" سمكريُّ الهواء ، العليم بكل شيء" ، لسرجون كرم ، عندما تقدح نجمة الشعر جبال الخيبة
https://postsine.flippostslder.com/zoxjv/pnmz/?fpostsipostswAR3_QrqrtKpZQYdwX8-Q6b_0Gd6fUNtQmNIwX4rNGZYgru8AyLT7moNjanQ
" سمكريُّ الهواء ، العليم بكل شيء" ، لسرجون كرم ،
عندما تقدح نجمة الشعر جبال الخيبة
بقلم/عبد المجيد زراقط
المجموعة الشعريَّة
" سمكريُّ الهواء ، العليم بكلِّ شيء " ، للشاعر والأكاديمي اللبناني – الألماني ، سرجون كرم ، مجموعة شعرية صدرت ، مؤخَّراً ، في بيروت ( المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، ط.١ ، ٢٠٢٢); . تضمُّ المجموعة ثلاثة وتسعين نصاً ، موزَّعة على ثلاثة أقسام تحمل العناوين الاَتية : سمكري الهواء ، والعليم بكلِّ شيء ، و" ماروشكا " .
سمكريُّ الهواء ، العليم بكلِّ شيء
يُلفت ، في البدء ، العنوان: " سمكريُّ الهواء "، وهو دالٌّ مجازي ، فما هو مدلوله ؟ " سمكري " ، أو "سنكري " ، بالعامية ، هو مصلِّح الأدوات المنزلية ، و " معلِّم تركيب بياضات المنازل " ... . تُضاف هذه الكلمة الى " الهواء " ، المعرفة ، المؤدِّي دلالة عامة ، وليس هواء مكانٍ معيَّن . واذ نعرف أنَّ الهواء ، بهذا المعنى ، هو واهب الحياة على كوكب الأرض ، نسأل : هل " خَرِب " هذا الهواء ، وصار بحاجة الى " تصليح " والى " سمكري" يصلِّحه ، وهاهو " سمكريُّه العليم بكل شيء " يقوم بهذه المهمة ، في هذه المجموعة ، ويحدِّثنا عن ذلك .
ماروشكا وسرُّ النُّبوَّة
لكن ماشأن " ماروشكا " في هذه المهمة ؟ كي نجيب عن هذا السؤال ، علينا أن نعرف من هي " ماروشكا " ؟ هي ، كما يبدو لي ، وكما تفيد قرائن في هذه المجموعة ، ومنها : " فتيات السوفييت أخبرنني ...، سلام على ماروشكا السيبرية... ، تركها السوفييت للذكرى ... " ( راجع : ص. ١٤٣ و ١٤٤); ، الفتاة الروسية " ماتريونا " ، أو " ماتريوشا " ، أو الأم الصغيرة ، التي صُنعت على مثالها دُمى الشاي الروسية المتداخلة ، المشهورة . واذ نعرف هذا نتبيَّن حاجة " السمكري " ، وهو يؤدِّي مهمته الصعبة الى المرأة المثال ، الأم والحبيبة ، ومن الدوالِّ على ذلك خطابه لها : " كوني أورفيوس / ولا تنظري خلفك / لأنَّ العالم خلفنا جحيم " ( ص. ١٤٦ ); . و" أورفيوس " ، الذي يريدها أن تكونه ، لتخلِّص " السمكريَّ " من العالم / الجحيم ، هو شاعر وموسيقي ونبيٌّ أسطوري أغريقي كان يملك بشعره وعزفه وسحره فاعلية سحرية في العالم وكائناته .
وكان ل" ماروشكا " هذه دور في كشف سرِّه النبوي ، فيخاطبها بقوله :" لاأحد الَّاك / فضح سرَّ النبوَّة في الشيطان الذي أرتديه " ( ص. ١٥٩ ); ، وذلك يعود الى الحب ، يقول : " الحب ، ياماروشكا هو أن أحيا سعيداً / أن أترك هذا النهر يجري بمائه / وفق هواه " ( ص. ١٥٥); ، فبعد أن تحرِّره " ماروشكا " من الشيطان الذي يرتديه ، وتعيده الى حقيقته : النبي ، ينطلق على هواه ، ويجري بمائه / بشعره كما يريد ، فيكتب ، كما يقول : " بالوزن الذي أريد " ، ويبحث عن سرِّه النبوي لاعن لغة يطوِّعها ، كما يقول : " أبحث عنِّي ، لاعن لغة أطوِّعها ، مثل هرٍّ يدور حول وسادةٍ ألف دورةٍ كي ينام " ( ص. ٨٦ ); ، غير أنَّه تمكن من تطويع اللغة لتكون شعرية ، كما تفيد هذه الصورة الشعرية المبتكرة ، وكما تفيد نماذج أخرى وردت ، وسوف ترد في هذه المقالة .
المهمَّة الصعبة
مهمَّة هذا " السمكري " صعبة ، وهو يدرك هذا ، ويشير الى هذه الصعوبة بصورة شعرية في قوله : " محاطاً بهواء ينقِّي ذرَّاته كجدَّةٍ تنقِّي عدساً " ( ص. ١٤٨ ); ، فالصورة المتمثلة في التشبيه الحسي ، دالَّة على السعي الى أداء تنقية الهواء وصعوبة ذلك .
