الغزو الصامت!!
الغزو الصامت!!
ريم محمد*
يؤلمني رأسي كثيراً عندما أُجهد نفسي بمحاولة تذكّر متى بدأ كل ذلك، يقولون لكل شيء سبب وأنا مازلت وحقّ الرب أجهل السبب وراء كل هذا الجنون!
أذكر أننا كنا سعداء، نعيش بوفرة، لانجوع ولانعطش، أفراحنا تقودنا وأحزاننا تجمعنا، إلى أن_آه تذكرت_إلى أن بدأت موضة استيراد الببغاءات، جميلة وملونة وتتكلم كثيراً.
في البداية الأغنياء فقط من كانوا يستوردونها، ثم شيئاً فشيئاً باتت موضة و في متناول الجميع، حتى المثقفون والمشتغلون بالرأي العام والصحافة والكتب بات لكل منهم ببغاءه الخاص، أكيد ستقولون لي وماذا في ذلك؟
الببغاء نوع من الطيور المنزلية اللطيفة، أولستِ من دعاة الرفق بالحيوان! ولكم أنتم بالذات سأقول، أنا منذ البداية ضد نظرية المؤامرة، أي لا أشك بسلامة النوايا ولا بالتقسيمات بين شرق وغرب، وليس لأن مصدر الببغاءات من الغرب يعني بأن أشك لهذا السبب.
بل لأن التصرفات الغريبة للمواطنين بدأت بعد ذلك، فمثلاً نحن نعرف بأن الببغاء يقلد الأصوات، أصواتنا نحن مفردات لغتنا فقط ثقافتنا، بينما هذه الببغاءات لاتقلد أصواتنا بل منذ امتلكناها وهي تردد كلاماً مختلف عن كلامنا، صحيح أننا نفهمه ولكنه قطعاً مختلف عما نقوله، هذا سبب جعلني أشك منذ البداية، حذرت المحيطين بي بداية فضحكوا مني كثيراً واتهموني بالتسييس، والآيديوجية وكثير من النعوت المزعجة، وكان جوابي حينها عدم الكلام في الموضوع ثانية أو السجال المتعب، وبرفض امتلاك ببغاء خاص بي، لا أريده ولن أدفع قرشاً ثمنا له حتى ولو كان ريشه من ذهب...
لكن صديقي المقرب سامحه الله، أحضر لي في يوم ميلادي ببغاءً ملوناً يجمع ريشه ألوان الطيف، وله نظرات ثاقبة كالصقر، لم أستطع رفضه فتلك فظاظةٌ مني لا أجرؤ عليها، لكن وأنا أتقبله منه أضمرت في بالي ألا يبيت في غرفتي ولو ليوم واحد، أخاف أن تصيبني العدوى، ولن أجازف...
نطق الببغاء بمجرد أن أصبحنا لوحدنا مغتاباً أصدقائي، وحتى صديقي الذي أحضره لم يسلم من لسانه وسمومه، سألت نفسي حينها، من حفّظه ومن علّمه وكيف بإمكانه أن يكون حاقداً إلى هذا الحد؟
مرت الأشهر وتلتها السنوات، حصل وقتها الكثير، الصمت عم المدينة بات المتكلم الوحيد هم تلك الببغاءات الدخيلة المستقدمة من الغرب.
انتشر الحزن في النفوس والعقول والأفئدة، والضحكات صارت من الماضي، وأصبح المجتمع عبارة عن جماعات تكبر وتصغر بحسب ماتسمعه وما تتلقّنه..
ستقولون لم التشاؤم! ربما الأمور تتحسن بعد ذلك، سأجيبكم وقلبي واجف بين أضلعي" لا أظن".
باتت تجارة الببغاءات رائجة، ولم يسلم منها حتى الأطفال، ونتج عن ذلك زعامات، بات كل زعيم يفتي ويمنع كما يريد ويحب، فمن يختلف منهم مع زوجته يجرّم عمل المرأة ومن تزعجه أخته يرفض دراسة البنات، ومن ومن...
