اسمها ناي!! كوثر جعفر
اسمها ناي!!
كوثر جعفر*
في المطار، حاصرتهم الشرطة، شدّت الأصفاد إلى معاصمهم.
بينهم بدت فتاة أكثر إنهاكًا؛ وجه شاحب، جسد يرتجف بصمت، كأنها الناجية الوحيدة من حرب لم تنطفئ نيرانها بعد.
اقترب أحد أفراد الشرطة، جذبها بعنف، اختل توازنها وكادت تسقط. في اللحظة نفسها، تقدّم رجل بخطوة لا إرادية، أسندها قبل أن ترتطم بالأرض.
رفعت عينيها إليه، أومأت برأسها شاكرة. ردّ بإيماءة هادئة.
بسرعة، أبعدهما أفراد الشرطة، وأوقفوا الجميع في صفٍ واحد، يواجهون الحائط.
بعد انتهاء إجراءات اللجوء، نُقلوا مع بقية اللاجئين إلى القطار المتجه نحو مركز الاستقبال. جلسا متقابلين، يفصل بينهما صمت ثقيل يقطعه ارتجاج العربة، بينما كانت الأصفاد تلمع كلما لامسها الضوء، تذكرهما بأن الحرية ما زالت بعيدة، وأن الرحلة لم تبدأ بعد.
في المعسكر، عرف سهيل حكايتها. كان اسمها ناي
ابنة قرية جبلية سورية، كانت قبل الحرب تركض بين الحقول، تصعد التلال، تجيد التصفير، تلاحق القطعان حتى تغيب الشمس. تعرف أسماء الأعشاب البرية، ورائحة التراب بعد المطر، وتؤمن أن العالم أوسع من أن يضيق بقلب صغير.
جاءت الحرب، تبعها الاعتقال، ثم التعذيب، ثم البحر... زورق مطاطي يتأرجح فوق الموت، حملها إلى ضفة أخرى، ولم يحمل معها الفتاة التي كانتها
تركت تلك الرحلة امرأة في العشرينات، قليلة الكلام، تتأخر في الرد، تتعثر الحروف على شفتيها، حتى يظن الغريب أنها تعاني عيبًا في النطق، بينما كانت الكلمات تختبئ كلما عاد الخوف.
كانت نوبات الهلع تزورها بلا موعد.
يضيق نفسها، ترتجف أصابعها، تتسع عيناها، كأن بابًا حديديًا أُغلق من جديد، أو أن صرخة قديمة خرجت من جدار الزنزانة.
بعد كل نوبة، يغمرها صمت مطبق.
تجلس بعينين تائهتين، عاجزة عن تركيب جملة واحدة.
لم يحاول سهيل اقتحام ذلك الصمت.بالرغم انه في بعض الاحيان كان يضيق ذرعا من صمتها تقلب مزاجها لكنه يكتم كل هذا ليعود
يجلس بقربها، يناولها الطعام، يترك لها مكانه في الطابور، يشد وشاحها إذا انزلق عن كتفيها في برد المخيم.
حين ترتجف، يضمها حتى تهدأ أنفاسها.
يبقى إلى جوارها دون سؤال، كأنه يخبرها أن وجوده يكفي.
شيئًا فشيئًا، بدأت الكلمات تعود.
يسألها عن قريتها، عن أشجار الجوز، عن صوت الريح في الجبل، عن الأغنيات التي كانت ترددها وهي تركض خلف القطيع.
كانت تجيب بكلمة.
ثم بجملة.
ثم تبتسم.
كأنه لا يعيد إليها الكلام، بل يعيد إليها نفسها.
لم تتعلق به دفعة واحدة.
تسلل إليها كما يتسلل الدفء إلى أصابع متجمدة.
في البداية كان الرجل الذي أمسك يدها قبل أن تسقط.
بعدها صار الوجه الذي تبحث عنه كلما ازدحم المكان.
ثم أصبح الأمان.
