مباشر

الانحراف السردي ومضمراته الدلالية قصة "ليلة صمت لطوف"!

الانحراف السردي ومضمراته الدلالية قصة

 

 

الانحراف السردي ومضمراته الدلالية قصة "ليلة صمت لطوف"!

 

د. هناء إسماعيل*

 

 

القصة: لميس الزين/ سورية.

مع الإشراقة الباهتة لفجرٍ شتويّ يلفُّه السكون، ويمهر الصقيعُ ساعات صبحه الأولى بخاتم من جليد، فتح وحيد عينيه، عركهما ليتأكد أنه مازال حيَّاً لم يتجمّد، طار بنظرِه إلى حيث لطُّوف، حمِد الله أنَّها أيضا لم تزل حيَّةً ترزق، فالبرد قارسٌ وهي ليست بصِحة جيّدة مؤخرا.

لطُّوف هي كل ما تبقّى له من عائلة، وهذه القنطرة هي ملاذهما الأكثر أمنا ودفئا، فهي الغرفة الوحيدة التي ما تزال تمتلك مقوّمات غرفة، بما في ذلك بابٌ ما يزال قابلا للفتح والإغلاق، إضافة إلى أن جدرانَها الطينية السميكة وسقفَ الردمِ الترابيّ المحمولِ على جريد النخل وجذوعَ الحَورِ جميعَها شكَّلت عازلا طيّبا لشتاءٍ لم يملك وحيد وسيلة لدفع زمهريره سوى تلك الجدران وهذه الأغطية؛ بطانيتان يتوسطهما لحاف قطني منجَّد، ما تنفّكُّ نُتَفٌ من القطن المصفرِّ تحاول الفكاك والبزوغ من قماش التنجيد الذي كان أزرق يوما ما.

لحافٌ، وخزانة ثقيلة من الزَّان مركونةٌ في الزاوية، وهذا الفراش الصوفيّ الذي يلمُّ شعثَ لياليه مؤخرا، هي كل جهاز المرحومة أمِّه، أما البطّانيتان فحديثتا عهدٍ بالمكان، ملمسُهما الخشن واللون الرماديّ كأيّامه يدلُّ أنهما من بطانيات المعونة "مااااااااااااع."

_ لطُّوف كيف أصبحتِ يا غالية؟

"مااااااااع"_

_ بل أنتِ بخير. دعي عنكِ الدلال. لو حضرَ الآن تيس العم عوَّاد لعدتِ شابة في الخامسة.

ضحك للدعابة التي ألقاها. قبَّل رأسها، ثم حمل شيئا من أوراق خضار ذابلة وضعها أمامها؛ لكنها لم تُقبِل عليها، لقد فقدت الكثيرَ من شهيتها، بعد أن كانت تأكل الدفاترَ وعلبَ الكرتون وحتى قطع الصابون حين تطالها.

ابتسم مداعبا:

_ عجَّزتِ يا لطُّوف

_ مااااااااااع

كانت العنزة مربوطةً بحبلٍ إلى مسمارٍ مثبتٍ في الجدار، كان يُستخدم فيما مضى كعلّاقةِ ملابس يعلِّق وحيد عليها الجاكيت اليتيم الذي ورثه عن جارٍ توفي فرفض ابنه استخدام ملابس أبيه، فارتداء ثياب الموتى فألٌ سيء. كان ذلك عمل المسمار في الصيف، أما منذ أن دخل فصل الشتاء فقد بقي المسمار عاطلا عن العمل لأن وحيد لم يخلع جاكيته الدثار، يخرج فيه، يجلس فيه، يأكل فيه، وينام فيه؛ فلا يخلعه إلا وقت الاستحمام، لكن الوقت ما يزال مبكرا على الاستحمام فالربيع لم يئن بعد.

