الروائي والقاص محمود شقير:الأدب وسيلة لتسليط الضوء على معاناة الفلسطينيين
الروائي والقاص محمود شقير:الأدب وسيلة لتسليط الضوء على معاناة الفلسطينيين
بقلم: لطيفة محمد حسيب القاضي
تُبرز مسيرة الكاتب الفلسطيني محمود شقير، ابن مدينة القدس، دور الأدب كخلق فني موازٍ للواقع، لا مجرد انعكاس له. بأسلوبه السلس المشحون بالشجن، استطاع شقير أن يحفر اسمه في الأدب الفلسطيني والعربي، تاركًا بصمة عميقة في وجدان القارئ.
الأدب بين القصة والرواية ودور الكاتب
يرى محمود شقير نفسه كاتب قصة قبل أن يكون روائيًا، وهو فخور بهذا التصنيف. بدأ كتابة القصة في الستينيات، وحلم بكتابة الرواية منذ البداية. ورغم نجاحه في روايته الأولى "فرس العائلة"، لم يتخل عن القصة القصيرة، بل تأثر أسلوبه في الرواية بأسلوبه القصصي. يترك شقير مهمة تقييم دوره في الأدب الفلسطيني للنقاد، الذين أشادوا بتقديمه للقرية الفلسطينية على نحو غير مسبوق، وتأثير أسلوبه على العديد من الكتاب الشباب. لم يكتفِ شقير بالكتابة، بل شجع الكتاب الناشئين من خلال نشر أعمالهم في جريدة الجهاد المقدسية في الفترة من 1965 إلى 1967، ولا يزال يقرأ مخطوطات الكتاب الجدد ويقدم لهم الدعم.
"منزل الذكريات": الشيخوخة وذاكرة القدس
في روايته الجديدة "منزل الذكريات" الصادرة في أكتوبر 2024، يتناول شقير ثيمة الشيخوخة في سياق القدس المعاصرة، ممزوجًا بين الواقع والمتخيل. هذا الاختيار نابع من إعجابه بروايتي كاواباتا وماركيز، ورغبته في طرح ثيمة الشيخوخة في واقع محاصر بالاحتلال. لقد سعى لتقديم رؤية فلسطينية للحب في زمن الشيخوخة، مستلهمًا من معاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال وممارساته القمعية، مجسدًا ذلك من خلال شخصيات مثل أسمهان وجميحان.
العلاقة بين الكاتب وشخصياته
يعيش شقير مع شخصيات رواياته ويتأثر بها، وينعكس جزء من روحه ومشاعره وتجاربه في شخصياته الرئيسية والثانوية. ومع ذلك، يؤكد أن هذه الشخصيات ليست انعكاسًا كاملًا له. على سبيل المثال، شخصية محمد الأصغر في "منزل الذكريات" تحمل جزءًا منه، لكن سيرتها لا تتطابق مع سيرته الذاتية. يفضل شقير استخدام ضمير المتكلم في السرد، حيث يمنح ذلك الشخصية الرئيسية والرواية بشكل عام حميمية قد لا تتوفر بنفس القدر مع استخدام الضمير الغائب.
الحنين إلى الوطن في "نوافذ للبوح والحنين"
في كتابه القصصي "نوافذ للبوح والحنين" (2023)، يعبر محمود شقير عن الحنين إلى الوطن في زمن النفي، وإلى اللحظات المفقودة قبل احتلال فلسطين بالكامل، وإلى البيت في أوقات الاعتقال. لم يلجأ شقير إلى الرمزية بشكل كبير في هذا الكتاب، بل استخدم السخرية المكشوفة والأجواء الفانتازية لتعرية ممارسات الاحتلال الإسرائيلي ضد القدس وأهلها، وكشف السلوكيات السياسية للساسة العرب المتواطئين مع الاحتلال. يرى أن هذه السلوكيات تهدف إلى تهويد القدس وتهجير الفلسطينيين وتصفية القضية الفلسطينية، ويقدم ذلك من خلال وسائط أسلوبية تراعي الشروط الفنية للقصة.
مفهوم "أدب المقاومة" في منظور شقير
يُشدد شقير على أنه لا يذكر قوله إن "الالتزام في الأدب هو الولاء للمقاومة"، ويرفض حصر الأدب في جانب واحد من الحياة. يرى المقاومة وسيلة وليست هدفًا، وهي حق مشروع للشعوب الواقعة تحت الاحتلال أو الحكم المستبد. لا يبالغ في دور الأدب في التغيير الاجتماعي والسياسي، ولا يؤيد تحويله إلى أداة تحريضية مباشرة. يرى دور الأدب في التغيير غير مباشر، من خلال تربية الإنسان على قيم الخير والكرامة، ورفض الهيمنة والخضوع للاحتلال والاستبداد. يؤيد شقير الالتزام في الأدب، لكنه يرفض تحويله إلى دعاية مباشرة، ويدعو إلى توسيع مفهوم أدب المقاومة ليشمل كل ما هو جميل في الشعر، كما قال محمود درويش: "كل شعر جميل مقاومة".
