الوقوف على أطلال البداوة!!
عبد الكريم العفيدلي
الوقوف على أطلال البداوة!!
عبدالكريم العفيدلي*
يصعب اليوم أن نتحدث عن البداوة بوصفها حياة قائمة كما كانت، فقد تغيرت شروط العيش التي صنعتها، واستقرت القبائل التي كانت ترحل، وزرعت الأرض التي كانت تعبرها بحثاً عن الماء والمرعى ، ودخل أبناؤها الأسواق والجامعات والوظائف، وصارت التجارة والزراعة والعمل في مؤسسات الدولة جزءاً من حياتهم، وحل البيت المشيد من الإسمنت محل الخيمة، والسيارة محل الراحلة، والهاتف محل المنادي، وأصبح الانتقال بين المدن يتم في ساعات بدل أن يكون رحلة طويلة مع القافلة، حتى إن القبائل التي تأخر استقرارها عن غيرها لم تلبث أن لحقت بها، وأصبح الاستقرار في النهاية القاعدة التي اجتمعت عليها جميع القبائل تقريباً. لم يكن في ذلك انقلاباً على الأصل ولا خيانة للماضي، بل كان نتيجة طبيعية لتغير الحياة نفسها، فالناس لا يظلون أسرى لطريقة عيش انتهت أسبابها، وما كان ضرورة في زمن قد يصبح في زمن آخر مجرد ذكرى.
لكن اللافت أن البداوة التي غادرت الحياة لم تغادر الكلام، بل ربما ازدادت حضوراً فيه كلما انحسر حضورها في الواقع، فتحولت من نمط اجتماعي واقتصادي إلى هوية رمزية، ومن تجربة عاشها الأجداد إلى مادة يتحدث بها الأحفاد، ومن حياة لها شروطها القاسية إلى صورة منتقاة لا يظهر فيها إلا ما يصلح للفخر. وهنا نشأت مفارقة واضحة ، فالرجل الذي يعيش في بيت من الرخام، ويقود سيارة حديثة، ويتعامل مع الهاتف والبنك والسوق والجامعة والمستشفى، ويعمل في التجارة أو الوظيفة، لا يعيش حياة بدوية، وهذا ليس انتقاصاً منه ولا من البداوة، وإنما هو وصف لحقيقة لا تحتاج إلى جدال، ومع ذلك قد يتعامل مع البداوة وكأنها منزلة أخلاقية ورثها مع اسمه، فيرى في الانتساب إليها ما يكفي لإثبات الأصالة، بينما لا يتوقف كثيراً عند السؤال الأهم: ماذا بقي من القيم التي كانت تمنح تلك الحياة معناها بعد أن انتهت الحياة نفسها؟
فالبدوي القديم لم يكن يعيش في الخيمة لأنه يعتقد أنها أرقى من البيت، ولم يكن يرحل لأنه يرى الترحال فضيلة في ذاته، ولم يكن يبحث عن الماء والكلأ لأنه يريد أن يصنع لنفسه صورة رومانسية في ذاكرة أحفاده، وإنما كان يفعل ذلك لأن تلك كانت شروط حياته. كانت الصحراء تفرض على الإنسان اقتصادها وأخلاقها معاً، الماء مورد نادر، والجار ضرورة، والضيف مسؤولية، والوفاء بالعهد وسيلة لحفظ الثقة، والنجدة جزءاً من نظام اجتماعي لا يستطيع الفرد أن يعيش خارجه. لذلك كان للكرم معنى يتجاوز المباهاة، وللجوار حرمة تتجاوز الكلام، وللوعد قيمة تتجاوز المجاملة، وكانت الشجاعة في كثير من الأحيان ضرورة بقدر ما كانت فضيلة. أما نحن فقد أخذنا من تلك الحياة صورها التي تصلح للذاكرة، وتركنا شروطها التي صنعتها، فأصبح من السهل أن نفتخر بكرم الأجداد دون أن نتحمل شيئاً من كلفة الكرم، وأن نتحدث عن الشجاعة دون أن نعرف متى ينبغي أن نقف، وأن نروي أخبار الغزو بوصفها أمجاداً مجردة من سياقها التاريخي، وكأن ما كان جزءً من اقتصاد الصحراء وصراع الجماعات على الموارد يمكن نقله إلى حاضر مختلف تماماً ثم تقديمه بوصفه فضيلة أخلاقية خالصة.