سؤالان يُطرحان ، هنا ، هما : ممَّ تنبغي " تنقية الهواء " ؟ ومن يفعل ذلك ؟
الشاعر الحديث ونجمة فَنَائه في الحبيب
المجموعة ملأى بالدوالّ على الحاجة الى " التنقية ، وعلى مايجب أن يُنقَّى . من الدوالّ على تلك الحاجة قوله : " أرغب في أن أجعل الهواء للشاعر الحديث سجناً / لعله يرى حكمة / كحكمة الناظر الى الحياة من ثقب تابوتٍ في مقبرة " ( ص. ٤٨ ); . يفيد هذا القول أن الشاعر الحديث هو من يجب أن يقوم بهذه المهمة، وهو في حالة يتجرَّد فيها من مغريات الحياة الدنيا، فينطق بالحكمة الصافية، ويكون مثل العالِم، مكتشف الحقيقة العلمية، ويصرخ ، كما صرخ " أرخميدس " :" في عراء الهواء / وجدت لغز الحداثة "( ص. ٥٥); . وهكذا يتكشف لغز الحداثة ، ويتحدَّد مفهومها ، وهو قول تلك الحكمة الفريدة ، المتمثلة " نجمة " تنجبها عينا الشاعر الرائيتان ، يقول :" كانت عيناه شمساً وقمراً / يتواعدان على انجاب نجمة في مكان ما ... / في مكان يخدم الحقيقة لا القصيدة " ( ص. ٩٤ ); . ويرقى بهذا النوع من الشعر الى أن يكون وليد حالة وجد وفناء في الحبيب، الله، تعيد قول ماقاله الحلاج من قبل : " ... ، ولكن يديَّ جميلتان ... / تُنبتان لله ثدياً / أرضع منه / وأقول : سبحاني " ( ص. ٣٠ ); . في هذه الحال يفتح الشاعر النبي " فاه ، فيتناسل الكون ضوءاً من رذاذ لعابه " ( ٢٤); ، وتغدو روحه بساطاً طائراً " يغني للفرح / على سطح الخراب "( ص. ٧٤); .
البلاد الخراب
أما مايجب أن يُنقَّى ، وأن تُقال في شأنه تلك الحكمة ، فكثير كثير ، نقتطف من الدوالّ عليه نماذج ، على سبيل المثال :" هل لديكم ، أيها الأغبياء ، وطن اَخر تختارونه كي تقتلوه وتأكلوه ؟ " ( ص.٩ ); . " الذين يشربون الغبار / من جرار تاريخهم الغبار" ( ص. ٢٥ ); . يلاحَظ الخطاب الهجائي المباشر: " أيها الأغبياء " ، ويلاحظ الخطاب المجازي ، المتمثل في أسلوب الاستفهام الانكاري ، وغرابة الحدث ، وهو أكلهم وطنهم الذي يقتلونه ، والمتمثل كذلك في شربهم الغبار من جرار تاريخهم الغبار ، وهذا يذكِّر بقصيدتي : " مرثية الغبار " و " الأرض اليباب " ، والدال الأخير يتكرر مرات كثيرة في هذه المجموعة ، فيبدو كأنَّ الشاعر يغزل للخراب رؤيا ، وهذا مايقوله في بداية قسم " العليم بكل شيء " : " ماذا أفعل الاَن / الاَن أفتح قنبلتين لاعينين / تريان العالم جمراً / وبلادي سواداً / تغزل للخراب رؤيا " ( ص. ٦١ ); . بهاتين العينين القنبلتين يرى الى عالمه ، ويغزل رؤياه الى " البلاد التي يعمل ثلاثة أرباع سكانها أحذية ينتعلها رجال المخابرات / لا تولد قصيدة ، ولا يُسمَّى بدراً هذا القمر المكتمل ... " ( ص. ١٠٦ ); . في هذه البلاد ينهض " سمكريُّ الهواء ، العليم بكل شيء " الى أداء مهمته ، لتولد فيها القصيدة ، ويُسمى القمر المكتمل بدراً ، فماذا يفعل ؟
العنف الثوريّ
واذ تكون حال البلاد ، في التعامل مع الواقع والتاريخ هكذا ، يحمل " سمكريُّ الهواء ... " عدَّته ، ويمضي الى أداء مهمَّته ، وينشد : " في هذه الساحات الفارغة / بمقدح النعمة / أقدح جبال الخيبة / بمطرقة الرحمة / أطرق نحاس الخطيئة / بمنشار الموت / أنشر شجر الخوف / وطفولتي على حبال الغسيل " ( ص. ١٤ ); . واضح مايريد " تصليحه " وتغييره وبما يريد استبداله، ووسائله الى ذلك ، واللافت أنه يريد للطفولة ، بما تمثل من قيم ، أن تشكل فضاء هذا العنف الثوري ، مميِّزاً بينه وبين " سواد " البلاد ، فيقول : " أنا طفل تموت بضحكته اَيات النساء ، وأنتم مقبرة / تفتح مقبرة " ( ص. ١٠٤ ); .
