الشعرُ وطنٌ آخر..!! عمرسعيد*

الشعرُ وطنٌ آخر..!! عمرسعيد*

 

الشعرُ وطنٌ آخر..!!

 

عمر سعيد*

 

هناك مدنٌ تستقبلُ أبناءها بالتصفيق، ومدنٌ تستقبلهم بالصمت. دمشق، في ليلة ختام مهرجانها الدولي للشعر العربي، فعلت ماهو أكثر .

على خشبة دار الأوبرا، وقف " بشار زرقان " بعد غياب ، كمغني يمثّل جزءاً من قصة مدينة تحاول أن تستعيد صوتها وتضم أبناءها. 

كان المشهد أكبر من حفل موسيقي: شاعرٌ يُستعاد بصوت مغنٍّ، ومدينةٌ تحاول أن تستعيد ذاكرتها عبر الموسيقى.

بدأ زرقان من " محمود درويش"، في تحية وفاء لشاعرٍ جعل من القصيدة وطناً للمنفى، ثم أخذ الجمهور في رحلة من الأغاني ، ومشى معهم في خريطة نورٍ للحبّ وللقلب .

 أخذنا إلى جهة أخرى: 

إلى الحبّ حين يصبحُ صلاة، وإلى الروح حين تبحثُ عن صورتها في مرآة الغيب.

وفي أغنياته ، جاءت قصائدُ النور تباعاً؛ عبد القادر الجيلاني جاء بالنور والسرّ. 

الحلاج جاء بالحضور والفناء: «والله ما طلعت شمس ولا غربت…».

 ثم ابن الفارض، في حبه الذي يصبح حيرةً، والروح ثمناً للوصال: «قلبي يحدثني بأنك متلفي».

 وبعده "طاهر رياض" في «حلاج الوقت».... وكأن الحلاج لم يمت، بل غيّر عنوانه وصار فكرةً ، وانتقل إلى زمننا.

هنا دخلنا إلى الحبّ، مع أحمد الشهاوي، وإلى الحب الإنساني مع مجنون ليلى؛ وهنا كانت براعة زرقان: لم يرسم جداراً بين العشق الإلهي والعشق الإنساني ، بالنسبة إليه، القلبُ واحد، وإن اختلفت أسماء المحبوبين.

وهنا، يكتشف الجمهور الدمشقي ، أنّ الحبّ يصيرُ نوراً وسراً، غياباً وحضوراً، حيرةً وفناء .

أما القصيدة الأخيرة، «أموت ولا تدري وأنت قتلتني»، فقد بدت كأنها المفتاح السري للحفل كله: بعد كلّ ذلك الكلام عن الروح والفناء والحضور والغياب، انتهى كل شيء إلى دمعة: «لساني وقلبي يكتمان، ولكن دمعي بالهوى يتكلم». 

كأنّ زرقان يقول إن الإنسان يستطيع أن يخفي موقفه، وأن يخفي حبّه، و خوفه، لكنه لا يستطيع دائماً أن يخفي أثر ما عاشه!

 

كانت اغنياته ، احدى عشرة قصيدة، وكأنها قصيدة واحدة: قصيدة القلب، حين يحبّ، وحين يتوه، وحين يعجز الكلام عن قول ما تقوله الروح. 

 زرقان نفسه يحمل في سيرته قصة المسرح السوري: بدأ ممثلاً وموسيقياً، اشتغل على الشعر والموسيقى والتصوف، وأسّس «دارة الفنون» في دمشق، ثم غاب عن خشبة الأوبرا سنوات طويلة. وعودته إليها اليوم، كانت عودة فنان، عودة سؤال: ماذا تفعل الثقافة حين تستعيد المدينة حقها في أن تسمع نفسها؟

قد تكون السياسةُ قادرة على تغيير الخرائط، والاقتصادُ قادراً على بناء الأبنية، لكنّ الثقافةَ هي التي تُعيد للمدينة ذاكرتها ومعناها.

لهذا لم يكن " زرقان " يغنّي في دمشق فقط ! ، كان يختبرُ قدرتَها على الإصغاء قليلاً ، وعلى الاحتواء أكثر .

وفي نهاية الحفل، حين خفتَ الصوتُ وبقي الصدى، بدا أنّ دمشقَ كانت بحاجة إلى كل الأغنيات والقصائد ...

دمشق بجرحها، كانت تحتاج الى عناقٍ العالم وهي تعانق أبناءها ، إلى أن تسمع صوتاً شاعرياً يقول لها:

ما غاب حقاً، لا يضيع… وما تحبّهُ المدن يعودُ إليها ذات يوم، ولو على هيئة قصيدة، أو موسيقى.

 

*كاتب فلسطيني/سوريا.

 

 

IMG-20260808-WA0075.jpg
IMG-20260808-WA0075.jpg

 

 

 

 


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

أخبار عامة

في الشعر ... عندما تغنّي دمشق !! عمر سعيد

في الشعر ... عندما تغنّي دمشق !! عمر سعيد
أخبار عامة

مجلس صحار الثقافي يعزز حضور عُمان في مهرجان جرش للعام الخامس على التوالي!

مجلس صحار الثقافي يعزز حضور عُمان في مهرجان جرش للعام الخامس على التوالي!
أخبار عامة

تاريخ الصحافة العراقية: رحلة الكلمة من التأسيس إلى العصر الرقمي!

تاريخ الصحافة العراقية: رحلة الكلمة من التأسيس إلى العصر الرقمي!
أخبار عامة

النزاهة الرياضية في كأس العالم 2026: بين الحوكمة وتحديات الفساد!

النزاهة الرياضية في كأس العالم 2026: بين الحوكمة وتحديات الفساد!
أخبار عامة

الفيفا واختلال معايير المونديال ..!! أنس بابكر محمد

الفيفا واختلال معايير المونديال ..!! أنس بابكر محمد
أخبار عامة

الصحافة والحكومة... شراكة المساءلة!!

الصحافة والحكومة... شراكة المساءلة!!
أخبار عامة

وجه الحقيقة| غنائم الموت... صمت يوازي الفاجعة!!

وجه الحقيقة| غنائم الموت... صمت يوازي الفاجعة!!


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...