ولعل أكثر ما يكشف هذا الانفصال بين الصورة والواقع أن بعض الذين يتحدثون عن شظف العيش القديم لا يحتملون شيئاً من شظف الحياة الحديثة، قد ينقطع التيار الكهربائي عن المكيف مدة قصيرة فيضيق المرء بالحياة، ثم يعود إلى مجلسه ليتحدث بإعجاب عن أجداد كانوا يقطعون المسافات في القيظ بحثاً عن الماء، وكأن الصحراء كانت قصيدة ماتعة لا حياة شاقة. نحن نحب من الماضي بطولته أكثر مما نحب مشقته، ونستحضر الفارس وننسى الرمل، ونذكر الكرم وننسى الحاجة، ونستعيد الخيمة كرمز وننسى لماذا كانت الخيمة ضرورية أصلاً. وهذه طبيعة الذاكرة ، فهي حين يبتعد عنها الزمن تميل إلى الاحتفاظ بالصور وإسقاط التفاصيل، فتتحول التجربة التاريخية شيئاً فشيئاً إلى أسطورة اجتماعية، ويصبح الماضي أكثر جمالاً كلما ابتعدنا عن ظروفه الحقيقية.
ومع ذلك فإن المشكلة ليست في الاعتزاز بالتاريخ، فالإنسان الذي لا يعرف تاريخه يفقد جزءً من وعيه بنفسه، وإنما المشكلة حين يتحول التاريخ إلى بديل عن الحاضر، وحين يصبح نسب الإنسان أهم من سلوكه، وماضي قبيلته أهم من أفعاله، وحين يعتقد المرء أن الفضائل تنتقل إليه بالوراثة. لا أحد يرث الكرم لأنه وُلد في بيت كريم، ولا الشجاعة لأنه ينتمي إلى قبيلة عرفت الفرسان، ولا الوفاء لأن جده كان وفياً ، يمكن للإنسان أن يرث اسماً عظيماً ثم يقضي حياته في الإساءة إليه، ويمكن لرجل لا يعرف أحد نسبه أن يصنع من أفعاله ما يجعل اسمه جديراً بأن يُعرف. النسب يفسر الأصل، لكنه لا يمنح صاحبه شهادة أخلاقية، والتاريخ لا يعفي الأحياء من مسؤولية أن يصنعوا تاريخهم الخاص.
ومن هنا فإن اختزال العرب في البادية يحتاج هو الآخر إلى مراجعة، لأن العرب لم يكونوا جميعاً أهل صحراء وترحال، كما أن المدينة لم تكن غريبةً عن تاريخهم. عرفت الجزيرة العربية مدناً وأسواقاً ومراكز تجارية ومجتمعات زراعية وممالك قامت على أنظمة سياسية واقتصادية وثقافية، وكانت مكة مركزاً دينياً وتجارياً، وكانت يثرب مجتمعاً زراعياً مستقراً، وعرفت جنوب الجزيرة ممالك وحضارات مثل سبأ وحِمير، وعرفت مناطق أخرى من الجزيرة تاريخاً طويلاً من التجارة والعمران والتفاعل مع العالم المحيط. كانت البادية جزءً من المشهد العربي، لكنها لم تكن المشهد كله، والعروبة أوسع من أن تختصر في نمط حياة واحد.
ولهذا أيضاً فإن الخلط بين العربي والأعرابي يفضي إلى تصور تاريخي غير دقيق ، فالأعراب وصف لجماعات البادية في سياقات معينة، وليس اسماً لجنس منفصل عن العرب، كما أن العربي يمكن أن يكون من أهل المدينة أو من أهل البادية، ولا يفقد عروبته حين يستقر، كما لا يكتسب الإنسان منزلة أخلاقية لمجرد أنه عاش في الصحراء. والإسلام نفسه لم يجعل البداوة معياراً للتفاضل، ولم يجعل القبيلة سلّماً للصعود الأخلاقي، وإنما نقل مركز القيمة إلى الإنسان وما يفعله، ولذلك لم يعد من المنطقي أن نتعامل مع الأصل بوصفه فضيلة مكتملة، فالفضيلة لا تُورث وإنما تُمارس.
ومن المؤسف أن بعض الخطاب المعاصر لا يحتفظ من البداوة إلا بأكثر عناصرها قابلية للاستعراض، فيكثر الحديث عن النسب والغزو والفروسية، بينما تتراجع القيم التي كان يمكن أن تعبر من ذلك العالم إلى عالمنا الجديد. يصبح السيف معلقاً على جدار مجلس حديث، والخيمة منصوبة في حديقة قصرٍ فخم، وتتحول مفردات الصحراء إلى جزء من المشهد الاجتماعي، بينما يعيش أصحابها حياة لا تمت إلى شروط البادية القديمة بصلة. ولا مشكلة في أن تكون الخيمة للذكرى أو أن يكون السيف للزينة، فالمشكلة ليست في الأشياء وإنما في الاعتقاد بأن الاحتفاظ برموز الماضي يكفي للاحتفاظ بروحه، وأن من ينصب خيمة أمام قصر يكون قد حافظ على البداوة، مع أن البداوة ليست قماشاً وأعمدة، كما أن الحضارة ليست رخاماً وواجهات.