في الحقيقة وحيد ما كان ليترك لطّوف وحيدة في الزريبة حتى لو كانت بصحة جيدة. أن تبيتَ لطّوف مع وحيد هو أمر مهمٌ له كما هو ضروري لها؛ فلطّوف وحيدةٌ مثلُه، ولا أحد يعرف معنى الوحدة مثل وحيد الذي نال من اسمه كلّ حظوظِ المعنى. في الماضي كانت معزاته تعيش في الزريبة مع بضعة رؤوسٍ من الغنم، وحمار كان يحملهم إلى أرض الشيخ شاهر، المزروعة شعيرا وشيئا من خضار، حيث كانوا يعملون بالمرابعة فيأكلون ربع المحصول مقابل جهدهم. أكلت سنواتُ المَحْلِ، ومن بعدها عجافُ الحرب، كل ما حَوَتْ تلك الزريبة فبِيع ما بِيع من تلك الدواب وذُبِح ما ذُبِح. وحدها لطّوف من بقيت على قيد الوفاء والعناء. لطّوف الهرمة بلغت من العمر عتيَّا؛ ثلاثة عشر عاما في عرف العنز هو عمر يوازي في عمر الرجال سنّ التماس الحبوب الزرقاء نشدا لفردوس الشباب المفقود، وفي عمر النساء هي سنّ استجداء الصدور التي كانت عامرة والبشرة الملساء من عيادات التجميل والترميم.

اتجّه وحيد بحذر الى صنبور الماء متجنّبا الانزلاق في ما تجمَّد من مياهٍ في وهدات أرض الدار الاسمنتية التي خلَّفت فيها الشظايا حفرا وأخاديد. حنفيةٌ نحاسيةٌ واطئةٌ، مقامةٌ فوق حوض اسمنتي بجانب باب خشبي يفضي إلى دهليزِ طويل ينتهي بباب خارجي، لم يكن يغلق في الماضي إلا ليلا؛ فكان الزائر يكتفي بالنحنحة والنداء على أهل البيت إذ يصل إلى مشارف الباحة. أما حين غزت جماعات اللحى الحمراء والأفكار الدهماء قريتَه، فقد صار الإغلاق المحكَم حاجة مرتبطة بغريزة البقاء. خرجت الجماعات من القرية وقد أخذت معها فيما أخذت الشعور بالأمان، حلَّ مكانه توجسٌ حالَ دون إمكانية العودة للنوم بسَكِينة دون وضع الغَلَق الكبير على باب الدار الخارجي.

حمل إبريق الشاي المصبوغ بالسواد من الداخل وبهَبَاب بابور الكاز من الخارج، شطفه بقليل من الماء، مخرجا بيده قش الشاي الرابض في الإبريق منذ يوم أو أكثر، ونادى:

"_ لطّوووف.. هل ترغبين بقشّ الشاي؟

"مااااااع"_

"إن بقيتِ هكذا بلا أكل ستموتين يا هبلة"_

لوَّحَ بالإبريق بحركة دائرية ثم رشق الماء على تراب الزريعة الممتدة على مساحة بضعة أمتار مربَّعة، مساحةٌ باتت تحوي من الأشواك ومن سيقان الزرع اليابس أكثر مما تحوي من أخضره.

أعاد ملء الإبريق وتوجّه به إلى الجزء الخارجي من الزريبة الذي حوَّلَه إلى ما يشبه المطبخ بعد أن أودت قذيفة مسالمة بالمطبخ الأساسي. القذيفة كانت تقصد أماكن طبخ المؤامرات حين اعترض سبيلها مطبخ أم وحيد فنال حظّه مما اقترف بوقوفه هناك.

"هل تذكرين يوم سقطت القذيفة يا لطّوف؟"_

"مااااااااع"_

وحيد لا ينفكُّ يذكر تلك القذيفةَ، ليس لأنها نذير دمار وشؤم فقط، بل لأنها كانت آخر عهد نفيسة في البيت، وآخر تعنيف غاضب، ووعيد مزمجر سمعه منها. هو لا يدرك حتى اللحظة سبب غضبة نفيسة أن هرع للاطمئنان على لطوف بعد أن سقطت القذيفة! أيعقل أن نفيسة أرادته أن يطمئن عليها هي؛ زوجته؟

"ألم يخطر ببالكَ أني ربما كنتُ في المطبخ الذي دُمِّر؟"

في الحقيقة لا، لم يخطر بباله ذلك. ثم لِمَ الغضب وقد تبيَّنَ أنها كانت لحسن الحظ، أو لسوئه، في بيت الخلاء في الجهة الأخرى من أرض الدار؟!

