غربتان في روايتي الأديب الراحل أحمد جميل الحسن! عمر محمد جمعة
غربتان في روايتي الأديب الراحل أحمد جميل الحسن!
عمر محمد جمعة*
"غريب مطارد يا حسن، تنتقل بين المنافي والشتات، تتقاذفك الأرصفة والمطارات والغرف المنزوية على الحدود، تتلقى الشتائم والإهانات دائماً، ولا تجد من يواسيك أو يقول لك ماذا تريد، الكلّ يقولون لك ماذا فعلت ولماذا فعلت هذا؟ منسيّ أنت يا حسن، ليس من حقك أن تحبّ أو تعشق، فأنت غريب والغريب ضعيف ومدان يا حسن" ص97.
في بلدة آيا فيلا الواقعة بالقرب من مدينة ليماسول القبرصية تدور أحداث الرواية الأولى " آيا فيلا" للكاتب الراحل أحمد جميل الحسن، والتي صدرت في دمشق عام 2004 ضمن منشورات دار الجليل، وفيها يروي الحسن حكاية عشرات العمال العرب الذين فتكت بهم عوامل عدة دفعتهم للهجرة بحثاً عن لقمة العيش وتحقيق الذات المتشظية، ليس أولها الإحباطات السياسية والانكسارات والانشقاقات التي لحقت بالثورة بالنسبة للفلسطينيين حسن ونور الدين مثلاً، أو الفقر والعوز والرغبة في إكمال الأحلام المشتهاة لحسان الشامي وأبو محمد وسليم الإدلبيين، وما بين هذا وذاك قصص مطاردتهم من قبل الشرطة بسبب وجودهم اللاشرعي، والأعمال الشاقة كجني الحمضيات والبناء وتركيب أسقف القرميد والطينة والبلاط التي كانوا يقومون بها، إنهم تلك الأرواح التي حمّلها الكاتب بعضاً من وجعه وهو يستحضر لحظات الحنين والشوق إلى الأب والأم والزوجة والأولاد التي تفطر قلوبهم وتشي بمرارة الغربة وقسوة العيش بعيداً عن الوطن، يقول حسن ص44 مخاطباً أمه التي تركها في المخيم: "آه يا أمي كم يشبه لونك تراب وطني، كم تعريني وتعريك الغربة، آه يا أمي.. دثريني بأهداب عينيك الراجفة، حتى لا يقتلني برد المنفى، ويستبيح دمي الغريب، أحبك يا أمي.. أحبك يا وطناً خلف الضباب".
لقد حاول الراحل أحمد جميل الحسن في هذه الرواية، تبيان الفارق الاجتماعي والحضاري بين المجتمعين العربي والغربي، وفي جانب موازٍ توثيق بعض الأحداث التي مرّت بها الثورة الفلسطينية كنكسة 1967 وحصار بيروت عام 1982 وما بينهما أحداث عين الرمانة والحرب الأهلية في لبنان.
أما الملمح الأهم في الرواية فهو قصة العشق بين حسن وآنّا ابنة السيد خريستو التي هامت به وهجرت ليماسول لتطارده وتلحق به إلى نيقوسيا، والحسّ الإنساني العالي الذي اعترى حسن في علاقاته مع القبارصة الذين احتضنوه، فتعلّم لغتهم وقرأ الكتب القيّمة في مكتباتهم أو مركز الدراسات الفلسطينية الذي نُقل إلى نيقوسيا بعد اجتياح بيروت، ما أشفّ تلك اللحظة وهو يصف حزنه بعد موت صديقه ديمتري المسكين: "هكذا يموت الفقراء دون ونيس أو جليس يخفّف عنهم سكرات موتهم، هكذا يموت الوحيد مهملاً منسياً دون ضجيج أو بكاء.. يموت تماماً كالغريب" ص103. وما أقسى مشهد الأم حين يتذكره الفدائي نور الدين وقد بُترت يده في حرب طرابلس، يقول الكاتب ص141: "شدّته من قميصه وهي تتوسّل إليه بصوت خنقته العبرات، وبقلب ملتاع: برضاي عليك يمّا لا تروح ع لبنان.. هناك ما إلنا عدو نقاتله، ما بدي ترجعلي بالتابوت.. ما بتروح غير على اللي مثلك يما".
وفي روايته الثانية "الغريبة" الصادرة عن الهيئة العامة السورية للكتاب عام 2010 يحافظ أحمد جميل الحسن على النزوع نفسه في الحديث عن الغربة وتظهير المشكلة الاجتماعية للشخصية الرئيسيّة المحورية في الرواية والمتمثلة بالزوجة المتّهمة "زريفة" وإدانة ما تعرّضت له كامرأة مطعونة بشرفها أولاً، وكإنسان تابع مقهور مستلب سلبيّ الإرادة يتأثر بالمحيط دون أن يؤثر فيه ثانياً. فالحكاية برمتها انبنت على قضية اجتماعية بحتة بما فيها من عادات وتقاليد بالية أفضت إلى القتل على الشبهة، رافقها اضطهاد وتمييز وأحاديث وثرثرات ساذجة حافلة بالاختلاق والاتهام المجاني، وحلقات النسوة التي تدور حول الزواج والطلاق والفضائح والتصابي والحمل والعقم والولادة.. وسواها.