اللغة العاديّة
يطلب ، من متلقي خطابه ، وهو يبدأ أداء مهمته : " دعوني أكتب الشعر باللغة العادية " . لعله يرغب ، اذ يطلب هذا ، في تسهيل فهم خطابه ، فيستخدم لغة عادية ، معجمها مألوف ، ومأخوذ من لغة الحياة اليومية ، وبعضه مأخوذ من العامية، مثل : " يبرحش ، يحكش ، أبول ، خربشوا ، نجعر ، أمعس ، يبرش ، يحوش ، يكش ، نشحبر... " ، ويشتق أحياناً أفعالاً من أسماء جامدة ، مثل " يتَبَوصل " . ويستخدم لغة تراكيبها – جملها قصيرة في الغالب ، بسيطة التركيب ، لاتخلو من انزياح تركيبي وحذف .
الأسماء الرموز وتوظيفها الشعري
غير أنه يكثر من توظيف الأسماء / الرموز في نصوصه ، وهي تزيد على المئة اسم / رمز ، وهي أسماء : شعراء عرب وأجانب قدامى وحداثيين ، وشخصيات وأحداث تاريخية عربية وعالمية ، وشخصيات أسطورية وأساطير وحكايات ، وأنبياء وأولياء وقديسين ، وكتب وكتَّاب ... ، وعبارات دالَّة على شخصيات ، أو أحداث ، مثل :" سبحاني " ، المشيرة الى الحلاج ، بعضها معروف للمثقف ، وبعضها الاَخر غير معروف الا للمثقف المختص في المجال الذي ينتمي اليه الاسم ، وبعض منها غير مشهور ، مثل " ريغا " و" أوشو " و " زيغولدا " ... . وهذا يقتضي شرح ماينبغي شرحه في ملحق أو في الهامش ، والا تكون هذه المجموعة موجهة الى نخبة من المثقفين .
التأويل السوسيو – ثقافي / السيمياء السوسيو- ثقافية
هذا اضافة الى أنَّ توظيف الكثير من هذه الأسماء / الرموز الشعري يحتاج الى بذل جهد تأويلي لتبيُّن دلالته ، كما في هذا المقطع : " لا قصيدة تومض... / بل أنتَ / من يقدح الشعر بصوَّانة يوسف ومخلب زليخة / فتأتيك الحروف عارية " هيت لك " "( ص. ١٣٢ ); . لغة هذا الكلام ليست لغة عادية ، هي لغة تحتاج الى تأويل ، والتأويل يحتاج الى معرفة بما يحيل اليه الكلام : قصة يوسف وزليخا ، ومقام قول : " هيت لك " ، وتوظيف هذا كله في جعله يمثل التجربة الحياتية الشعرية التي تملي القصيدة ، وتجعل الأحرف تأتي عارية ، مايشكل فضاء الوصال ، المفضي الى الخلق الشعري ، الذي لم يكن ومضاً ، وانما قَدْح صوَّان امرأة عاشقة بمخلب نبيٍّ رأى برهان ربه . هل هذا الكلام لغة عادية ؟ وفي مثال اَخر ، نقرأ :" أقول لنوح : لاذنب لك / سوى أنك ، في فلكك ، ربطت منقار نقَّار الخشب " ( ص. ٢٠ " . هذا الكلام يحتاج ، أيضاً ، الى تأويل ، وبغية حصول ذلك ينبغي أن نعرف قصة نوح وفلكه ، وأن نتبيَّن مدلول الصورة الشعرية ، وهو أنَّ ذنب نوح يتمثل في أنه لم يدَع نقار الخشب ينقر فلكه ، فيثقبه ، فيغرق ، وترتاح الكرة الأرضية من البشر الفارين من الطوفان ، بعد أن ارتاحت من الغارقين في الطوفان ، وبهذا الهلاك ، لايكون الهواء بحاجة الى " سمكري " . ويؤدي الدلالة نفسها توظيف قصة الخضر وموسى ، ففيها يقول " السمكري " أنه تعلم الدرس ، وكان ذلك اَية له ، فسيثقب القارب ، ويقتل الابن ، ويهدم حائط أبيه فوقه ، " فمن مدنٍ كهذه لاتخرج سوى الوحوش الضارية ... " (ص. ٢٩ ); .
هذه اللغة ليست لغة عادية ، وانما هي لغة مجاز / انزياح بمختلف أنواعه ، تحتاج الى تأويل سوسيو – ثقافي ، يحتاج الى معرفة سوسيو – ثقافية ، أي الى منهج سيميائي سوسيو – ثقافي لإجراء قراءة فيها ، وهذا مافعلناه ،وما سوف نفعله ان احتجنا الى ذلك .
القارئ المشارك في انتاج النص يحتاج القارئ الى بذل جهد ليؤول النص ، ويُنطِقه بمعناه الخفي ، فيشعر بمتعة مشاركة الشاعر في الخلق ، كما في ما مرَّ بنا من نماذج ، وكما في نماذج كثيرة ، منها ، على سبيل المثال : " قصب الصمت : الغربة حرفة / أحوك فيها من قصب الصمت / سلال الكلام " ( ص. ٥٧ ); . تلفت هذه الكثافة اللغوية المدهشة، الممثلة للغربة بصورة حسية متحركة دالة على حالة الغربة ، كما تلفت الصورة الملموسة المفاجئة والمدهشة المتمثلة في المقطع الاَتي :" بعنقٍ أعْرضُ من شفرة المقصلة / بفمٍ فاغرٍ من المصيبة / ولسان ممتدٍّ أمام الكائنات / كامتداد السماء " ( ص. ٥٠ ); . يشبه هذا اللسان الممتد هزءاً وسخرية ، الاصبع الوسطى المرفوعة للاَخر : " يبدو أني لم أتعلم من الحياة / سوى أنني يوما ما ، سأدفع الباب / وأغادر رافعاً اصبعي الوسطى / لمن ورائي ... / لمن أحبوني / لمن كرهوني ... " ( ص. ٩٢ ); . هذا الكلام / المجاز يُترجم خطاباً مباشراً ، في موضعٍ اَخر ، من هذه المجموعة ، كما في قول الشاعر : " طز بالحداثة ومابعدها / طز بكلِّ قصيدة لم تضرب للإنسان موعداً / أن يلتقي نفسه أو شيئاً منه ... " ( ص. ١١٤ ); .
