إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!
جلال دشان*
لسنا في مقام معاداة أحد، ولا في مقام تصنيف الناس بين صالحٍ وطالح، فالله وحده يعلم ما في الصدور، لكننا في زمنٍ أصبح فيه الفرق بين الجوهر والمظهر مؤلماً.
ليس كل من أقام مائدةً أراد بها رياءً، وليس كل غنيٍّ ساعٍ إلى شهرة
فكم من غنيٍّ لا ينام إلا وقلبه مشغولٌ بجيرانه الفقراء، وكم من رجل أعمالٍ يُخفي صدقاته كما يُخفي عبادته، لا صورة، ولا إعلان، ولا لوحة شكر..
لكن الواقع المرير الذي نراه أن المظاهر صارت تتقدم على المعاني، أصبحت بعض الموائد أطول من نية أصحابها، وأكبر من أثرها الحقيقي..
نعيش زمناً تُقاس فيه المبادرات بعدد المتابعين، ويقاس العطاء بعدد مرات النشر،
وتُختزل الرحمة في لقطةٍ مُحكمة الإضاءة.
لم يعد السؤال: كم جائعاً شبع؟
بل: كم تفاعلاً حصدنا؟
وهنا لا نتحدث عن فقر المال، بل عن فقر المعنى. فقط يُفطر إنسانٌ بسيط مع أسرته على خبزٍ وتمر، وقلبه ممتلئ بالرضا، وجاره حاضرٌ في دعائه وقد تُقام مائدةٌ فاخرة، لكن صاحبها منشغلٌ بحسابات السمعة، أو خائفٌ من أن يُقال إنه غاب، الخوف من نظرة الناس أصبح عند البعض أثقل من الخوف من سؤال الضمير.
والحرص على الصورة أحياناً يفوق الحرص على الأثر ومع ذلك..
لا يجوز أن نعمم، ولا أن نختزل الصورة في لونٍ واحد، في كل طبقةٍ من المجتمع الصادق والمخلص، وفي كل طبقةٍ أيضاً من يسعى للمباهاة.
القضية ليست غنىً أو فقراً، بل صدقاً أو استعراضاً
فالنية هي التي تصنع الفرق بين مائدةٍ تُكتب في صحف الأرض، ومائدة تُكتب في صحف السماء.
إفطار الجائع ليس فضيلة لأنه قليل، بل لأنه خالٍ من الادعاء وإفطار الجامع ليس مذموماً لأنه كبير، بل إن خلت روحه من الإخلاص.
لسنا ضد المظاهر الجميلة، لكننا ضد أن تحل محل الجوهر.
لسنا ضد الكرم العلني، لكننا ضد أن يصبح بديلاً عن الصدق.
فالخير حين يُؤدى بمحبة، يثمر طمأنينة، وحين يُؤدى خوفاً من كلام الناس،
يُثمر قلقاً لا ينتهي
ويبقى السؤال لكل واحدٍ منا — قبل غيره —
هل نفطر لنُطعم؟
أم نفطر لنُرى؟
*كاتب رأي سوري/ فيينا.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
قصيدة المها يكتبها الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري
قصيدة الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري بعنوان (يا حبيبًا)
عفّة وأناقة قصيدة للدكتور الشاعر عبد الولي الشميري
أمجد مراد في برنامج د. نادر الصيرفي: مشروع القانون "غربال"
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...