"زريفة" تدور كلّ الأحداث حولها كشخصية مهيمنة على فصول الرواية، و"سليم" الفدائي المفترض، في مجتمع منغلق يختصر الشرف والكرامة بجسد المرأة لا غير.
تنساقُ المرأة الغريبة وراء حنينها، تداهمها اللوعة، تهجس بما يشبه الرجاء ص6: "لماذا تركتني يا أبي أمضي وحدي تائهة، تحرقني لوعة الغربة، ويستوطن صدري عويل الفراق، ليتني أرى أمي، وأبكي على صدرها الحنون.. أين أنت الآن يا حبيبتي؟ كيف هنت عليك طيلة هذه المدة؟ مجرد سلام أو خبر لم يصلني منكم منذ تزوجت، اليامون ليست بعيدة عن عابود والناس في تواصل مستمر فيما بينهم، ولكن أنتم لا تسألون".
وبكثيرٍ من الإدراك لطبيعة شخصية "زريفة" خاصة ومقولة الرواية عامة، سنلحظ أن الكاتب قد ركّز على تعميق حالة القهر التي لازمتها، بدءاً من زواجها اللامتوقع من "مصطفى" مروراً بسخرية حماتها وشقيقة زوجها "نادرة" وصديقاتها وصولاً إلى اتهامها بالخيانة ومقتلها في النهاية، وقد بدت حياديةً في كل ذلك، فهي بقيت تحبّ مصطفى وأهل اليامون وكأنهم لم يكونوا سبباً في ما آلت إليه من مصير أسود.
تقول: "متى يا ربي تخلّصني من هذه اللئيمة ومن لسانها..؟ أشعر وكأنني أريد أن أهشّم رأسها، أو أخنقها، أتمنى أن تلدغها أفعى رقطاء سوداء لا شفاء من لدغتها" ص9.
حتى ورحى الحرب تدور، والناس تهيم في تشردها ونزوحها القسري تصرخ "يا مشحرة يا زريفة هذا هو نصيبك من الحياة! كلّ البنات اتزوجن وانسترن وأنجبن في بيوتهن.. وأنت ما لاقيتي من زيجتك غير المهانة في البيت من حماتك وبنتها، وبعدها تطاردين كخاطئة زانية" ص 156.
القهر الذي ميّز الشخصية المهيمنة "زريفة" وكان سمة دالة عليها، بدا ثيمة الرواية برمتها، حتى لكأن الكاتب كان يتعمّد ذلك ليدفع شخصياته لصراع غير متكافئ حتى مع نفسها، فـ"مصطفى" يتجاذبه صراع مرير بين الحقد على "زريفة" وحبه الشديد لها، يفكر فيها ساعات طويلة ولا يجد مبرراً يجعلها تخونه، فيصرخ بقهر: "لماذا.. كنت أحبها لدرجة العبادة وأشتاق إليها بحنين جارف، وكانت تبادلني الحب بالحب والحنين بالحنين، كيف إذاً حصل كل هذا؟" ص110.
أما شقيقته "نادرة" التي كانت تمارس أبشع صور القهر على "زريفة" فهي الأخرى تنوء تحت قهر موازٍ هو رغبتها بالزواج وقد أعرض عنها جميع من عرفها، فهي "في عرس "مصطفى" حمّرت خديها لأول مرة أمام والدها وشقيقها، وكانت تتمايل أمام الفرس، وتقوم بحركات رقص هستيرية تدلّ على أنها تحاول أن تداري كبتاً مقهوراً لم تستطع أن تفجّره بالبوح، ولكن حركات جسدها تدلّ على توق وحرمان تعاني منه في خلوتها مع نفسها" ص117.
لقد لمسنا نزوع الكاتب أيضاً إلى الاحتفاء بالتراث الفلسطيني بعاداته ومعتقداته وحكاياه الخرافية والموروثة والأهازيج والزغاريد والأعراس التي تحمل نفحة شعبية ترتبط بخصوصيّة المجتمع الفلسطيني، أي بزمانه ومكانه المفقودين، وبالشخصية الفلسطينية كجزء مكوّن من هذا المجتمع.
نعم.. إنهما غربتان عاشهما الكاتب الراحل أحمد جميل الحسن، بما تحملان من شوق وحنين، فقد وحرمان، خوف من المجهول، هجرة وتشرد، وتحدي الذات الإنسانية في روحه كي تبقى.. وتبقى.
*كاتب وناقد فلسطيني/ دمشق.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
حماه بين أركيلة الليل وصوت الحريه ..!!د. تمام كيلاني
د. تمام كيلاني يقدم أجهزة طبية حديثة لقسم العينية في مشفى المواساة! روعة سنوبر
سوريا ليست جواز سفر… سوريا وطن لا يُستبدل..!! د. تمام كيلاني
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...