"_ هل تعلمين يا لطّوف.. الحرب صعبة، تماما مثل لعبة الطرنيب التي يعشقها أولاد عمي ولم أفهمها يوما، لماذا يحبّونها؟"

"ماااااااع"_

شرب شايه دون أن ينتبه أنه من دون سكّر، بما أنّ لطّوف بخير فلا فرق بين شاي مُرّ وآخر مُحَلّى، بكل الأحوال هو لا يملك سكّرا.

لم يفهم وحيد قطّ ما الذي كان يزعج عائلته بكلامه مع لطّوف. لقد آمن موقنا أنها أكثر كائن يحبُّه، أكثر حتى من أمّه. فلطّوف هي الوحيدة التي لم تكن تسخر من أيِّ رأيٍ يبديه وحيد أو حديث يتفوَّه به، بل إنها تهزُّ رأسها بالموافقة لكلِّ ما يقول؛ يكفي أنَّها لم ترحل كما فعلت نفيسة.

"لا أفهم النساء يا لطّوف.. ما الذي أغضب نفيسة مني؟"_

"ماااااااع"_

نفيسة معذورة بالفرار من الحرب هذا ما اعتقده وحيد جازما، ولطّوف على الغالب من رأي وحيد، ولو أن ثالثا عايشهما بعد موت أمّه لأدرك أن فرار نفيسة مع سائقٍ إلى الحدود التركية، لم يكن هربا من الحرب بقدر ما كان تخلّصاً من زوجٍ لم يكن يوما الفحل الذي حلمتْ به.

نفيسة حَكَتْ غير مرة عن النقود الوفيرة ورغد العيش الذي هبط على أبناء عمومتها وعائلاتهم حين انضمُّوا إلى الجماعات المسلَّحة. وحيد ما كان ليمانع الانضمام إليهم إرضاءً لنفيسة، لولا أنَّ أقصى إمكانات الذبح لديه هي قطع رأس بَصَلة، وفي أحسن الأحوال بطّيخة. حين كانت أمّه تطلب منه ذبح دجاجة كان يستعين بصديقه برهوم، أو بابن عمته قدّور. قدّور محظوظ، الكلُّ يهابه، وهل يجرؤ أحد على تكذيب أو الغمز ممَّن كان اسمه قدّور؟ أكانوا يجرؤون على تركه والمضي وهو يتكلم كما يفعلون معه؟ بالطبع لا.

"_ أتعلمين يا لطّوف! ما كان على أمي أن تسمّيني وحيد، لو أنها أسمتني سطَّام، جاسم، رزّوق، داحوم،.. لاحترمني الناس. سامحها الله."

"ماااااااع"_

"_ ألا تصدقّين؟ أقسم لكِ إنهم كانوا سيحسبون لي حسابا، بل ولربما أحبّتني نفيسة أيضا."

" ماااااااع"_

طبعُ وحيد المجبول باللِّين لم يكن خافياً على أمّه، لطالما أسمعته عبارة:

"سيبقى حظُّك أسود يا ابن بطني ما دمت عاقلا هكذا كبنت البيت "

أما أكبر مخاوفها فكان أن تتحكَّم به زوجة بنت حرام، بل وقد تفعل ذلك بنت الحلال أيضاً:

"إذا بقيتَ رخواً هكذا، حتى لو زوَّجتُك قديسة فسوف تستوطئ حائطك"_

لم يكذب ظنُّ الأم، فنفيسة لم تحببه يوماً، ولم تحترمه، بل لم تتكبّد عناء الترفّق في الخطاب معه. زوجٌ لم يملك بنظرها من مقومات العقل أو الرجولة أكثر من العنزة لطّوف حبيبته! قالت له مرة:

"_ هل تعلم أنك تشبهها! أنت وعنزتك المصون تملكان الآذان المتهدّلة ذاتها. النظرة البلهاء نفسها، والأهم، لكليكما رائحة الزرائب."

