التعليم تخلف في الأسلوب، وجمود في الوسائل

التعليم تخلف في الأسلوب، وجمود في الوسائل

التعليم تخلف في الأسلوب، وجمود في الوسائل
بقلم/د.عبد الولي الشميري


التعليم ومخرجاته هي بيت القصيد وسر كل الأسرار، وهو الحاضر وهو المستقبل، فهل رأينا حضارة أو نهضة قامت على وجه الأرض في أي مكان بالجهل أو بالأمية؟ أو رأينا رسالة سماوية أو تقدماً علمياً حازه مجتمع ما؛ بغير العلم والتنوير؟ لقد تعلمنا من كلام الله عن مهمة الرسالة السماوية لمحمد رسول الله كغيره من الأنبياء والرسل السابقين: (ويعلمهم الكتاب والحكمة);  حتى قال نبيّ الله (إنما بعثت معلما);. والعلم هو الكنز المباح المشاع بين الناس، ينال منه كل من طلبه ما يشاء، وينمو ويزداد ويبقى كلما أنفقت منه، بينما المال ينتهي ويفنى بانفاقه، كانت رسالة التنوير والتثقيف تشع في مصر من (الكُتَّاب); بضم الكاف وتشديد التاء ومن (المعلامة); في اليمن، وهي المكان الّذي يمثل رؤية واضحة عن مستقبل الطفل الطالب منذ الصغر ويحدد كونه إما متعلماً أو جاهلا، وكان المعلم في الكتّاب أو المعلامة، هو الأسطورة الكبرى في حياة الطالب، هو القدوة الحسنة التي يجب أن تتصف بصفات الأدب والأخلاق، والتهذيب والصبر، والأخلاق الفاضلة، وكان التأدب في مقامه والإحترام في حضرته مقدماً على الأب والأم، وكان هو المبجل الّذي كبرنا ونحن نعيش ونتخيل شخصيته وهيئته وتصرفاته، هيئة خالدة في الذاكرة حتى اليوم، وقد أحسن الأمير شوقي  في تعليل التأدب له حين قال:

قـــــــــم للمعلــم وفــّـــــــــــه التبجيـــــــــــــــــــلا      كاد المعلــم أن يكون رســـــــولا

أعلمت أشرف أو أجل من الّذي      يبنــــــــي وينشئ أنفساً وعقـــولا

ســـــــــــبحانك اللهــــــــــــم خـــــير معلم       علّمت بالــــقلم القرون الأولى

لقد كان خريج تلك المدارس القديمة يتقن عددا من الفنون والعلوم قبل بلوغ العاشرة، ومن أولوياتها حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، وجوهرة الآداب التي تعلم الطفل علم السلوك مع نفسه وربه وأبويه وأهله وجيرانه وأستاذه وزملائه والمجتمع وسلوك آداب الحياة بأسرها، ثم حفظ مختارات دواوين شعرية فصيحة، لتنمية الذوق الفني والإيقاعي وإتقان الكتابة والخطوط، ومعرفة الحساب والرياضيات، والتدرب على المعاجم والقواميس وجواهر البيان والمعاني والبلاغة والتدوين كل ذلك بقلم اليراع المنحوت من شجر القصب، وكان الطالب حاضر الذهن، يستطيع حل كافة المسائل الرياضية بسرعة فائقة، ولا يحتاج غالباً إلى قلم؛ لذلك سميت بالرياضيات، لأنها رياضة العقل ناهيك عن قواعد النحو والفقه وعلم المواريث، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما بارحت رباط السيد الإدريسي والسيد البطاح في مدينة زبيد، وبسقوط عرش (الكتّاب); وتلك (المعلامة); سقطت دولة أقلام اليراع والألواح، واستولت على عرشها الآلات الحاسبة الألكترونية، والأقلام الذهبية، سقطت معها هيبة المعلم واحترامه، وانتهى عصر الاهتمام به، وفقد الطالب القدوة الحسنة، والتلقي المساعد على الحفظ، حتى أصبح المعلم من أفقر الناس وأكثرهم تحملاً لهموم العيش والفقر وسوء المعاش، وانتهت دولة الأستاذ المعلم تحت وطأت المدارس الحديثة، ذات الكراسي الخشبية الناعمة، بدلاً عن افتراش الأرض، وانتهى عصر الألواح بعصر السبورات والطباشير وبدأ عصر الشهادات الورقية المجردة عن اختبارات المواهب والكفاءة والنبوغ والتفوق.

