مباشر

سوريا بعد التحرير: تحررنا من الطاغية.. ولم نتحرر من الفوضى!

سوريا بعد التحرير: تحررنا من الطاغية.. ولم نتحرر من الفوضى!

سوريا بعد التحرير: تحررنا من الطاغية.. ولم نتحرر من الفوضى!


تمام كيلاني*

هذه زيارتي الخامسة لسوريا بعد التحرير.
والسؤال الذي يطرحه كل مغترب على نفسه قبل أن تطأ قدمه أرض الوطن: هل تغير شيء في سوريا؟

الجواب: نعم ولا

وأنا ممن يحبون أن ينظروا إلى الكوب بنصفه الملآن. لذلك سأبدأ به.

أولاً: ما الذي تغير... وتغير للأفضل

تغير الأهم. تغير الإحساس.

سابقاً كنت تدخل إلى وطنك وأنت خائف. اليوم تدخل وأنت فرح.
فرح بلقاء الأهل، والأصحاب، والذكريات، وبرائحة الحارات التي حرمت منها سنين.

1. المطار: دخلت وأنا مستريح. لا استجواب، لا تهمة جاهزة. أيام النظام البائد كان كل من يصل المطار متهماً حتى يثبت العكس. اليوم الوجوه تستقبلك ببشاشة.
2. الحاجز:المعاملة تغيرت. لم تعد كلمة "وقف على جنب" تعني الخوف.
3. الدوائر الحكومية:لمسة الاحترام عادت. الموظف ينظر إليك كمواطن لا كرقم.

هذا لوحده إنجاز. لأن كرامة الإنسان كانت أول ما سُلب منا. وعودتها هي بداية كل شيء.

ثانياً: ما الذي لم يتغير... بل ازداد سوءاً

ولكن التحرير السياسي وحده لا يبني وطناً. والحرية بدون نظام تتحول إلى فوضى.

1. فوضى الشارع: حرب السيارات
وضع السير في سوريا كارثة. كأنك تلعب كرة قدم لا تقود سيارة.
الدراجات النارية تطير، التجاوز من اليمين والشمال، الأولوية لمن "يطحش" أكثر.
هذه ليست أزمة بنزين. هذه أزمة أخلاق. 14 سنة من الحرب علمت الناس أن "القوي يأكل الضعيف" حتى في الشارع.

2. احتلال الرصيف: موت المشاة
في مدينتي حماة تحول الرصيف نهاراً إلى كراج سيارات، وليلاً إلى مقهى.
طاولات الورق والشيشة من يمينك وشمالك وأمامك وخلفك. لا تستطيع أن تمشي.
إذا أردت النوم مبكراً فالمزامير والضجيج يمنعانك. لا مراعاة لجار، ولا لطفل، ولا لمريض.

3. الشيشة في كل مكان
للأسف لا يخلو مطعم اليوم من الشيشة. دخلنا لنأكل فخرجنا ونحن نختنق. تحولت المطاعم إلى مقاهي، والهواء النظيف صار رفاهية.

4. الكهرباء: تحسنت ولكن...
نعم تحسنت كثيراً. الانقطاع أصبح بحدود 6 ساعات في اليوم بدلاً من 22 ساعة. هذه نعمة نشكر الله عليها. لكنها تذكرنا أن البنية التحتية تحتاج لسنين لتلتئم.

الخلاصة: معركة ما بعد التحرير

ما حدث في سوريا كان تحرير أرض من طاغية. وهذا نصف الانتصار.
والنصف الثاني أصعب: تحرير العقل من الفوضى، وتحرير الشارع من الهمجية، وتحرير الذوق العام من التشوه.

السياسة تغيرت في يوم. لكن ثقافة 50 سنة من القمع والخوف والرشوة لا تتغير في 5 زيارات.

سوريا اليوم وطن تفرح بالعودة إليه. وهذا يكفي لنقول "نعم تغير الكثير".
وسوريا اليوم تحتاج من أبنائها أن يتعلموا من جديد: كيف نحترم القانون، وكيف نحترم الجار، وكيف نحترم الرصيف.

التحرير الحقي يبدأ عندما نصبح أهلاً للحرية التي دفعنا ثمنها دماً.

"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"

*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

الكاميرا والعدم: جدلية التوثيق والموت في سردية الحرب!! طه عبد الرحمن

الكاميرا والعدم: جدلية التوثيق والموت في سردية الحرب!! طه عبد الرحمن
بوابة دمشق

"نزاز"... أنا ابن الحكاية من ألفها إلى ألفها..!!عمر محمد جمعة

"نزاز"... أنا ابن الحكاية من ألفها إلى ألفها..!!عمر محمد جمعة
بوابة دمشق

الحكمة ضالة المؤمن.. دروس من العالم لإعادة بناء سوريا !! د. تمام كيلاني

الحكمة ضالة المؤمن.. دروس من العالم لإعادة بناء سوريا !! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

"كل ليلة وليلة... وذاكرة الثلاثاء" !! د. تمام كيلاني

"كل ليلة وليلة... وذاكرة الثلاثاء" !! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

الانحراف السردي ومضمراته الدلالية قصة "ليلة صمت لطوف"!

الانحراف السردي ومضمراته الدلالية قصة "ليلة صمت لطوف"!
بوابة دمشق

مريم تمر.. تقول ما لا يقال وتسكن وطنها دوح قصيدة! كوثر جعفر

مريم تمر.. تقول ما لا يقال وتسكن وطنها دوح قصيدة! كوثر جعفر
بوابة دمشق

شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟ د. تمام كيلاني

شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟ د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...