كانت تحمل جمالًا هادئًا، بريئًا، يشبه صباحات القرى البعيدة. عينان واسعتان، وملامح طفلة تأخرت في مغادرة وجهها.
أما سهيل، فكان يقترب من الأربعين. طويل القامة، عريض الكتفين، أسمر البشرة، تتخلل شعره خصلات بيضاء قليلة، منحته وقارًا لم تعرفه في رجل من قبل.
لم تقع في حب ملامحه.
وقعت في حب الطمأنينة التي كانت تشعر بها كلما مشى إلى جوارها.
غادرا المعسكر.
فرقت بينهما المدن، لكن المسافات الأوروبية لم تستطع أن تباعد بين قلبيهما.
أحبا السفر بالقطار.
كانت تضحك كلما ركضا للحاق بقطار أوشك على المغادرة. يقفز سهيل أولًا، يمد يده إليها، فتقبض عليها بكل ثقتها، يجذبها إليه قبل أن تُغلق الأبواب.
لم تكن تخاف أن يفوتهما القطار...
كانت تخاف يومًا لا تجد فيه تلك اليد.
حل الشتاء الأول.
جلست ناي لأسابيع تحيك من الصوف وشاحين وقبعتين سوداويين.
قدمت له أحدهما، واحتفظت بالآخر.
ضحكت وهي تضع الوشاح بين يديه وهي تقول :
"حين يشتد البرد... ارتده، وتذكر أن هناك عناقًا ينتظرك.
احتفظ سهيل بالهدية.
مرت الأيام.
بدأت تلاحظ تغيرًا صغيرًا فيه.
صار صمته أطول.
تأخره في الرد أكثر.
تهرب عيناه كلما التقتا بعينيها.
كانت تشعر أن شيئًا ما ينكسر، لكنها لم تجرؤ على السؤال.
خافت من الإجابة أكثر من خوفها من الصمت.
وذات صباح، ذهبت إليه وقلبها يخفق بفرح خائف.
كانت تحمل خبرًا واحدًا.
خبرًا ظنت أنه سيجعل العالم أوسع.
كانت تريد أن تقول له:
سنصبح ثلاثه ...
سبقها سهيل إلى الكلام.
أخذ نفسًا طويلًا، ثم ابتسم ابتسامة شاحبة لم تصل إلى عينيه.
قال بصوت متردد:
"وصلني الخبر... وافقوا على لمّ الشمل. زوجتي والأولاد سيصلون خلال أيام.
ساد صمت طويل.
أراد أن يضيف شيئًا، أن يعتذر ربما، أن يشرح سنوات الغياب التي فصلته عن عائلته، لكن الكلمات خانته.
اكتفت ناي بالنظر إليه.
فهمت، فجأة، سبب ارتباكه في الأيام الماضية، وسبب هروب عينيه كلما التقتا بعينيها.
أنزلت يدها ببطء إلى بطنها، ثم سحبتها قبل أن يلاحظ.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، هادئة، تشبه استسلامًا بلا ضجيج.
قالت بصوت خافت:
أنا سعيدة من أجلك.
كانت تلك أصعب جملة قالتها في حياتها.
غادرت.
لم تلتفت خلفها.
لم تخبره أن قلبًا آخر كان ينبض داخلها.
انتقل سهيل إلى مدينة أخرى بعد وصول عائلته، وانشغل بإجراءات السكن والعمل وبداية حياة جديدة.
حاول الاتصال بها
كان الهاتف مغلقًا.
سأل في مكان سكنها
أخبروه أنها غادرت منذ أشهر.
أما ناي، فكانت قد غيّرت رقمها، ورحلت إلى مدينة بعيدة.
لم تهرب منه.
هربت من سؤال واحد لم تكن تحتمل سماعه:
لماذا أخفيتِ عني الطفل؟
كانت تؤمن أن بعض الأبواب، إذا أُغلقت برحمة، لا ينبغي أن تُفتح بالندم.