الغموض ولغة الظاهر والباطن لكن هذه اللغة تغدو ، في بعض النصوص ، عصيَّة على التأويل ، كما في المثال الاتيَ : " في مبنى الأبجدية ضوضاء كبيرة / في الطابق الثامن والعشرين ينتصب ملقط حواجب امرأة جميلة ... / يهمس بالمسافرين على متن قطار أعرج / من منكم يجمع بي حبات المطر / من جبين شاعر أودُّ أن أكونه داخل القصيدة ؟ من قادر على أن يقدح من سندان الغيب متصوفاً اَخر أودُّ أن أكونه خارج القصيدة / ولا يلوك كلامه الشعراء " ( ص. ٢٣و٢٤);. نتخيل مبنى تقيم فيه حروف الأبجدية ، ونتخيل أن ترتفع ضوضاء منه ، ولكن كيف للتخيُّل غير الغرائبي أن يتخيل الحرف الثامن والعشرين ، وهو الياء ، أن ينتصب " ملقط حواجب امرأة جميلة " ، ويفعل ما تقول هذه اللغة أنه يفعله ؟ مايثير السؤال : هل نحن ازاء لغة أخرى ذات ظاهر وباطن مثل لغة المتصوف الذي يريد الشاعر أن يكونه، ويأتي بكلام اَخر لا يلوكه الشعراء ؟
القراَن والشعر
يأتي من الطابق الأول ، في مبنى الأبجدية، أي من الألف : " من يدعي أنه يعمل على النص / منذ بداية هذا التاريخ التافه / كان ممكناً له أن يخلق / على الأقل ، لمرة واحدة / نصاً كالقراَن / يصيب الشعراء بالإخصاء " ( ص.٢٤ ); . ان هذا القول: القراَن يصيب الشعراء بالإخصاء متداول، ويحتاج الى نقاش في ضوء الواقع السوسيو- ثقافي للاَيات التي تحدثت عن الشعر والشعراء، وفي ضوء التداول الذي كان يحدث اَنذاك، ومنها : " هل أنبِّئكم على من تنزَّل الشياطين . تنزَّل على كلِّ أفَّاكٍ أثيم . يلقون السمع، وأكثرهم كاذبون. والشعراء يتّبعهم الغاوون. ألم تر أنهم في كل واد يهيمون . وأنهم يقولون مالا يفعلون الا الذين اَمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً " . يفيد السياق التاريخي ، السوسيو – ثقافي التداولي لهذه الاَيات أنَّ المشركين عدُّوا القراَن مرة سحراً ومرة شعراً ، وعدُّوا النبي كاهناً ساحراً وشاعراً ، وكانوا يعتقدون بأنَّ شياطين الشعر هي التي تنزِّل الشعر على الشعراء، مايعني أنها هي – أي الشياطين - تنزِّل القراَن بوصفه ، في اعتقادهم، شعراً، فجاءت هذه الاَيات لتميِّز القراَن من الشعر، بوصفه رسالة سماوية، مصدرها الهي، وليس شياطين الشعر، يبلِّغها رسول مكلَّف من الله بنشر دعوة دينية تطول مختلف جوانب الحياة ، ولتميِّز أتباع النبي بأنهم ليسوا من الغاوين ... .
انَّ هذه اَيات تدفع تهمة تتناول جوهر الدعوة الدينية الاسلامية وهوية النبي ودوره، ولا علاقة لها بالشعر الفن الجميل، وما يؤكد صحة هذا الفهم هو ذلك المسار من الشعر والشعراء، الممتد من حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة...، في زمن النبي، الى يومنا هذا.
خطبة لبنان
يفضي أداء " السمكري ... " لمهمته الى قيامة الوطن الجديد ، ففي" خطبة لبنان لأبي ذر الغفاري " ،يقول : " أيتها البلاد التي لا ربَّ لها / سوى عيون أطفالها / من أجل غفوتك الهادئة في سريرك / سنحطمهم يوماً / مثل هبل / مثل اللات / ... ونقيم ديناً جديداً / وطناً جديداً / لعينيك " ( ص. ١١١ ); .
الوطن الجديد
وهكذا ينتهي سعي الباحث عن هويته ، وبعد أن يفضَّ الحبُّ سرَّ النبوَّة فيه ، وينزع رداء الشيطان عنه ، الى قيامة الوطن الجديد ، في بلاد لا سيِّد فيها سوى عيون أطفالها الذين يخرجون من " المقبرة " ، الى فرح العيش ، المنقَّى هواؤه ، وتشع بضحكاتهم اَيات قادحي جبال الخيبة بمطارق الفاعلية والانجاز .
