حين حضر نزهان... وغاب جمهوره!

حين حضر نزهان... وغاب جمهوره!

حين حضر نزهان... وغاب جمهوره!


عبدالكريم العفيدلي*


شاهدت بالأمس مقطعاً للشاعر الصديق نزهان الشمري وهو يلقي قصيدته التي ألحّ عليه المعزب في طلبها، والقصيدة مشهورة وتُعرف بين متابعي الشعر الشعبي بـ " المعلقة الشمرية" . توقفت عند المشهد طويلاً، لا لأن القصيدة تحتوي على ما يستدعي الاعتراض، ولا لأن الشاعر كان بحاجة إلى من يثبت حضوره، وإنما لأن شيئاً آخر كان غائباً بصورة لافتة: "الإنصات".
كان نزهان يلقي قصيدته في محفل قبلي، أمام جمهور يفترض أن يكون الشعر جزءاً من وجدانه وذاكرته. وهو ليس شاعراً عابراً في هذا المشهد ، بل من أبرز شعراء سورية الشعبيين، وله حضور معروف في ساحة الشعر، وشارك في "شاعر المليون " . والقصيدة نفسها لم تكن مفروضة على الحاضرين، بل كانت مطلوبة بإلحاح.
ومع ذلك، لم يكن ثمة ما يكفي من الصمت لكي تصل.
الجوالات مرفوعة، والأحاديث الجانبية مستمرة، والحركة لا تهدأ، حتى بدا أن الشاعر يلقي قصيدته في فضاء لا يملك شروط الاستماع. لم يكن غياب التصفيق هو ما يلفت النظر، فالتصفيق ليس معياراً لجودة الشعر، ولا الهتاف دليلاً على الذائقة. المؤلم أن القصيدة لم تجد تلك اللحظة البسيطة التي تحتاج إليها قبل كل شيء: أن يصمت المجلس ويستمع.
وهنا تتجاوز المسألة مناسبة بعينها، أو جمهوراً بعينه، أو شاعراً بعينه.
إنها تمس علاقتنا المعاصرة بالشعر.
فالقصيدة، خصوصاً في ثقافة الشعر الشعبي، ليست مجموعة أبيات منفصلة يمكن التقاطها من بين الضجيج. إنها بناء يحتاج إلى زمنه، وإلى متابعة البيت وهو يقود إلى البيت الذي يليه. وقد يكون جمال بيت ما في موقعه من القصيدة، لا في انفصاله عنها. وحين يضيع السياق، لا تضيع الكلمات وحدها، بل يضيع جزء من المعنى.
من هنا تبدو ظاهرة التصوير المستمر في المجالس الشعرية جديرة بالتأمل.
لا مشكلة في توثيق الشعر، بل إن التسجيلات أسهمت في حفظ جانب كبير من تراثنا الشفوي. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول التوثيق إلى بديل عن الحضور. حين يصبح الناس منشغلين بإنتاج صورة عن اللحظة أكثر من انشغالهم باللحظة نفسها.
نرفع الهاتف كي نوثق الشاعر، فنحرم أنفسنا من سماعه.
نحفظ القصيدة في ذاكرة الجهاز، بينما تفلت من ذاكرتنا نحن.
نريد الاحتفاظ باللحظة، فنفقدها ونحن نصورها.
هذه ليست مشكلة تقنية بقدر ما هي مشكلة في طبيعة التلقي. لقد أصبحنا نعيش كثيراً من اللحظات من خلال شاشاتنا، حتى تلك التي لا تحتاج إلى وسيط. وصار الانتباه موزعاً بين ما يحدث أمامنا وما يحدث داخل الهاتف.
والشعر من أكثر الفنون تضرراً من هذا التحول ، لأنه يحتاج إلى انتباه ممتد.
الرواية يمكن أن تعود إليها، والقصيدة المكتوبة يمكن أن تقرأها مرة أخرى، أما القصيدة التي تُلقى وسط الضجيج فقد تضيع في اللحظة نفسها التي قيلت فيها. وإذا كان الشعر الشعبي يقوم في جزء كبير منه على المشافهة والحضور المباشر، فإن فقدان الإنصات يعني فقدان أحد شروط وجوده الأساسية.
