أسقطنا تمثال حافظ... وتركنا لافتة كيم!!

أسقطنا تمثال حافظ... وتركنا لافتة كيم!!

أسقطنا تمثال حافظ... وتركنا لافتة كيم!!


د. تمام كيلاني*

كنت في دمشق. في قلب الزحام والفوضى التي لا يمكن أن توصف.
أوقفت تكسي وقلت للسائق: "على كفرسوسة... قرب رأس مجلس الوزراء".

وانطلقت السيارة في جحيم.

كل ثانية أنظر فيها إلى اليمين أرى موتاً يمشي على عجلتين. سائق دليفري أو صاحب موتور يقاتل على الحياة. كنا نسير وكأننا في لعبة "من يموت أولاً".
وعندما اقتربنا صرت أشرح له بالسوكه: "الشارع الأول يمين، الثالث يسار، البناية قبل الزاوية".
وصلت بعد عناء، والضغط ربما وصل 200.

نزلت. ورائحتي كلها سجائر. سائق التكسي لم تطفئ سيكارته لحظة.
دخلت المصعد الذي انتظرتُه طويلا وأنا أصعد إلى الطابق التاسع خائفاً أن تنقطع الكهرباء فأُحبس ساعة.

وعندما خرجت قلت في نفسي
معناها أنا اسكن في
شارع كيم إيل سونغ.

توقفت. وسألت نفسي بصوت عالٍ:
الا يوجد في تاريخنا كله اسم عربي واحد؟ اسم إسلامي واحد؟ اسم شهيد واحد؟ حتى نسمي شوارعنا بأسماء طغاة كوريا الشمالية وثورات حمراء وصفراء؟

من الذي سمّى شوارعنا؟

في المساء جلست مع صديق في قهوة. القهوة لا تُرى من كثرة سحب الأراكيل البيضاء. نشرب قهوتنا وندخن "بالواسطة" لأن الجو نفسه صار شيشة.

قال لي صديقي جملة تلخص 50 سنة:
"النظام السابق كان يتعمد ذلك"

نعم. كان يتعمد.

1. أسماء بعثية:لتمجيد الحزب الواحد.
2. أسماء عائلة الأسد:لتحويل الوطن إلى مزرعة عائلية.
3. أسماء أصدقاء من الاشتراكية والشيوعية :كيم إيل سونغ، لين، تشي غيفارا.
لأن الهوية التي أرادوها لنا ليست عربية ولا إسلامية. الهوية التي أرادوها هي "هوية التبعية".

مسحوا حطين واليرموك والقادسية. مسحوا صلاح الدين وابن الوليد وابن سينا والرازي.
وضعوا مكانها أسماء لم نسمع بها إلا في نشرات الأخبار.

الإهانة مضاعفة

الإهانة ليست في الاسم فقط.
الإهانة أنك تختنق في زحام وفوضى وضغط وسجائر... ثم تكتشف أنك متَّ في "شارع كيم إيل سونغ".

كأنهم يقولون لنا: حتى موتكم يجب أن يكون على اسمنا. حتى عناوينكم يجب أن تكون من عند أسيادنا.

تحرنا من القصر. ولكن لم نتحر من اللوحات.

الخلاصة: معركة اللافتات

يا سادة، تغيير النظام ليس فقط بإسقاط التمثال.
تغيير النظام يبدأ بتغيير اللافتة.

الشوارع ذاكرة الأمم. وعندما تسمي شارعاً باسم طاغية أجنبي فأنت تقول لأولادك: "تاريخكم لا يساوي شيئاً".

نريد شوارع باسم الشهداء الذين سقوا هذه الأرض بدمهم.
نريد شوارع باسم العلماء والأدباء والقادة الذين صنعوا حضارتنا.
نريد عناوين نرفع رأسنا ونحن ننطقها. لا عناوين نخجل منها أمام الضيف.

كفى.
كفى كيم إيل سونغ. وكفى تشي غيفارا. وكفى لينين.
حان وقت أن تعود دمشق لأهل دمشق... بأسمائهم.

 

*رئيس الجمعية الطبية العربية الأوروبية/ فيينا.


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

أخبار عامة

في الشعر ... عندما تغنّي دمشق !! عمر سعيد

في الشعر ... عندما تغنّي دمشق !! عمر سعيد
أخبار عامة

مجلس صحار الثقافي يعزز حضور عُمان في مهرجان جرش للعام الخامس على التوالي!

مجلس صحار الثقافي يعزز حضور عُمان في مهرجان جرش للعام الخامس على التوالي!
أخبار عامة

تاريخ الصحافة العراقية: رحلة الكلمة من التأسيس إلى العصر الرقمي!

تاريخ الصحافة العراقية: رحلة الكلمة من التأسيس إلى العصر الرقمي!
أخبار عامة

النزاهة الرياضية في كأس العالم 2026: بين الحوكمة وتحديات الفساد!

النزاهة الرياضية في كأس العالم 2026: بين الحوكمة وتحديات الفساد!
أخبار عامة

الفيفا واختلال معايير المونديال ..!! أنس بابكر محمد

الفيفا واختلال معايير المونديال ..!! أنس بابكر محمد
أخبار عامة

الصحافة والحكومة... شراكة المساءلة!!

الصحافة والحكومة... شراكة المساءلة!!
أخبار عامة

وجه الحقيقة| غنائم الموت... صمت يوازي الفاجعة!!

وجه الحقيقة| غنائم الموت... صمت يوازي الفاجعة!!


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...