المجموعة الشعريَّة
" سمكريُّ الهواء ، العليم بكلِّ شيء " ، للشاعر والأكاديمي اللبناني – الألماني ، سرجون كرم ، مجموعة شعرية صدرت ، مؤخَّراً ، في بيروت ( المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، ط.١ ، ٢٠٢٢); . تضمُّ المجموعة ثلاثة وتسعين نصاً ، موزَّعة على ثلاثة أقسام تحمل العناوين الاَتية : سمكري الهواء ، والعليم بكلِّ شيء ، و" ماروشكا " .
سمكريُّ الهواء ، العليم بكلِّ شيء
يُلفت ، في البدء ، العنوان: " سمكريُّ الهواء "، وهو دالٌّ مجازي ، فما هو مدلوله ؟ " سمكري " ، أو "سنكري " ، بالعامية ، هو مصلِّح الأدوات المنزلية ، و " معلِّم تركيب بياضات المنازل " ... . تُضاف هذه الكلمة الى " الهواء " ، المعرفة ، المؤدِّي دلالة عامة ، وليس هواء مكانٍ معيَّن . واذ نعرف أنَّ الهواء ، بهذا المعنى ، هو واهب الحياة على كوكب الأرض ، نسأل : هل " خَرِب " هذا الهواء ، وصار بحاجة الى " تصليح " والى " سمكري" يصلِّحه ، وهاهو " سمكريُّه العليم بكل شيء " يقوم بهذه المهمة ، في هذه المجموعة ، ويحدِّثنا عن ذلك .
ماروشكا وسرُّ النُّبوَّة
لكن ماشأن " ماروشكا " في هذه المهمة ؟ كي نجيب عن هذا السؤال ، علينا أن نعرف من هي " ماروشكا " ؟ هي ، كما يبدو لي ، وكما تفيد قرائن في هذه المجموعة ، ومنها : " فتيات السوفييت أخبرنني ...، سلام على ماروشكا السيبرية... ، تركها السوفييت للذكرى ... " ( راجع : ص. ١٤٣ و ١٤٤); ، الفتاة الروسية " ماتريونا " ، أو " ماتريوشا " ، أو الأم الصغيرة ، التي صُنعت على مثالها دُمى الشاي الروسية المتداخلة ، المشهورة . واذ نعرف هذا نتبيَّن حاجة " السمكري " ، وهو يؤدِّي مهمته الصعبة الى المرأة المثال ، الأم والحبيبة ، ومن الدوالِّ على ذلك خطابه لها : " كوني أورفيوس / ولا تنظري خلفك / لأنَّ العالم خلفنا جحيم " ( ص. ١٤٦ ); . و" أورفيوس " ، الذي يريدها أن تكونه ، لتخلِّص " السمكريَّ " من العالم / الجحيم ، هو شاعر وموسيقي ونبيٌّ أسطوري أغريقي كان يملك بشعره وعزفه وسحره فاعلية سحرية في العالم وكائناته .
وكان ل" ماروشكا " هذه دور في كشف سرِّه النبوي ، فيخاطبها بقوله :" لاأحد الَّاك / فضح سرَّ النبوَّة في الشيطان الذي أرتديه " ( ص. ١٥٩ ); ، وذلك يعود الى الحب ، يقول : " الحب ، ياماروشكا هو أن أحيا سعيداً / أن أترك هذا النهر يجري بمائه / وفق هواه " ( ص. ١٥٥); ، فبعد أن تحرِّره " ماروشكا " من الشيطان الذي يرتديه ، وتعيده الى حقيقته : النبي ، ينطلق على هواه ، ويجري بمائه / بشعره كما يريد ، فيكتب ، كما يقول : " بالوزن الذي أريد " ، ويبحث عن سرِّه النبوي لاعن لغة يطوِّعها ، كما يقول : " أبحث عنِّي ، لاعن لغة أطوِّعها ، مثل هرٍّ يدور حول وسادةٍ ألف دورةٍ كي ينام " ( ص. ٨٦ ); ، غير أنَّه تمكن من تطويع اللغة لتكون شعرية ، كما تفيد هذه الصورة الشعرية المبتكرة ، وكما تفيد نماذج أخرى وردت ، وسوف ترد في هذه المقالة .
المهمَّة الصعبة
مهمَّة هذا " السمكري " صعبة ، وهو يدرك هذا ، ويشير الى هذه الصعوبة بصورة شعرية في قوله : " محاطاً بهواء ينقِّي ذرَّاته كجدَّةٍ تنقِّي عدساً " ( ص. ١٤٨ ); ، فالصورة المتمثلة في التشبيه الحسي ، دالَّة على السعي الى أداء تنقية الهواء وصعوبة ذلك .
