تأملات طبيب (٣) الشفاء ليس دائمًا علاجًا..!! د. تمام كيلاني
تأملات طبيب (٣)
الشفاء ليس دائمًا علاجًا..!!
د. تمام كيلاني*
“من لديه سبب يعيش من أجله، يستطيع أن يتحمل معظم ما يواجهه.”
— فيكتور فرانكل
عندما دخلت كلية الطب قبل ما يقارب نصف قرن، كنت أظن أن الطريق واضح.
الطبيب يشخّص المرض.
ثم يختار العلاج.
فإذا اختفى المرض، شُفي المريض.
كانت المعادلة تبدو بسيطة.
لكن السنوات الطويلة في الممارسة، وخمسة وأربعون عامًا قضيتها بين عيون المرضى وحكاياتهم، علمتني أن الطب أكثر عمقًا من ذلك بكثير.
فليس كل علاج يؤدي بالضرورة إلى شفاء.
وليس كل شفاء يعني اختفاء المرض.
لقد رأيت مرضى تحسنت فحوصاتهم، ونجحت علاجاتهم، وعادت أرقامهم إلى الحدود المقبولة، لكن شيئًا في داخلهم بقي مثقلًا بالخوف أو القلق أو الإحساس بأن حياتهم لم تعد كما كانت.
ورأيت آخرين يحملون أمراضًا مزمنة، وربما لن تختفي تمامًا، لكنهم استعادوا القدرة على الفرح، وعلى العمل، وعلى النظر إلى المستقبل بثقة وطمأنينة.
عندها أدركت أن هناك فرقًا عميقًا بين أن نعالج المرض…
وأن نشفي الإنسان.
في طب العيون، نلمس هذا المعنى بصورة خاصة.
فالعين ليست مجرد عضو نعيد إليه وظيفة فقدها.
إنها علاقة الإنسان بالعالم.
حين يتحسن نظر طفل، قد لا تكون النتيجة مجرد رقم أفضل في لوحة الفحص، بل طفل يقرأ، ويتعلم، ويكتشف العالم بثقة.
وحين يستعيد إنسان كبير جزءًا من بصره، فقد لا يكون الأمر مجرد تحسن في حدة الإبصار، بل عودة القدرة على رؤية وجوه من يحب، والاعتماد على نفسه في تفاصيل حياته اليومية.
ولهذا فإن نجاح الطبيب لا يُقاس دائمًا بما يظهر في التقرير الطبي فقط.
فالتقرير يخبرنا أن العين تحسنت.
لكن وجه المريض يخبرنا ماذا يعني هذا التحسن بالنسبة له.
كان الأطباء في الماضي، كما هم اليوم، يسعون إلى علاج الأمراض وحفظ الصحة. وقد أدرك ابن سينا، الطبيب والفيلسوف، أن مهمة الطبيب لا تقتصر على وصف الدواء، بل تتعلق بحفظ توازن الإنسان كله.
فالإنسان ليس جسدًا فقط.
وليس مرضًا فقط.
إنه كيان يجتمع فيه الجسد والنفس والعقل والروح.
ولهذا قد ينجح الطبيب في إزالة سبب الألم، لكنه لا يستطيع وحده أن يزيل كل آثار التجربة التي مر بها المريض.
قد يعيد النظر إلى العين.
لكنه لا يستطيع أن يعيد سنوات الخوف التي عاشها الإنسان.
وقد يخفف أعراض المرض.
لكنه يحتاج إلى أن يساعد المريض في استعادة علاقته بالحياة.
وهنا تبدأ مساحة لا تكفي فيها المعرفة وحدها.
تبدأ مساحة الحكمة والرحمة.
كتب فيكتور فرانكل، الطبيب والفيلسوف الذي عاش تجربة الاعتقال القاسية، أن الإنسان الذي يجد معنى لحياته يستطيع أن يتحمل الكثير من الألم.
لم يكن يقصد أن المعنى يلغي الألم.
فالمرض يبقى مرضًا.
والفقد يبقى فقدًا.