أنجبت طفلها.
أطلقت عليه اسم آدم اختارت له اسما لاتحاصره التهم .
كبر الصغير بين ذراعيها، بينما بقيت الحرب تكبر داخلها.
كانت نوبات الهلع تزورها كما لو أنها لم تغادر سوريا قط.
كل صفارة إنذار، كل باب حديدي، كل صراخ بعيد، كان يعيدها إلى الزنزانة.
ازدادت عزلتها.
أصبحت تحتاج إلى ممرضة ترافقها في تنقلاتها، تذكرها بمواعيد الدواء، وتنتظر معها حتى تعود من نوبات الصمت الطويلة.
أما آدم...
فكان الشيء الوحيد الذي ينجح في إعادتها إلى الحياة.
مرت أعوام.
وفي صباح شتوي، جلست ناي في قطار يشق المدن الأوروبية.
إلى جوارها آدم.
في المقعد القريب جلست الممرضة تقرأ كتابًا بصمت.
توقف القطار في إحدى المحطات. ركاب جدد.
رفعت ناي رأسها.
تجمد الزمن.
كان سهيل.
إلى جواره زوجته.
وبين يديه طفلة رضيعة.
أما ابنه، فكان يسير ممسكًا بطرف معطفه.
تلاقت العينان.
لم يعرف أيهما كيف يبدأ.
ابتسم ابتسامة مرتبكة.
بادلته بابتسامة صغيرة، تشبه تلك التي ودعته بها قبل أعوام.
لم يقولا شيئًا.
جلسا متقابلين.
كما جلسا أول مرة.
لكن هذه المرة لم تكن بينهما أصفاد...
بل سنوات كاملة.
كان آدم يراقب المطر خلف الزجاج.
استدار فجأة.
انكشف طرف أذنه.
توقفت عينا سهيل عند شامة صغيرة خلفها.
ظل ينظر إليها طويلًا.
رفع يده، دون وعي، ولمس الموضع نفسه خلف أذنه.
الشامة ذاتها.
العلامة التي يحملها رجال عائلته.
انتقل ببصره إلى ناي.
لم تخفض عينيها.
لم تؤكد.
ولم تنفِ.
كان الصمت أصدق من كل اعتراف.
وقع بصره بعدها على الوشاح الأسود الملتف حول عنقها.
ثم انتبه إلى قبعتها.
ابتسم بحزن.
أنزل عينيه إلى وشاحه.
كان لا يزال يحتفظ به.
توقّف القطار عند محطته.
جمع سهيل حقائبه.
حمل طفلته الرضيعة.
أمسك بيد ابنه وسبقته زوجته وابنته
وقبل أن يغادر، التفت نحو ناي للمرة الأخيرة.
كانت تضم آدم إلى صدرها.
كما لو أنها تخشى أن يأخذه منها الغياب.
التقت عيناهما لحظة قصيرة...
لحظة حملت عمرًا كاملًا.
فُتحت الأبواب.
نزل مع عائلته إلى الرصيف.
تحرك القطار ببطء.
ظل واقفًا يراقب العربة التي تحملها حتى ابتلعتها المسافة.
أما ناي...
فأغلقت عينيها، وأسندت رأسها إلى النافذة.
لم تبكِ.
اكتفت بأن أمسكت يد آدم.
ومضى القطار...
كما مضت حياتهما منذ اللقاء الأول.
على السكة نفسها...
لكن إلى محطتين مختلفتين.
*كاتبة سورية/ حلب.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
بين الطب الحديث وحكمة الوقاية…!! د.تمام كيلاني
الأستاذ المهندس طرفة بغجاتي… رجلٌ جعل من الحوار رسالة، ومن خدمة الإنسان منهجًا..!! د. تمام كيلاني
عمر الراوي… سيرة رجلٍ جعل من المشاركة عهدًا ومن الحوار رسالة..!! د. تمام كيلاني
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...