حين كان يسمع كلامها هذا كان يكتفي بالانصراف إلى الزريبة فيجلس على كومة قش يتأمّل وجه لطّوف السمح، يسرح في البقعة البيضاء التي تتوسط فروة رأسها، يقرأ في عينيها الجاحظتين عبارات حانية لم يرها في وجوه أقرب الناس إليه، يحكي لها فتنصت، ويحاورها فلا تنصرف، هي وحدها تفهمه دون أن يشرح وغالبا دون أن يتكلم.

حين انتصف النهار كان وحيدٌ قد ناقش مع لطّوف القصص التي يناقشها معها كلَّ يوم، ويردّدها على مسامعها بالعبارات ذاتِها كلَّ مرة. لم تملّه، ولم تنصرف عنه، لا اليوم ولا في أي يوم مضى.

"مااااااع"_

خرجت الـ "ماااااع" هذه المرة أقلّ حدَّة وأخفض طبقة وكأنها انحدرت فجأة من طبقة الـ "سوبرانو" إلى الـ "باس."

قال لها:

"ها قد أصبح صوتكِ واهنا لأنك لا تسمعين الكلام. كان عليكِ أن تأكلي. هيا تعالي."

فكَّ الحبل وساقها إلى فراشه، وأقعى هو على حصير القشّ، ينظر بقلب مكسور إلى جفنَيْ لطّوف اللَّذَين صارا أقرب للإغماض الدائم؛ لكأنهما ما عادا قادرين على التفتح ثانية.

تحوّلت الماااااع إلى همهمة مكتومة، فوهن صوتُه أيضا واكتسى نبرةً من الحزن العميق.

"لطُّوووف... انهضي أرجوكِ"_

حمل إحدى بطانيتَيْ المعونة ولفَّها بها، أحسَّ بالبرد يسري من أطرافه إلى قلبه فالتفَّ هو بالأخرى، وأغمض عينيه ليغفو جالسا.

نهار الشتاء القصير كان قد أوشك على الرحيل حين لاحظ وحيدٌ أن الأنين المكتوم الذي كان يصدر عن لطّوف بين ساعة وأخرى قد توقّف، وتحوّل الجسد القابع على الفراش إلى كتلة لا يتحرّك فيها إلا نبض يتسارع حينا ويتباطأ آخر.

حمل إليها وعاء الماء:

"اشربي أرجوكِ"، لكن لا شرب، لا جواب، ولا ثغاء.

" لطّووووف! أرجوكِ لا تصمتي"، ما من مجيب.

شعر بموجة من الغضب تجتاح كيانه، زوبعة من رياح الأسى حملت معها عجاج السنوات العجاف التي تشكّل جُلَّ سنواتِ حياته لتذروها في عينيه فتتحولا إلى حبتَيْ خوخ أحمر تطفحان بدمعتين حارّتين بما يكفي لقتل البرد المحيط.

زحف إليها، انكبَّ فوقها، ضمَّ رأسها، التحم الجسدان في عناق طويل حتى لَيَظُنَّ الرائي أنهما كتلة واحدة هامدة إلا من نبضٍ خافت وشيءٍ من دفء بدأ ينسحب تدريجياً.

قبيل الصبح كان ثمَّة عاشقان فتيَّان على سطح دار قريبة يقطفان شيئاً من ثمار الشفاه المحرَّمة حين شاهدا قوس قزح يبزغ باللونين الأبيض والأبيض، وعبقت الأجواء برائحة مطرٍ بِكْر ممزوجة برائحة بنفسجٍ برّيّ لا تشبهها رائحة، على الرغم من أنها ليلة صحو لا غيمة فيها ولا هطل. في الأيام اللاحقة، جارةٌ أو أكثر من الجارات لصيقات الدُورِ شعرنَ بغيابِ المعزاة لاختفاء ثغائها، لكن أحدا لم يفتقد وحيداً؛ ربما لأنه لم يكن يثغو.

