الشعرة البيضاء

الشعرة البيضاء

الشعرة البيضاء
لطيفة محمد حسيب القاضي 
مرت سعاد على المرآة ذات الصباح كي تأنق شعرها، الذي كان أسود كسواد ظلمة الليل الحالك. بينما كانت تمشط شعرها، وجدت شعرة بيضاء في مقدمة رأسها، فعجبت! سعاد، التي تبلغ من العمر الثلاثين، متزوجة ولها ولد يدعى أسامة، يبلغ من العمر سبع سنوات، وزوجها يعمل في شركة الاتصالات.

أمعنت النظر في رأسها، فارتعدت لمرآها، فخيل إليها أن تلك الشعرة هي رسول من عالم الغيب ينذرها باقتراب الأجل. يأس قاتل تسرب إليها. تلك الشعرة، وكأنها خيوط الكفن التي تنسجها يد الدهر لها، وتعده لباسًا لجثتها عند تجردها من لباسها يوم الغسل.

تحدثت سعاد إلى الشعرة قائلة:  
أيتها الشعرة البيضاء! ما رأيت بياضًا يضاهي بياضك، ولا نورًا يضاهي نورك. لقد أحببت فيك كل سواد وكل ظلام، ونبذت كل بياض وكل نور. كيف تحتملين هذه الأرض الموحشة، دون أنيس يؤنسك، ودون جليس يسامرك؟ أما يثير قلبك هذا الليل الحالك؟ وأما يضيع بصرك في هذا الظلام الدامس؟

فكرت سعاد قليلاً، لو انتزعتها من مكانها، فلا بد أنها ستعود مرة أخرى. ففكرت في صبغها باللون الأسود. سألت في نفسها:  
-أيتها الشعرة البيضاء! ما أنتِ؟ وما وفودك إليَّ؟ وما مكانك مني ومقامك عندي؟ إن كنتِ ضيفًا، فأين استئذان الضيف وتلطفه وتجمّله؟ وإن كنتِ نذيرًا، فأنا أعلم من الموت وشأنه ما لا أحتاج معه إلى نذير. فلم يبقَ إلا أن تكوني أوقح الخلائق وجهًا، وأصلبها خدًّا، وأنك قد نزلت من السماجة والفضول منزلةً لا أرى لك فيها شبيهًا إلا تلك الحية التي تلج كل جحر من أجحار الحشرات التي تعده جحرها، وتحسَبه بيتها.

أخذت سعاد المشط لكي تمشط شعرها قائلة:  
-أليس كل ما أعده عليك من الذنوب أنك طليعة الموت؟ والموت هو الذي يخلصني من منظر هذا العالم المملوء بالشرور والآثام، الحافل بالحروب والآلام والأسقام. في هذا العالم، لا أغمض عيني إلا لأفتحها على صديق يغدر بصديقه، وأخٍ يخون أخاه، وغني يضن على الفقير بفتات مائدته، وفقير يقترح على الدهر حتى بلغة الموت فلا يظفر بأمنيته. الناس أصبحت مسكونة بالأهواء والرغبات الزائفة. قلوبهم مليئة بالحقد الذي لا يجدي نفعًا، ونفوسهم تندفع إلى ما ليس لهم، كل ذلك من أجل ظلال زائلة وأغراض باطلة لا تدوم. الكبير يأكل الصغير، والقوي ينهش الضعيف. السعادة لا يشعر بها أحد، بل الحياة دروس. وعقول تتهالك وجدًا على نار تحرقها، وأنياب تمزقها، وعيون حائرة في رؤوس طائرة. تنظر ولا ترى شيئًا مما حولها، وتلمع ولا تكاد تبصر ما تحتها. إن كان هذا هو ذنبك عندي، فاستكثري من ذنوبك، فإني لك من الغافرين.

أيتها الشعرة البيضاء! مرحبًا بك اليوم ومرحبًا بباقي أهلك غدًا، ومرحبًا بهذا القضاء الواقف وراءك أو الكامن في أطوائك، ومرحبًا بتلك الغرفة التي أخلُو فيها بربي وآنس فيها بنفسي.