ولقد أضحك وأبكى الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان رحمه الله حين عارض الأمير شوقي يوم عيد المعلم  فقال:

شوقي يقول وما درى بمصيبتي      قـــــــــــــــــــم للمعـــــــــلم وفّه التبجيلا

ويكاد يقتلني الأمـــــــــــــــــــــــــير بقوله      كاد المعــــــــــــــــــلم أن يكون رسولا

لو مارس التعليم (شوقي); ساعة      لقضى الحيــاة وساوساً وخمولا

إلى أن قال شاكياً قلة المعاش:

لا تعجبوا إن صحت يوما صيحة     وسقطت ما بين البنوك قتيلا

يامن يريد الانتحار وجدته        إن المعلم لا يعيش طويلا

وعندما تغيرت قواعد التوظيف في عالمنا العربي من اختبار الكفاءات والمواهب والقدرات؛ إلى الإكتفاء بمجرد حمل الشهادات المدرسية والجامعية ولو كانت (مضروبة); والتي كثيرا ما يسهل الحصول عليها في ظل التخلي عن الأمانة، والتسيب والانفلات وفي ظل إسناد الأمر إلى غير أهله، واستباحة الرشاوى والنفعية والفساد، أصبح سهلا أن يحمل من له مال أو وساطة أو سلطة عامة، على أعلى الشهادات، في أهم التخصصات، له ولمن يلونه، وقد يصبح مدرساً وهو لم يدرس إلّا محو الأمية، أو يصبح مديراً أو وزيرا بمؤهل الوهم.

وفي عصر الانتكاسة لرسالة المعلم وفقده مكانته أصبح مضرب الأمثال للطرائف الهازئة الساخرة فقد أصبح كل تلميذ يحفظ من الطرائف الساخرة بأستاذه ما يكفي لعدم الثقة بما يقول، ولإسقاط هيئة الاحترام عنه، مثل حكايات يتناقلها التلامذ والمدرسون من باب التندر والتسلية دون أن يدركوا قيمتها وخطرها في قتل الأسوة والقدوة : دخل الأستاذ يوماً على التلاميذ ووقف يكتب على السبورة وبنطاله مقطوع في مؤخرته فقال للتلاميذ: اعربوا هذه الجملة (نحترم الأستاذ); فما محل كلمة الأستاذ من الإعراب؟ فيجيبه الطلاب  منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخرك !!. وليس غريبا أن نرى من يتولى وزارة، أو رئاسة دولة، أو قيادة محافظة، بينما مؤهله الوحيد أنه مغامر كبير، أو لاعتبارات قبلية أو مناطقية أو لقرابة أو حزبية.

كم هو محزن وأي حزن أن نرى الكفاءات والتخصصات من القدرات النادرة يتلوون في أبواب المكاتب، والشركات الأهلية والسفارت والقنصليات باحثين عن عقود عمل في أي مجال كان، بينما أماكنهم الحقيقية شاغرة في أوطانهم، ولكنها محتلة نعم محتلة بأولئك الذين حملهم الحظ فقط؛ لإحتلال وظائف الكفاءات ورحم الله الأستاذ حسن = علي جابر عفيف الّذي كان حسن الخط لدرجة مفرطة ولكنه كان عديم الحظ، كان مدرساً في الحديدة، في عصر شخصية قبلية يمنية بارزة قوية كانت تشغل يومها منصب محافظ الحديدة، وإليه تنسب نهضة المدينة وذروة نهضتها خلال السبعينيات، لكن حظه في الخط لا يكاد يُقرأ، فكان يؤثر عن الأستاذ عفيف قوله: إنّ حظي كخط المحافظ، وحظ المحافظ مثل خطي.

لا تحسبن أن حسن الخط ينفعني     خذ ما أردت بحرف الحاء والظاء

بــــــــل إنمــــا أنـــــا محتـــــــاج لـواحـــدة      لنقل نقطة حـــــرف الخــــاء للطــــــــاء

في إحدى رحلاتي لأداء العمرة، وجدت في صالة المغادرة  أحد زملاء دراستي، وهو مبتسم متهلل الوجه لأنه يغادر وطنه حاملا (فيزا); للعمل خارج البلد، وكما عرفته في الكلية كان نابغة من النوابغ، يكتب المئآت من الصفحات بقلمه، ويدون كل شاردة وواردة، بل ويحفظ القواعد والشواهد، لنفسه ولغيره، ويتولى الكتابة على السبورة الخضراء نيابة عن أساتذته لأنه كان حسن الخط بكل قواعده، تساءلت معه هل أنت معار للتدريس فضحك حتى قهقه وقال يا دكتور أنا معار للتكنيس، ثم ابتلع ريقه بمرارة تجرعتها معه قائلا لقد فزت بشراء فيزا عمل بثلاثة عشر ألف ريـال سعودي، بهذه الصفة وأطلعني على جوازه وإذا بالفيزا مكتوب عليها المهنة عامل نظافة. استغربت كيف؟  ف......... أي عدمية تربوية وعدمية وعي في حين الوظائف يوزعها الحاكم ضمن الكوتات الحزبية لمن يريد.

وإذا المعلم ساء لحظ بصيرة     جاءت على يده البصائر حولا

 

 


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة القاهرة

قصيدة المها يكتبها الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري

قصيدة المها يكتبها الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري
بوابة القاهرة

قصيدة الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري بعنوان (يا حبيبًا)

قصيدة الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري بعنوان (يا حبيبًا)
بوابة القاهرة

عفّة وأناقة قصيدة للدكتور الشاعر عبد الولي الشميري

عفّة وأناقة قصيدة للدكتور الشاعر عبد الولي الشميري
بوابة القاهرة

أمجد مراد في برنامج د. نادر الصيرفي: مشروع القانون "غربال"

أمجد مراد في برنامج د. نادر الصيرفي: مشروع القانون "غربال"


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...