 

قراءة: د. هنـــاء إسماعـــيل:

باقتصاد لغويّ واضح، واتكاء على تقنيتي الزمان والمكان تنسج الكاتبة لميس الزين عالمها القصصي من إحداثيات واقعية محدودة؛ فزمن القصة لا يتجاوز نهاراً واحداً عدا خاتمته التي أشارت إلى توالي الأيام، ومكان لا يتجاوز غرفة صغيرة بملحقاتها المتصدعة، وشخصيتين رئيسة وثانوية هما "وحيد" وعنزته "لطوف" مع شخصيات هامشية أخرى.

ومن العنوان الذي يشكل عتبة دلالية تستبق فهم القارئ يقف المتلقي على إشارة الموت الذي خصّ لطوف، والعنوان بهذا الشكل يبدو تقليدياً من النوع الذي يسمّى قصّة مصغّرة عن العمل بمعنى أنّه يقدّم تلخيصاً يُجمِل معنى النصّ؛ وبهذا فهو يهيمن على القارئ، ويحرمه لذّة الاكتشاف والتدرّج القرائي ومتعة القبض على المعنى وفق السيرورة الجمالية للنصّ، وهو ما يتضح عكسه في خاتمة القصة وقفلتها؛ إذ تعمد الكاتبة إلى حيلة سردية تسير بالقارئ ظاهريٌاً نحو مناطق الاطمئنان القرائي، الذي تتركز فيه بؤرة السرد على العنزة المريضة التي تجاوزت الثلاثة عشر عاماً وهو سنٌ الهرم، مع واقع محايث قهري، سببه افتقاد صاحبها لأبسط أوٌليات الحياة، من مأكل ومشرب ودفء وسوى ذلك. وهو واقع أظهرته الكاتبة منذ الأسطر الأولى للقصة؛ إذ يؤدي الفضاء القصصي زماناً ومكاناً وشخصيات دوره في الإشارة إلى بؤس وحيد وتقزٌمه وإحساسه بالفقد والوحدة، وهو في هذا يمتاهى مع عنزته، وتتماهى عنزته معه، فكلاهما أسير قدر واحد، في نهار شتوي قارس هو زمن القصة الذي اعتمدته الكاتبة:" مع الإشراقة الباهتة لفجر شتوي يلفه السكون، ويمهر الصقيع ساعات صبحه الأولى بخاتم من جليد، فتح وحيد عينيه، عركهما ليتأكد أنه مازال حيٌاً لم يتجمٌد، طار بنظره إلى حيث لطوف، حمد الله أنٌها أيضاً لم تزل حيٌة ترزق، فالبرد قارس، وهي ليست بصحة جيدة مؤخٌراً.

ومن خلال هذه الفاتحة السردية التي تُبئِّر قسوة الشتاء بمفردات وجمل دالّة وعميقة مثل (تمهر، الصقيع، خاتم من جليد...) تتضح طبيعة العلاقة بين "وحيد" و"لطوف"؛ فخوفه على حياته الذي يبدو حالة يومية اعتيادية بسبب الصقيع الذي جعله يفحص نفسه ليتأكد أنه "مازال حيٌاً لم يتجمٌد"،بدا عاديٌاً قياساً بخوفه على "لطوف"، ففرك العينين يكون بطيئاً، وهو دليل هدوء وتقبٌل نوعاً ما إذا ما قيس بـ"طار بنظره إلى حيث لطوف"، والطيران حركة سريعة ولهفة وخوف أعظم، وخوفه عليها أكبر من خوفه على نفسه، لسبب يشملهما معاً، وهو البرد القارس، ولسبب يخصٌها وحدها؛ إذ هي مريضة و"ليست بصحة جيدة مؤخَّراً."

ولا توفٌر الكاتبة جهداً في الإشارة إلى هذه العلاقة الحميمة مع "لطّوف"، فما إن ينتهي المقطع الأول بلهفته عليها حتى يفتتح الثاني بتعريف القارئ عن شكل العلاقة معها، فهي من عائلته، بل" لطوف هي كل ما تبقى له من عائلة، وهذه القنطرة هي ملاذهما الأكثر أمناً ودفئاً."