الكتابة كوسيلة للتعبير عن الذات والانتماء للوطن
في كتابه "أنا والكتابة"، يقدم شقير تأملات حول دور الكتابة وعلاقتها بقضية فلسطين. ورغم أن الإقبال على القراءة تراجع في الظروف الراهنة بسبب وسائل التواصل الحديثة التي تروج لثقافة التسلية وتسطح الوعي، يؤكد شقير على ضرورة مواصلة الفلسطينيين تقديم ثقافة وطنية تقدمية بأبعاد إنسانية عبر الكتب ووسائط النشر الورقية، واستثمار الوسائل العصرية للوصول إلى أوسع شريحة من القراء بـ"أدب جاد".
دور الأدب في تصوير الواقع وتغييره
يرى شقير أن الأدب لا يجب أن يكتفي بوصف الواقع كما هو، لأن ذلك يعني تأييد السائد ودعم القوى المهيمنة. مهمة الأدب هي "خلق واقع فني موازٍ للواقع الخام"، وذلك بهدف فضح قصور الواقع وتعزيز الحوافز لتغييره. يؤكد شقير أن الأدب ليس مهمته وضع حلول للمشكلات، بل هو يربي في الإنسان الرغبة في الانعتاق والبحث عن الحلول التي تساعد على الوصول إلى واقع يحقق طموحات الناس وتطلعاتهم.
"مديح لنساء العائلة" وتأريخ البدو الفلسطينيين
وصلت رواية "مديح لنساء العائلة" إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية عام 2016. هذه الرواية هي الجزء الثاني من ثلاثية العائلة، وامتداد لروايته الأولى "فرس العائلة"، حيث تتواصل بعض شخصيات الرواية الأولى في الظهور. الفكرة الأساسية وراء هذه الثلاثية هي التعبير عن حياة قطاع واسع من الشعب الفلسطيني، وهم البدو الذين ينتمي إليهم، من خلال عشيرة الشقيرات. تعكس الروايات المراحل المختلفة التي كابدها الشعب الفلسطيني، بدءًا بالحكم العثماني، مرورًا بالانتداب البريطاني، وصولًا إلى الاحتلال الصهيوني عامي 1948 و1967.
الرواية العربية والعالمية: تحديات وآمال
يعتقد شقير أن هناك روايات عربية متميزة تضاهي أهم الروايات العالمية. لكن قضية العالمية، في رأيه، تخضع لعوامل مرتبطة بعلاقات القوة والنفوذ والتحكم من قبل الجماعات المسيطرة على الدوائر الثقافية العالمية، التي تخلق انطباعات سلبية تجاه أدب العالم الثالث والأدب العربي تحديدًا. يرى أن نفوذ الأدب وانتشاره مرتبط بقوة تأثير البلدان المنتجة له في العالم. للأسف، الدول العربية لا تولي اهتمامًا كافيًا للترويج لأدبها أو توفير مؤسسات لترجمة الأعمال المتميزة منه ونشرها عالميًا. يقارن شقير ذلك بما تفعله إسرائيل تجاه أدب كتابها، حيث تُترجم الرواية الإسرائيلية إلى ثماني لغات فور صدورها، مما يحقق انتشارًا يفتقده الأدب العربي.
"تلك الأمكنة" و"تلك الأزمنة": سيرة ذاتية مفتوحة
في كتابيه "تلك الأمكنة" (2020) و"تلك الأزمنة"، يقدم شقير تأملات في حياته ضمن إطار اجتماعي عام. يرى أن الذاكرة لا تستطيع الإلمام بكل وقائع السنين، وأن الكاتب يختار ما يراه مفيدًا للقراء أو ذا قيمة. يشعر شقير بوجود نقص في سيرته الذاتية، لذا أتبع "تلك الأمكنة" بـ "تلك الأزمنة"، وقد لاقى هذا الكتاب اهتمامًا أكبر. ورغم أنه أشار إلى أن "تلك الأزمنة" هو الجزء الثاني والأخير، إلا أنه وجد ضرورة لكتابة جزء ثالث يعتقد أنه الأخير، بعنوان "هامش أخير"، والذي ما زال مخطوطة.
الأدب وسيلة لتقديم التاريخ ومعاناة الفلسطينيين
يُؤكد شقير أن الأدب، والرواية خصوصًا، ليست كتب تاريخ، ولا تسجل الوقائع التاريخية كما يفعل المؤرخ. بل تستفيد من بعض وقائع التاريخ لتنطلق نحو عالم يضم رؤى الروائي الفكرية عبر التخييل. ومع مرور الزمن، يمكن للرواية أن تتحول إلى وثيقة تاريخية تشير إلى ملامح فترة معينة، مع الحفاظ على سماتها الفنية والأسلوبية. يرفض شقير كتابة الروايات التي تستند إلى التاريخ القديم، ويركز على التاريخ القريب للشعب الفلسطيني، مستفيدًا من تأثيرات الاستعمار الذي رعى احتلال الحركة الصهيونية لفلسطين. يرى الأدب وسيلة لتسليط الضوء على معاناة الفلسطينيين بطريقة فنية تتجاوز الإطار الوثائقي وتؤثر في القارئ، مؤكدًا على حقهم في الحرية والكرامة.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
قصيدة المها يكتبها الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري
قصيدة الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري بعنوان (يا حبيبًا)
عفّة وأناقة قصيدة للدكتور الشاعر عبد الولي الشميري
أمجد مراد في برنامج د. نادر الصيرفي: مشروع القانون "غربال"
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...