لكن الإنسان عندما يجد سببًا للاستمرار، يصبح أكثر قدرة على حمل ما يواجهه.
وهذا ما نراه في عياداتنا.
فالأمل ليس دواءً يُكتب في وصفة.
لكنه يمنح المريض قوة للسير في طريق العلاج.
والحب ليس علاجًا دوائيًا.
لكنه قد يمنح الإنسان طاقة لا تستطيع الأجهزة قياسها.
والإيمان لا يلغي الأخذ بالأسباب، لكنه يمنح القلب سكينة وهو يسلك طريقها.
وقد قال الله تعالى:
﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾
فالطبيب يبذل جهده، والعلم يتقدم، والعلاج يُكتشف، لكن يبقى الشفاء في النهاية نعمة تتجاوز قدرة الإنسان، وتذكره دائمًا بحدود علمه.
كم مرة جلس أمامي مريض وسألني:
“دكتور… هل سأشفى؟”
في الظاهر، هو يسأل عن المرض.
لكنني مع الزمن تعلمت أن السؤال الحقيقي غالبًا يكون أعمق:
“هل سأعود كما كنت؟”
وهنا تكمن إحدى الحقائق الصعبة في الطب.
فالحياة بعد المرض قد لا تكون نسخة من الحياة قبله.
فالمرض يترك أثرًا.
كما يترك الزمن أثره على الإنسان.
لكن هذا لا يعني أن الحياة تنتهي.
فالإنسان يملك قدرة عظيمة على إعادة بناء نفسه.
وقد يكون هذا هو الشفاء الحقيقي.
ليس أن يعود كل شيء كما كان…
بل أن يجد الإنسان طريقة جديدة ليعيش بمعنى جديد.
لقد رأيت أشخاصًا فقدوا جزءًا من قدراتهم الجسدية، لكنهم احتفظوا بقوة داخلية تثير الإعجاب.
ورأيت أشخاصًا كانت فحوصاتهم مطمئنة، لكن القلق سلب منهم طعم الحياة.
وهنا يتعلم الطبيب درسًا لا يوجد في كتب التشخيص:
ليس كل ألم يُرى.
وليس كل شفاء يظهر في التحاليل.
مع التقدم الكبير في الطب والتكنولوجيا، أصبحنا قادرين على إضافة سنوات كثيرة إلى عمر الإنسان.
وهذا إنجاز عظيم.
لكن السؤال الأعمق يبقى:
ما قيمة السنوات إذا لم يشعر الإنسان أنها حياة؟
فقد يطيل الطب العمر.
لكن الإنسان هو من يمنح العمر معناه.
بعد سنوات طويلة في المهنة، لم أعد أسأل نفسي فقط:
هل اخترت العلاج المناسب؟
بل أسأل سؤالًا آخر:
هل خرج هذا الإنسان من عندي وهو يشعر بأنه ليس وحده؟
لأن بعض المرضى يغادرون العيادة حاملين وصفة طبية.
وبعضهم يغادرون حاملين شيئًا آخر لا يُكتب في الوصفات…
الطمأنينة.
لقد تعلمت أن الطبيب لا يملك دائمًا أن يمنع المرض.
لكنه يستطيع أن يمنع اليأس.
ولا يملك دائمًا أن يغير كل الظروف.
لكنه يستطيع أن يساعد الإنسان على مواجهتها بكرامة.
وهذا، في جوهره، نوع آخر من الشفاء.
فالعلاج قد يكون نهاية المرض.
أما الشفاء الحقيقي…
فهو أن يستعيد الإنسان قدرته على أن يعيش، وأن يحب، وأن يأمل، رغم كل ما مر به.
وربما كانت أعظم هدية يقدمها الطبيب لمريضه ليست أن يقول له:
“لقد انتهى المرض.”
بل أن يساعده على أن يقول لنفسه:
“ما زالت الحياة تستحق أن تُعاش.”
*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
تأملات طبيب بين العلم والإنسان… لماذا نكتب؟ د. تمام كيلاني
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...