وإذ يحضر المكان كحاضن للشخصيتين "وحيد" و"لطوف"، الشاهد على ألفتهما وعلاقتهما الحميمة، ينسحب السرد بسلاسة نحو تبئير المكان، وفي هذا تأدية لوظيفتين دلالية وجمالية، وتحمل الدلالية إشارات الفقر والبؤس والمعاناة القهرية اليومية للشخصية القصصية، وأما الجمالية فهي كسر ألفة القراءة ورتابتها، فالتنويع في السرد عبر نقل بؤرته، من موضوع إلى آخر، من زمان ومكان وشخصيات وسواها، يُبعِد عن القارئ ما قد يحسٌه من سأم قرائي فيما لو استمرت بؤرة السرد في مكان واحد، فصعود مشهد وهبوط آخر يشكِّل فسحة قرائية وإنعاشاً لتلقيه.

وتتكئ الكاتبة على تقنية الوصف معتمدة على حواس البصر واللمس والشم والسمع التي تعمق الوعي بهذه الصور السردية؛ فالمكان بائس رطب طينيٌّ سقفه من جريد النخل، ومع ذلك كان بالنسبة إلى البطل مكاناً آمناً وركناً يتوسّل من خلاله الحماية، إذا ما استعرنا تعبير باشلار في جماليات المكان عنده. وتغرق الكاتبة في رسم لوحة تفصيلية لهذا المكان مع ملحقاته، ما يعطي صفة واقعية للنص ويقربه من القص التقليدي الذي عرفته القصة السورية سابقاً:" وهذه القنطرة هي ملاذهما الأكثر أمناً ودفئاً، فهي الغرفة الوحيدة التي ما تزال تمتلك مقومات غرفة، بما في ذلك بابا ما يزال قابلاً للفتح والإغلاق، إضافة إلى أن جدرانها الطينية السميكة وسقف الردم الترابي المحمول على جريد النخل...

تعمد الكاتبة إلى تقنية المفارقة الزمنية، وتحديداً الاسترجاع لتضيء جانباً مما خفي على القارئ من ماضي الشخصية القصصية؛ فمأساته سببها الحرب، وزوجته تركته لتفرٌ مع رجل آخر، ومن سلك سبيل الفساد نال ما نال من الحظ والثروة على خلافه هو الشخصية الرقيقة التي لا تقوى على ذبح دجاجة، والذي لم يغره شيء مقابل إنسانيته، فكانت حياته على هذه الشاكلة، في بيت تهدم بفعل الحرب، وأم ميتة كانت تخاف عليه من لينه ورقته، وامرأة سيئة تركته لتهرب مع سائق سيارة، وتعيش خارج البلد

وإذ يضيء الاسترجاع ماضي الشخصية القصصية، ويعمد إلى سدٌ فجوات النّص، فيما يتعلق بوحيد، فإنه بالمقابل يأتي ليعمق الوعي بعلاقة "وحيد" و"لطوف"، فهذه الإشارات إلى التماهي بينهما لم ترد على لسان السارد وحسب، وإنما جاءت على لسان زوجة "وحيد" أيضاً ما يخرج الحدث من قبضة السارد ويعطيه مصداقيته:" هل تعلم أنك تشبهها! أنت وعنزتك المصون تملكان الآذان المتهدلة ذاتها، النظرة البلهاء نفسها، والأهم، لكليكما رائحة الزرائب."

و"وحيد" لا ينكر تعلُّقه بعنزته، فهي وحدها التي تسمع له ولا تعترض، ولا تسخر، وهي مثله وحيدة، وهو أمر ساعد الاسترجاع على معرفته أيضاً

وتجتهد الكاتبة في كل ما له علاقة بلطوف، من ضعف في جسدها، وفقدان شهيتها للطعام تدريجياً، وضعف نبضها بالتدريج، وقلق وحيد عليها، وعدم توفيره جهداً ليبث الحياة في جسدها، كل هذه المشاهد المتراكبة، المتتالية تعمل على توجيه القراءة باتجاه موت لطوف وصمتها الذي أنبأ عنه العنوان، ما يشكِّل شيفرة معاضدة للمعنى توقَّعها القارئ، وأحسَّ بها بالتدريج:" نهار الشتاء القصير كان قد أوشك على الرحيل حين لاحظ وحيد أنٌ الأنين المكتوم الذي كان يصدر عن لطوف بين ساعة وأخرى قد توقٌف، وتحوٌل الجسد القابع على الفراش إلى كتلة لا يتحرك فيها إلا نبض يتسارع حيناً ويتباطأ آخر...