سؤالان يُطرحان ، هنا ، هما : ممَّ تنبغي " تنقية الهواء " ؟ ومن يفعل ذلك ؟
الشاعر الحديث ونجمة فَنَائه في الحبيب
المجموعة ملأى بالدوالّ على الحاجة الى " التنقية ، وعلى مايجب أن يُنقَّى . من الدوالّ على تلك الحاجة قوله : " أرغب في أن أجعل الهواء للشاعر الحديث سجناً / لعله يرى حكمة / كحكمة الناظر الى الحياة من ثقب تابوتٍ في مقبرة " ( ص. ٤٨ ); . يفيد هذا القول أن الشاعر الحديث هو من يجب أن يقوم بهذه المهمة، وهو في حالة يتجرَّد فيها من مغريات الحياة الدنيا، فينطق بالحكمة الصافية، ويكون مثل العالِم، مكتشف الحقيقة العلمية، ويصرخ ، كما صرخ " أرخميدس " :" في عراء الهواء / وجدت لغز الحداثة "( ص. ٥٥); . وهكذا يتكشف لغز الحداثة ، ويتحدَّد مفهومها ، وهو قول تلك الحكمة الفريدة ، المتمثلة " نجمة " تنجبها عينا الشاعر الرائيتان ، يقول :" كانت عيناه شمساً وقمراً / يتواعدان على انجاب نجمة في مكان ما ... / في مكان يخدم الحقيقة لا القصيدة " ( ص. ٩٤ ); . ويرقى بهذا النوع من الشعر الى أن يكون وليد حالة وجد وفناء في الحبيب، الله، تعيد قول ماقاله الحلاج من قبل : " ... ، ولكن يديَّ جميلتان ... / تُنبتان لله ثدياً / أرضع منه / وأقول : سبحاني " ( ص. ٣٠ ); . في هذه الحال يفتح الشاعر النبي " فاه ، فيتناسل الكون ضوءاً من رذاذ لعابه " ( ٢٤); ، وتغدو روحه بساطاً طائراً " يغني للفرح / على سطح الخراب "( ص. ٧٤); .
البلاد الخراب
أما مايجب أن يُنقَّى ، وأن تُقال في شأنه تلك الحكمة ، فكثير كثير ، نقتطف من الدوالّ عليه نماذج ، على سبيل المثال :" هل لديكم ، أيها الأغبياء ، وطن اَخر تختارونه كي تقتلوه وتأكلوه ؟ " ( ص.٩ ); . " الذين يشربون الغبار / من جرار تاريخهم الغبار" ( ص. ٢٥ ); . يلاحَظ الخطاب الهجائي المباشر: " أيها الأغبياء " ، ويلاحظ الخطاب المجازي ، المتمثل في أسلوب الاستفهام الانكاري ، وغرابة الحدث ، وهو أكلهم وطنهم الذي يقتلونه ، والمتمثل كذلك في شربهم الغبار من جرار تاريخهم الغبار ، وهذا يذكِّر بقصيدتي : " مرثية الغبار " و " الأرض اليباب " ، والدال الأخير يتكرر مرات كثيرة في هذه المجموعة ، فيبدو كأنَّ الشاعر يغزل للخراب رؤيا ، وهذا مايقوله في بداية قسم " العليم بكل شيء " : " ماذا أفعل الاَن / الاَن أفتح قنبلتين لاعينين / تريان العالم جمراً / وبلادي سواداً / تغزل للخراب رؤيا " ( ص. ٦١ ); . بهاتين العينين القنبلتين يرى الى عالمه ، ويغزل رؤياه الى " البلاد التي يعمل ثلاثة أرباع سكانها أحذية ينتعلها رجال المخابرات / لا تولد قصيدة ، ولا يُسمَّى بدراً هذا القمر المكتمل ... " ( ص. ١٠٦ ); . في هذه البلاد ينهض " سمكريُّ الهواء ، العليم بكل شيء " الى أداء مهمته ، لتولد فيها القصيدة ، ويُسمى القمر المكتمل بدراً ، فماذا يفعل ؟
العنف الثوريّ
واذ تكون حال البلاد ، في التعامل مع الواقع والتاريخ هكذا ، يحمل " سمكريُّ الهواء ... " عدَّته ، ويمضي الى أداء مهمَّته ، وينشد : " في هذه الساحات الفارغة / بمقدح النعمة / أقدح جبال الخيبة / بمطرقة الرحمة / أطرق نحاس الخطيئة / بمنشار الموت / أنشر شجر الخوف / وطفولتي على حبال الغسيل " ( ص. ١٤ ); . واضح مايريد " تصليحه " وتغييره وبما يريد استبداله، ووسائله الى ذلك ، واللافت أنه يريد للطفولة ، بما تمثل من قيم ، أن تشكل فضاء هذا العنف الثوري ، مميِّزاً بينه وبين " سواد " البلاد ، فيقول : " أنا طفل تموت بضحكته اَيات النساء ، وأنتم مقبرة / تفتح مقبرة " ( ص. ١٠٤ ); .
اللغة العاديّة
يطلب ، من متلقي خطابه ، وهو يبدأ أداء مهمته : " دعوني أكتب الشعر باللغة العادية " . لعله يرغب ، اذ يطلب هذا ، في تسهيل فهم خطابه ، فيستخدم لغة عادية ، معجمها مألوف ، ومأخوذ من لغة الحياة اليومية ، وبعضه مأخوذ من العامية، مثل : " يبرحش ، يحكش ، أبول ، خربشوا ، نجعر ، أمعس ، يبرش ، يحوش ، يكش ، نشحبر... " ، ويشتق أحياناً أفعالاً من أسماء جامدة ، مثل " يتَبَوصل " . ويستخدم لغة تراكيبها – جملها قصيرة في الغالب ، بسيطة التركيب ، لاتخلو من انزياح تركيبي وحذف .