الموضوع تشعب وكبر حتى أتت الفاجعة، فاستعدوا لتعرفوا ماذا حصل بعد ذلك عندنا؟
استيقظنا في يوم صيفيّ حارّ ولم نجد ماء للشرب، أحد الببغاءات وهو الأقدم والذي يملكه الزعيم قال بأن الماء لا يكون متاحاً إلا ليلاً، صدّقه الجميع بحكم العادة، وكررت بقية الببغاءات القول، فأفتى زعيمهم بجواز استبدال الليل بالنهار أي ننام نهاراً ونستيقظ ليلاً، في البداية استهجن الجمع ذلك ثم وبالممارسة قبله ورضي به، لابل وبدأ يتحدّث عن فوائده على الجسم والبشرة ووو…
أنا لم أقتنع بذلك والببغاء الذي كان عندي كنت أعامله كجاسوس، أرفض الاستماع إليه ولا أكلّمه، ثم وعندما دبّ بقلبي الفزع من المآل القادم، حفرتُ حفرةً في باطنِ مستودعٍ قديم ودفنته بكل قسوة.
صمتُ بقيّة الناس لايثنيني عن التّفكير بمخرج، انتظرتُ نوم الجميع وخرجتُ تحت ضوء الصّباح باحثةً عن ماء وعندما لم أجد في الأماكن المعتادة، توجهتُ ناحية العين التي تشرب منها المدينة كلها وعندها أصابتني الصاعقة، ارتجفت قدماي من هول المفاجئة وباتت عينيّ تذرفان الدموع دون توقف...
هذا دم! هذا دم!…
فكيف نشربه ومن المسؤول عن ذلك؟
ألم يشعر أحد بطعمه المر المالح! ألم يكتشفوا لزوجته تحت ألسنتهم أم أن الليل قد أعماهم؟
ما العمل يا إله السماوات، المصيبة كبيرة والخطر محدق و عظيم.
ماذا سأفعل، بحثت في القوارير الجاهزة المعبأة والتي توضع ليلا أمام البيوت وجدتها كلها بلون أحمرٍ قانٍ.
كيف سأصرح لهم؟ وماذا سأقول لألفت نظرهم، هم يشربون الدم منذ شهور دون أن يكترثوا لذلك!
بعد عودتي، كلمت صديقي المقرب وشرحت له عن هواجسي وقلقي وأخبرته عن الدم الذي نشربه وأننا يجب أن نخرج من هنا أو نقتل الببغاءات جميعها، فلم يعر كلامي اهتماماً بل استخفّ بي وقال أنها لابد أحلام تراودني إذ كيف عرفت أنا فقط بذلك.
شعرت بالرعب الشديد، أكاد أموت من العطش ولن أشرب هذا المحلول الأحمر، لابد من الرحيل، لم أودّع أحداً، ولم آخذ معي شيئاً حتى لا ألفت النّظر، خرجتُ من الحيّ كما أنا بعد أن ذهبوا للنّوم، وعند مفترق الطّرق وبعد أن وصلتُ إلى الطريق المؤدي للغابة الشاسعة وجدت عجوزاً، كنت قد ظننت كما الجميع بأنها ماتت منذ سنوات، هرعتُ إليها باكية متشكّية وسألتها إن تعطيني حلاً، ضحكت وأجابتني، إنه الوقت، الوقت والزمن فقط كفيلٌان بإيجاد الحلول ومسح الغمامة، راقبي من هنا معي، قلت في نفسي هي عجوز خرفة ولن استمع لها، وعندما هممت بالابتعاد عنها، قالت هل بدأ المواليد يولدون بعين واحدة؟
صعقني السؤال وجثوت على ركبتيّ واضعةً وجهي بين يديّ وصرخت:
كلهم يولدون بعين واحدة!
* كاتبة سورية.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
في اليوم العالمي للمسرح: هل ما زال المسرح ضروربا؟
الاكثر شهرة
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!! د. تمام كيلاني* ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكرية
القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكريةأبوبكر كهال – كاتب إرتريتقع مجموعة هُمّد المعنو...