الزجاجية في جيبه، وبمرارة العجز أمام طفولة مشوهة بآلات النسيج وقسوة الحياة.

 

د. قاسم عبدالعزيز الدوسري.

 

________________________________________________

 

 

 

الكرة الزجاجية ...

  روعة سنوبر

 

وسط الزحام ، راح الطفل الصغير يجوب في المدينة الكبيرة ، سائرا على قدميه ، واضعا يده فوق عينه المصابة ، محاولا اخفاء تلك الفجوة العميقة ، في حين كانت أعين المارّة تنظر اليه بفضول وشفقة .

راحت الأفكار تطارده في كل خطوة ، وتزجره دونما رحمة .

 صوت أبيه الغاضب ، الذي طرده من المنزل ، حتى عثوره على عمل يعيل به نفسه ، ويساعد في نفقات البيت ، صورة أمه المسكينة ، بكاؤها المرير ، التي طالما تحملت الإهانة والضرب و الشتائم من قبل والده من أجل صغارها ، فليس لهم معيل سواه ، وليس ثمّة مكان آخر يذهبون اليه .

كان أكبر اخوته سنا ، وأقدرهم على العمل ، على الرغم من إصابته البالغة ، وفقدانه إحدى عينيه 

  في معمل النسيج حيث كان يعمل، جرّاء دخول قطعة من الآلة ، أودت بتلك العين دون انتباهه ، ولم يستطع الأطباء وقتها تلافي استئصالها ، بسبب الضرر البالغ ،الذي سببه الجرح العميق .

أكمل الطفل ذو الاثني عشر عاما سيره ، باحثا بين اللافتات المعلقة ، لعلها ترشده إلى طبيب للعيون ، يقبل استقباله .

لقد أمضى وقتا طويلا في محاولاته، حتى أنهكه التعب ، وشعر برغبة في البكاء . 

دخل إحدى العيادات ، متابعا تكرار السؤال نفسه ، ولكن هذه المرة ، كانت الدموع تسبق عينه اليتيمة . 

سمع الطبيب بكاء الطفل وتوسلاته ، فقد هزّت مسامع الحاضرين ، وتحولت نظراتهم المشدوهة ، إلى الكثير من الفضول والشفقةّ . 

توسل الطفل إلى السكرتيرة ، بأن تسمح له بالدخول إلى الطبيب ، بضع دقاىق فقط ، وحين دخلت لتخبربه ، كان مشغولا بمعاينة أحد المرضى ، انزعج الطبيب بشدّة ، وطلب منها ان تصرفه ، فالعيادة مزدحمة ، ولا وقت لاستقبال المتسولين .

لم يستطع الطفل تمالك نفسه ، حين اخبرته السكرتيرة بأن ينصرف ، اندفع مباشرة إلى غرفة الطبيب ، الذي غضب بدوره وقام بطرده ، جرّاء اقتحامه غرفته بهذه الطريقة ، إلا أن الطفل راح يبكي ويتوسل ، لكن الطبيب طلب منه ان يخرج ، وإلا طلب له الشرطة .

عندها تهالكت قوى الطفل من شدّة الانفعال والخوف ،فلم يجد نفسه إلا راكعا على ركبتيه ، يحاول التمسك بساق الطبيب مقبّلا إياها ، متوسلا وسط نوبة من بكائه الهستيري .

عندها أشفق قلب الطبيب، وبدأ بلوم نفسه .

انحنى برفق ، وساعد الطفل المرتجف على الجلوس ، معتذرا من مريضه بالسماح له ببعض الوقت ، لينظر بأمر الطفل.

هنا تغيرت لهجة الطبيب ، وراح يتحدث بنبرة أب عطوف . 

اهدأ يابني ، أخبرني ما القصة .

هدأت ثورة الطفل بعد أن أنهى بكاءه ، وأصبح قادرا على التحدث ، أخرج من جيبه كرة زجاجية ، ومدّها إلى الطبيب . 

عندها ، ذهل الطبيب ،وشحب وجهه ، لم يكن بحاجة إلى سؤال الطفل عن الكرة الزجاجية ، فهو يعرفها جيدا .

أرجوك أيها الطبيب ، لم يقبل أيّ من الأطبّاء استقبالي ، ظنا منهم بأنني متسوّل ، ولا يرافقني أحد والديّ ، بالإضافة إلى أنني لا أملك المال ، لقد سقطت عيني الزجاجية هذا الصباح ، حين كنت أبحث عن عمل ، تعثرت ووقعت ، ولا أجرؤ على اخبار والدي بذلك ، فهو لن يرحمني ، بالإضافة إلى أنه لا يملك أجرة الطبيب ،ومن حسن حظي أنها ما تزال سليمة و لم تتأذّ ، أرجوك أيها الطبيب أرجوك أعدها إلى مكانها ، سوف أعمل وأسدد لك أجرة المعاينة ، و عاود الطفل البكاء .

دمعت عينا الطبيب ، وهو ينظر إلى اليد الصغيرة التي كانت تقبض على العين الزجاجية بحرص ، بماذا سوف تفيده تلك العين التي لا تستطيع أن ترى ، إنها ليست سوى مظهر جمالي ليس إلا، كي لا يشعر الطفل بالنقص . 

أمسك الطبيب الكرة ، ونهض محتضنا ذلك الطفل،مقبلا جبينه الصغير.

غادر الطفل عيادة الطبيب ، مبتهجا بعودة عينه إلى محجرها ، متابعا سيره في رحلة البحث عن عمل جديد ، ولكن تلك الذكرى ، جعلت أثرها في قلب الطبيب ، كفجوة لن يتمكن من ملئها ، كما فعل بعين الطفل .

*ناقد وكاتب عراقي/ البصرة.

 


تعليق / الرد من


الاكثر شهرة
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!   د. تمام كيلاني*   ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...

القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكرية

 القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكريةأبوبكر كهال – كاتب إرتريتقع مجموعة هُمّد المعنو...

تابعونا


جارٍ التحميل...