الأسماء الرموز وتوظيفها الشعري
غير أنه يكثر من توظيف الأسماء / الرموز في نصوصه ، وهي تزيد على المئة اسم / رمز ، وهي أسماء : شعراء عرب وأجانب قدامى وحداثيين ، وشخصيات وأحداث تاريخية عربية وعالمية ، وشخصيات أسطورية وأساطير وحكايات ، وأنبياء وأولياء وقديسين ، وكتب وكتَّاب ... ، وعبارات دالَّة على شخصيات ، أو أحداث ، مثل :" سبحاني " ، المشيرة الى الحلاج ، بعضها معروف للمثقف ، وبعضها الاَخر غير معروف الا للمثقف المختص في المجال الذي ينتمي اليه الاسم ، وبعض منها غير مشهور ، مثل " ريغا " و" أوشو " و " زيغولدا " ... . وهذا يقتضي شرح ماينبغي شرحه في ملحق أو في الهامش ، والا تكون هذه المجموعة موجهة الى نخبة من المثقفين .
التأويل السوسيو – ثقافي / السيمياء السوسيو- ثقافية
هذا اضافة الى أنَّ توظيف الكثير من هذه الأسماء / الرموز الشعري يحتاج الى بذل جهد تأويلي لتبيُّن دلالته ، كما في هذا المقطع : " لا قصيدة تومض... / بل أنتَ / من يقدح الشعر بصوَّانة يوسف ومخلب زليخة / فتأتيك الحروف عارية " هيت لك " "( ص. ١٣٢ ); . لغة هذا الكلام ليست لغة عادية ، هي لغة تحتاج الى تأويل ، والتأويل يحتاج الى معرفة بما يحيل اليه الكلام : قصة يوسف وزليخا ، ومقام قول : " هيت لك " ، وتوظيف هذا كله في جعله يمثل التجربة الحياتية الشعرية التي تملي القصيدة ، وتجعل الأحرف تأتي عارية ، مايشكل فضاء الوصال ، المفضي الى الخلق الشعري ، الذي لم يكن ومضاً ، وانما قَدْح صوَّان امرأة عاشقة بمخلب نبيٍّ رأى برهان ربه . هل هذا الكلام لغة عادية ؟ وفي مثال اَخر ، نقرأ :" أقول لنوح : لاذنب لك / سوى أنك ، في فلكك ، ربطت منقار نقَّار الخشب " ( ص. ٢٠ " . هذا الكلام يحتاج ، أيضاً ، الى تأويل ، وبغية حصول ذلك ينبغي أن نعرف قصة نوح وفلكه ، وأن نتبيَّن مدلول الصورة الشعرية ، وهو أنَّ ذنب نوح يتمثل في أنه لم يدَع نقار الخشب ينقر فلكه ، فيثقبه ، فيغرق ، وترتاح الكرة الأرضية من البشر الفارين من الطوفان ، بعد أن ارتاحت من الغارقين في الطوفان ، وبهذا الهلاك ، لايكون الهواء بحاجة الى " سمكري " . ويؤدي الدلالة نفسها توظيف قصة الخضر وموسى ، ففيها يقول " السمكري " أنه تعلم الدرس ، وكان ذلك اَية له ، فسيثقب القارب ، ويقتل الابن ، ويهدم حائط أبيه فوقه ، " فمن مدنٍ كهذه لاتخرج سوى الوحوش الضارية ... " (ص. ٢٩ ); .
هذه اللغة ليست لغة عادية ، وانما هي لغة مجاز / انزياح بمختلف أنواعه ، تحتاج الى تأويل سوسيو – ثقافي ، يحتاج الى معرفة سوسيو – ثقافية ، أي الى منهج سيميائي سوسيو – ثقافي لإجراء قراءة فيها ، وهذا مافعلناه ،وما سوف نفعله ان احتجنا الى ذلك .
القارئ المشارك في انتاج النص يحتاج القارئ الى بذل جهد ليؤول النص ، ويُنطِقه بمعناه الخفي ، فيشعر بمتعة مشاركة الشاعر في الخلق ، كما في ما مرَّ بنا من نماذج ، وكما في نماذج كثيرة ، منها ، على سبيل المثال : " قصب الصمت : الغربة حرفة / أحوك فيها من قصب الصمت / سلال الكلام " ( ص. ٥٧ ); . تلفت هذه الكثافة اللغوية المدهشة، الممثلة للغربة بصورة حسية متحركة دالة على حالة الغربة ، كما تلفت الصورة الملموسة المفاجئة والمدهشة المتمثلة في المقطع الاَتي :" بعنقٍ أعْرضُ من شفرة المقصلة / بفمٍ فاغرٍ من المصيبة / ولسان ممتدٍّ أمام الكائنات / كامتداد السماء " ( ص. ٥٠ ); . يشبه هذا اللسان الممتد هزءاً وسخرية ، الاصبع الوسطى المرفوعة للاَخر : " يبدو أني لم أتعلم من الحياة / سوى أنني يوما ما ، سأدفع الباب / وأغادر رافعاً اصبعي الوسطى / لمن ورائي ... / لمن أحبوني / لمن كرهوني ... " ( ص. ٩٢ ); . هذا الكلام / المجاز يُترجم خطاباً مباشراً ، في موضعٍ اَخر ، من هذه المجموعة ، كما في قول الشاعر : " طز بالحداثة ومابعدها / طز بكلِّ قصيدة لم تضرب للإنسان موعداً / أن يلتقي نفسه أو شيئاً منه ... " ( ص. ١١٤ ); .