دلف زوجها إلى الغرفة فجأة، فوجدها تتفوه إلى نفسها بكلمات لا يفهمها.  
-ماذا بكِ يا سعاد؟ لماذا تتحدثين إلى نفسك أمام المرآة؟

- لقد وجدت شعرة بيضاء وسط شعري، ففكرت وتأملت فيها كثيرًا.  
- هل تخافين من التقدم بالعمر؟  
- لا، أبدًا! لكن الشعرة البيضاء تخبرني بأشياء ومعاني ودلالاتٌ كثيرة. ربما هي تسكنني وأنا أسكن إليها، وأشعر بإحساس لم أشعره من قبل عندما وجدت تلك الشعرة بين خصلات شعري الأسود. لم تكن مجرد شعرة، بل أشياء ومعاني تجعلني أستشعر كم هي الحياة قصيرة! والعمر يسير بلمحة بصر. بالأمس، كنت طفلة تلعب بألعابها وتمشط للدمية شعرها الناعم الأشقر، والآن أنا أم وزوجة ترعى عائلتها وتخاف عليها.  
- هذه هي الحياة، وكأننا نسير في الرياح بسرعة البرق.  
- الآن سأجهز لك وجبة الإفطار قبل الخروج إلى العمل.
- حسنًا

خرج زوجها من البيت، فعادت سعاد إلى المرآة لتتمعن أكثر في الشعرة البيضاء. وقالت في نفسها:  
-أيتها الشعرة البيضاء، هل لك أن تتجاوزي عمَّا أسأت به إليك في إطالة عتبك؟ هنيئًا لك رأسي مصيفًا ومرتعًا! هنيئًا لك! فأنتِ رسولُ الموت الذي ما زلت أطلبه منذ عرفته، فلا أجد له سبيلًا.

فكرت سعاد في انتزاع الشعرة قليلاً، ولكنها قالت:  
-العمر لا يعود مرة أخرى. لا يمكنني أن أكذب على نفسي وأقتنص عمراً آخر. ولا بد من أن ينكشف الكذب يومًا ما.

القبول بواقع حياة وعمر يذهب ولا يأتي مرة أخرى هو الحل في تلك المعضلة.

وإن كان العمر يمر، فلا بد وحتماً من قرار يفضي بالسعادة الأبدية. 
مرت الأيام، استمرت سعاد في رؤية تلك الشعرة البيضاء، لكنها بدأت تتقبلها كجزء من نفسها وبدأت ترسم ابتسامة على وجهها لكل لحظة عاشتها، ولكل درس تعلمته، وتعلمت بأن العمر ليس عبئًا بل هدية وكل شعرة بيضاء ستظهر مجددًا ستروي قصة مليئة بالتجارب والأمل والحب. وايقنت بأن السعادة الحقيقية تتجسد في المحافظة على الجمال الأصيل في الروح، في الإبقاء على القيم النبيلة الراسخة في الأعماق، في العناية بالصوت الصادق النابع من الداخل. 


 


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة القاهرة

قصيدة الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري بعنوان (يا حبيبًا)

قصيدة الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري بعنوان (يا حبيبًا)
بوابة القاهرة

عفّة وأناقة قصيدة للدكتور الشاعر عبد الولي الشميري

عفّة وأناقة قصيدة للدكتور الشاعر عبد الولي الشميري
بوابة القاهرة

أمجد مراد في برنامج د. نادر الصيرفي: مشروع القانون "غربال"

أمجد مراد في برنامج د. نادر الصيرفي: مشروع القانون "غربال"
بوابة القاهرة

في قلبك الله قصيدة يكتبها الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري

في قلبك الله قصيدة يكتبها الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري
بوابة القاهرة

ما رَضِينا قصيدة يكتبها الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري

ما رَضِينا قصيدة يكتبها الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...