والواقع أن التسليم بكون "لطوف" بؤرة السرد الأساس يفقد النصٌ قيمته، ويجعل من خاتمته اعتيادية وباهتة الأثر، وخاصة أنٌها جاءت مصادقة لما بشٌر به العنوان" ليلة صمتت لطوف" فلطوف صمتت بفعل موتها بعد نهار شتوي قارس، وهل في هذا معنى يضاف إلى العنوان؟ أسئلة سيطرحها القارئ بلا شك، لكن السارد لا يتركه لحيرته، طويلاً؛ إذ في الخاتمة ما هو أقسى من موت لطوف وصمتها، وهو موت وحيد وصمته، فالعنوان القبلي المُضمَر هو بلا شك "يوم صمت وحيد"، لكن عدم الإعلان عنه، لم يأت ليمنح القصة دفقتها التعبيرية والشعورية القوية وحسب، بقدر ما عمٌق الوعي بقسوة ما آلت إليه العلاقات الاجتماعية والإنسانية في ظل حرب لم تهدم الحجر وتقطع اوصال الأمكنة وحسب، بل هدمت البشر وقطعت اوصال العلاقات الإنسانية أيضاً، وهو المعنى الحقيقي المخبوء في النص؛ إذ بدا في سيرورة القصة سرديٌاً مجرد ظلٌ للحدث، وزٌعته الكاتبة على امتداد القصة بحيث لا يعيق الحدث الظاهر، بل عملت جهدها على الانحراف بالسرد إلى مناطق الاطمئنان الظاهر، لتقفل القصة بهذه الدفقة الشعورية القاسية الأثر، ليس بموت "وحيد" متماهياً في نهايته مع "لطوف"، ولكن بموته بصمت لم يعه جيرانه الأقرب إليه، فغياب "لطوف" اتضّح من اختفاء ثغائها، لكنّ أحداً لم ينتبه لصمته وغيابه وموته ليس لأنه لم يثغٔ مثل لطوف، ولكن لأن العلاقات الإنسانية تفتّت؛ ولأن شيئاً ما تمزّق بين نسيج المجتمع، فلا تواصل، ولارؤية ولا صوت يُسمَع.

القصة ماتعة تناولت قضية الحرب بسلاسة وذكاء مركِّزةً على الجوانب الخفية لعمق المأساة الإنسانية في ظل الحرب، اتكأت على الزخم العاطفي لتحريك وجدان القارئ باتجاه التعاطف مع شخصيتي القصة الأبرز وحيد وعنزته، وإدانة واقع الحرب وما جرٌته من ويلات على الحجر والبشر في المرجع الذي يُوهِم به النّصّ.

 

*أديبة وأكاديمية سورية/ طرطوس.


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

مريم تمر.. تقول ما لا يقال وتسكن وطنها دوح قصيدة! كوثر جعفر

مريم تمر.. تقول ما لا يقال وتسكن وطنها دوح قصيدة! كوثر جعفر
بوابة دمشق

شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟ د. تمام كيلاني

شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟ د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

د. تمام كيلاني يزور مشفى جامعة حلب ويسلّم أجهزة طبية حديثة لدعم قسم العينية!

د. تمام كيلاني يزور مشفى جامعة حلب ويسلّم أجهزة طبية حديثة لدعم قسم العينية!
بوابة دمشق

غربتان في روايتي الأديب الراحل أحمد جميل الحسن! عمر محمد جمعة

غربتان في روايتي الأديب الراحل أحمد جميل الحسن! عمر محمد جمعة
بوابة دمشق

حماه بين أركيلة الليل وصوت الحريه ..!!د. تمام كيلاني

حماه بين أركيلة الليل وصوت الحريه ..!!د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

د. تمام كيلاني يقدم أجهزة طبية حديثة لقسم العينية في مشفى المواساة! روعة سنوبر

د. تمام كيلاني يقدم أجهزة طبية حديثة لقسم العينية في مشفى المواساة! روعة سنوبر


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...