الحضارة في حقيقتها تغير في طريقة الإنسان في النظر إلى نفسه وإلى الآخرين، ولذلك يمكن لإنسان أن يسكن قصراً ولا يكون حضارياً في سلوكه، كما يمكن لرجل عاش في البادية أن يحمل من القيم الإنسانية ما يفوق ما يحمله كثير من سكان المدن. وما يستحق أن يبقى من البداوة ليس شكلها الذي انتهت الحاجة إليه، وإنما بعض ما أفرزته من قيم حين كانت الحياة شديدة الاعتماد على الجماعة: أن يكون للضيف مكان، وللجار حرمة، وللعهد وزن، وللضعيف حق في النجدة، وللكلمة قيمة، وللرجل قدرة على الوفاء بما يقول. هذه القيم لا تحتاج إلى خيمة لكي تعيش، بل تحتاج إلى إنسان يؤمن بها ويمارسها، ولذلك يمكن أن تنتقل من البادية إلى المدينة من دون أن تفقد معناها، بينما يمكن أن تبقى الخيمة قائمة ولا يبقى من تلك القيم شيء.
وربما لهذا تبدو صورة خيمة منصوبة أمام قصر أكثر من مجرد صورة عابرة ، إنها تختصر علاقة مضطربة بين ماضٍ لم يعد موجوداً وحاضر لا يريد بعض الناس الاعتراف بأنه أصبح حياتهم الفعلية. القصر هو الحاضر بكل ما فيه من عمران ورفاه وتقنية، والخيمة هي الماضي وقد تحول إلى رمز، والإنسان بينهما يريد أن يعيش في الأول ويستمد مكانته من الثاني. لكنه لا يستطيع أن يعيد الزمن إلى الوراء، ولا يحتاج أصلاً إلى ذلك، فالماضي لا يُحفظ بإعادة تمثيله، وإنما بفهمه، وما يستحق البقاء منه لا يبقى لأننا نعلقه على الجدران أو نردده في المجالس، بل لأنه يظل صالحاً للإنسان بعد أن تتغير الظروف.
لقد خرجت القبائل من البادية، وهذا أمر طبيعي في حركة المجتمعات، وربما كان الأجدر بنا أن نقبل بذلك كما قبل به الذين عاشوا البادية أنفسهم، وأن نترك الماضي في مكانه من غير أن نحوله إلى سلاح للتفاضل بين الناس. فالذي يستحق أن نورثه لأبنائنا ليس ادعاء أننا أكثر أصالة من غيرنا، وإنما أن نكون نحن أنفسنا جديرين بما ننتسب إليه، وأن تتحول أسماء الأجداد من وسيلة للفخر إلى مسؤولية أخلاقية، بحيث لا يكون السؤال ماذا كان أبي وجدي، بل ماذا صنعت أنا بما ورثته عنهما.
فالبداوة انتهت بوصفها نظام حياة في معظم البيئات التي تغيرت شروطها، لكنها تستطيع أن تبقى بوصفها ذاكرة وقيمة وتجربة تاريخية إذا تعاملنا معها بعقل لا بوهم، واحترمناها من غير أن نقدسها، وفهمنا ظروفها من غير أن نستنسخها، وأخذنا منها ما يصلح للإنسان في زمننا وتركنا ما كان ابناً لزمانه. أما أن نعيش بكل تفاصيل المدينة ثم نستعمل البداوة لقباً يمنحنا تفوقاً على الآخرين، فذلك لا يحفظ البداوة وإنما يحفظ صورتها، والصورة مهما طال بقاؤها لا تعيد الحياة إلى ما انتهى.
لقد خرجنا من الخيمة، وليس في ذلك ما نخجل منه، لكن السؤال الحقيقي هو ماذا خرج معنا منها ، فإن خرج معنا الكرم والوفاء والنخوة وحفظ الجوار وإغاثة الملهوف فقد بقي من البداوة شيء حي، وإن خرج معنا الاسم فقط، فقد حملنا خيمة في الذاكرة، ثم وقفنا بها أمام قصر كبير لا نسكنه إلا نحن.
*شاعر وكاتب سوري/ الرقة.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
"ذاكرتي تمطر أقحواناً".. رسائل للحب والحرب!!
نحن لانموت لأن قلوبنا تتوقف ..!! عائشة ابراهيم قسوم
مسابقة القصة القصيرة.. رابطة الكتاب العرب الأدبية!
الإكثار من التبرير في علم النفس..!! أنس بابكر محمد
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...