الغموض ولغة الظاهر والباطن لكن هذه اللغة تغدو ، في بعض النصوص ، عصيَّة على التأويل ، كما في المثال الاتيَ : " في مبنى الأبجدية ضوضاء كبيرة / في الطابق الثامن والعشرين ينتصب ملقط حواجب امرأة جميلة ... / يهمس بالمسافرين على متن قطار أعرج / من منكم يجمع بي حبات المطر / من جبين شاعر أودُّ أن أكونه داخل القصيدة ؟ من قادر على أن يقدح من سندان الغيب متصوفاً اَخر أودُّ أن أكونه خارج القصيدة / ولا يلوك كلامه الشعراء " ( ص. ٢٣و٢٤);. نتخيل مبنى تقيم فيه حروف الأبجدية ، ونتخيل أن ترتفع ضوضاء منه ، ولكن كيف للتخيُّل غير الغرائبي أن يتخيل الحرف الثامن والعشرين ، وهو الياء ، أن ينتصب " ملقط حواجب امرأة جميلة " ، ويفعل ما تقول هذه اللغة أنه يفعله ؟ مايثير السؤال : هل نحن ازاء لغة أخرى ذات ظاهر وباطن مثل لغة المتصوف الذي يريد الشاعر أن يكونه، ويأتي بكلام اَخر لا يلوكه الشعراء ؟
القراَن والشعر
يأتي من الطابق الأول ، في مبنى الأبجدية، أي من الألف : " من يدعي أنه يعمل على النص / منذ بداية هذا التاريخ التافه / كان ممكناً له أن يخلق / على الأقل ، لمرة واحدة / نصاً كالقراَن / يصيب الشعراء بالإخصاء " ( ص.٢٤ ); . ان هذا القول: القراَن يصيب الشعراء بالإخصاء متداول، ويحتاج الى نقاش في ضوء الواقع السوسيو- ثقافي للاَيات التي تحدثت عن الشعر والشعراء، وفي ضوء التداول الذي كان يحدث اَنذاك، ومنها : " هل أنبِّئكم على من تنزَّل الشياطين . تنزَّل على كلِّ أفَّاكٍ أثيم . يلقون السمع، وأكثرهم كاذبون. والشعراء يتّبعهم الغاوون. ألم تر أنهم في كل واد يهيمون . وأنهم يقولون مالا يفعلون الا الذين اَمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً " . يفيد السياق التاريخي ، السوسيو – ثقافي التداولي لهذه الاَيات أنَّ المشركين عدُّوا القراَن مرة سحراً ومرة شعراً ، وعدُّوا النبي كاهناً ساحراً وشاعراً ، وكانوا يعتقدون بأنَّ شياطين الشعر هي التي تنزِّل الشعر على الشعراء، مايعني أنها هي – أي الشياطين - تنزِّل القراَن بوصفه ، في اعتقادهم، شعراً، فجاءت هذه الاَيات لتميِّز القراَن من الشعر، بوصفه رسالة سماوية، مصدرها الهي، وليس شياطين الشعر، يبلِّغها رسول مكلَّف من الله بنشر دعوة دينية تطول مختلف جوانب الحياة ، ولتميِّز أتباع النبي بأنهم ليسوا من الغاوين ... .
انَّ هذه اَيات تدفع تهمة تتناول جوهر الدعوة الدينية الاسلامية وهوية النبي ودوره، ولا علاقة لها بالشعر الفن الجميل، وما يؤكد صحة هذا الفهم هو ذلك المسار من الشعر والشعراء، الممتد من حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة...، في زمن النبي، الى يومنا هذا.
خطبة لبنان
يفضي أداء " السمكري ... " لمهمته الى قيامة الوطن الجديد ، ففي" خطبة لبنان لأبي ذر الغفاري " ،يقول : " أيتها البلاد التي لا ربَّ لها / سوى عيون أطفالها / من أجل غفوتك الهادئة في سريرك / سنحطمهم يوماً / مثل هبل / مثل اللات / ... ونقيم ديناً جديداً / وطناً جديداً / لعينيك " ( ص. ١١١ ); .
الوطن الجديد
وهكذا ينتهي سعي الباحث عن هويته ، وبعد أن يفضَّ الحبُّ سرَّ النبوَّة فيه ، وينزع رداء الشيطان عنه ، الى قيامة الوطن الجديد ، في بلاد لا سيِّد فيها سوى عيون أطفالها الذين يخرجون من " المقبرة " ، الى فرح العيش ، المنقَّى هواؤه ، وتشع بضحكاتهم اَيات قادحي جبال الخيبة بمطارق الفاعلية والانجاز .
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
بوابة القاهرة
قصيدة المها يكتبها الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري
قصيدة المها يكتبها الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري
بوابة القاهرة
قصيدة الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري بعنوان (يا حبيبًا)
قصيدة الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري بعنوان (يا حبيبًا)
بوابة القاهرة
عفّة وأناقة قصيدة للدكتور الشاعر عبد الولي الشميري
عفّة وأناقة قصيدة للدكتور الشاعر عبد الولي الشميري
بوابة القاهرة
أمجد مراد في برنامج د. نادر الصيرفي: مشروع القانون "غربال"
أمجد مراد في برنامج د. نادر الصيرفي: مشروع القانون "غربال"
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...