كان للمجلس في الثقافة الشعبية دور يتجاوز الاجتماع. كان فضاءً للاستماع وتبادل الحكايات والأشعار والمواقف. وكان للشاعر فيه مقام خاص؛ فإذا وقف، عرف الحاضرون أن الكلام له، وأن عليهم أن يتركوا له المساحة.
لم يكن ذلك طقساً شكلياً، بل كان اعترافاً بقيمة الكلمة.
واليوم يبدو أن هذا التقليد يتراجع تدريجياً أمام أنماط جديدة من الحضور. لم يعد الإنسان يكتفي بأن يكون حاضراً ، يريد أن يوثق حضوره، وأن يصور ما يحدث، وأن يرسل ما يصوره، وأن ينتقل في الوقت نفسه بين أكثر من شاشة وأكثر من محادثة. وهكذا يمكن أن يكون الجسد في المجلس، بينما يكون الانتباه في أماكن أخرى.
وهنا تكمن المفارقة التي أظهرها مقطع نزهان بوضوح.
كان الشاعر في المكان الذي ينبغي أن يكون فيه.
وكانت القصيدة في المناسبة التي تناسبها.
وكان الجمهور هو الجمهور الذي يُفترض أن يتلقى هذا النوع من الشعر.
لكن العلاقة التي تمنح القصيدة حياتها لم تكن مكتملة.
كان هناك حضور، من دون إنصات.
وليس المقصود أن الجمهور مطالب بأن يكون متذوقاً محترفاً، أو أن يتفق مع كل ما يقوله الشاعر. الشعر لا يحتاج إلى جمهور أكاديمي، وإنما إلى جمهور حاضر. قد لا يعرف المستمع مصطلحات النقد ولا يستطيع تفسير الصورة الشعرية، لكنه يستطيع أن يصغي، وأن يمنح القصيدة فرصتها كاملة.
فالإنصات نفسه شكل من أشكال الذائقة.
ولهذا لم أشعر أن المشهد ينتقص من نزهان الشمري، ولا أن القصيدة فقدت قيمتها لأن المجلس لم يتفاعل معها كما ينبغي. قيمة الشاعر لا تُقاس بحماس عابر في محفل، وقيمة القصيدة لا يحددها مقدار الضجيج حولها.
لكن المشهد كشف شيئاً يستحق أن نتوقف عنده:
ربما لم تعد أزمتنا في إنتاج الشعر، بل في استقباله.
لدينا شعراء، ولدينا قصائد، ولدينا مناسبات، ولدينا جمهور واسع، ولدينا وسائل توثيق لم تكن متاحة للأجيال السابقة.
لكن هل ما زال لدينا ذلك الجمهور الذي يعرف متى يضع هاتفه جانباً ويصغي؟
السؤال لا يتعلق بنزهان وحده، ولا بذلك المحفل وحده. إنه سؤال عن مستقبل الشعر الشفوي في زمن أصبحت فيه الصورة أسرع من الكلمة، والمقطع أقصر من القصيدة، والانتباه أكثر تشتتاً من أي وقت مضى.
ولعل المثل الشعبي: " العرس بدوما والطبل بحرستا " يلخص المفارقة التي شعرت بها وأنا أشاهد تلك المقاطع.
لم يكن الشاعر بعيداً عن جمهوره،ولم تكن القصيدة بعيدة عن بيئتها...كان كل شيء في مكانه تقريباً.
إلا ذلك الشيء الذي لا يمكن للشعر أن يعيش بدونه: " أذن تصغي" .
وهذا، في النهاية، ليس حكماً على شاعر ولا على قصيدة، بل سؤال ينبغي أن نطرحه على أنفسنا جميعاً : حين يقف الشاعر أمامنا، هل نذهب فعلاً لسماعه، أم نذهب فقط لنصوره؟

 

*شاعر وكاتب سوري/ الرقة.


تعليق / الرد من


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...