بين واجب المشورة وحدود التدخل!! د. تمام كيلاني

بين واجب المشورة وحدود التدخل!!  د. تمام كيلاني

بين واجب المشورة وحدود التدخل!!

 

د. تمام كيلاني*

 

كلمة مسؤولة حول مقترحات إصلاح هيئة التخصصات الطبية في سوريا

 

تابعنا في الأيام الأخيرة النقاش الدائر حول المقترحات المتعلقة بإعادة تنظيم تبعية هيئة التخصصات الطبية في سوريا، وما طُرح من أفكار تدعو إلى فك ارتباط الهيئة بوزارتي الصحة والتعليم العالي وربطها بجهات مركزية عليا، انطلاقًا من الرغبة في تطوير التعليم الطبي التخصصي والارتقاء بمستوى التدريب والاعتماد الأكاديمي في البلاد.

 

ولا شك أن تطوير القطاع الصحي والتعليمي في سوريا ضرورة وطنية كبرى، خصوصًا بعد سنوات الحرب الطويلة وما خلّفته من أضرار كبيرة في البنية الصحية والتعليمية وهجرة واسعة للكفاءات الطبية والأكاديمية. كما أن أي حوار علمي هادئ حول تحديث منظومة التعليم الطبي وتحسين جودة التدريب هو أمر صحي ومطلوب، ويصب في مصلحة الوطن والمريض والطبيب معًا.

 

لكن، وفي الوقت نفسه، لا بد من التمييز بوضوح بين:

  حق تقديم الرأي والمشورة والخبرة،

 وبين التدخل في الشؤون الإدارية والسيادية والتنظيمية الداخلية للدولة.

 

فنحن، كأطباء سوريين في المغترب، أو كجمعيات وروابط طبية عربية وسورية في أوروبا، نملك خبرات علمية وأكاديمية ومهنية اكتسبناها عبر سنوات طويلة من العمل في الأنظمة الصحية الغربية، ومن واجبنا الأخلاقي والمهني أن نضع هذه الخبرات في خدمة وطننا الأم، وأن نقدم النصح والمقترحات العلمية متى طُلب منا ذلك.

 

هذا واجب طبيعي تجاه بلدنا وشعبنا.

 

أما الدخول في تفاصيل القرارات السيادية والتنظيمية الداخلية، أو محاولة فرض تصورات إدارية معينة على مؤسسات الدولة السورية، فذلك ليس من صلاحياتنا، ولا ينبغي أن يكون من دورنا أساسًا.

 

إن القضايا المتعلقة ببنية المؤسسات الصحية والأكاديمية، وآليات الإشراف على هيئة التخصصات الطبية، والعلاقة بين وزارتي الصحة والتعليم العالي، هي ملفات وطنية سيادية، يفترض أن تُناقش ضمن الأطر الرسمية المختصة، وبين الجهات المسؤولة مباشرة عن هذا القطاع، وفي مقدمتها:

 وزارة الصحة،

 وزارة التعليم العالي،

 اللجان العلمية المختصة،

 المجالس الأكاديمية،

 والجهات التشريعية والتنظيمية المعنية.

 

فهم الأقدر على تقييم الواقع الداخلي، والاحتياجات الفعلية، والإمكانات المتاحة، والتوازنات المطلوبة بين المؤسسات المختلفة.

 

إن دورنا الحقيقي في الخارج يجب أن يبقى:

 نقل الخبرة،

 تقديم الاستشارة العلمية،

 دعم التدريب والتأهيل،

 بناء الجسور الأكاديمية،

 المساهمة في المؤتمرات والورشات،

 دعم البحث العلمي،

 والمساعدة في فتح قنوات التعاون الدولي.

 

أما القرار النهائي فيبقى حقًا سياديًا للمؤسسات السورية المختصة.

 

ولعل من أخطر ما قد نقع فيه أحيانًا هو الخلط بين الحماس الوطني وبين تجاوز حدود الدور الطبيعي للمغترب أو للجمعيات المهنية في الخارج. فحب الوطن لا يعني مصادرة دور مؤسساته، كما أن الرغبة بالإصلاح لا تعني القفز فوق المرجعيات الرسمية والعلمية داخل البلد.

 

إن نجاح أي مشروع إصلاحي حقيقي يحتاج إلى:

 التوافق،

 الحوار العلمي،

 احترام المؤسسات،

 والعمل التشاركي بعيدًا عن الضغوط والاستقطاب.

 

ونحن، كأطباء سوريين في أوروبا، يجب أن نكون عامل دعم واستقرار وتطوير، لا عنصر انقسام أو تجاذب.

 

سوريا اليوم بحاجة إلى العقول والخبرات، نعم… لكنها أيضًا بحاجة إلى احترام المؤسسات، وإعطاء الفرصة للجهات المختصة كي تقوم بواجبها الوطني والعلمي.

 

ونسأل الله أن يحفظ سوريا، وأن يوفق أبناءها جميعًا لما فيه خير الوطن والمواطن، وأن يُعاد بناء القطاع الصحي والعلمي فيها على أسس حديثة وعادلة تحفظ كرامة الطبيب والمريض معا. 

*رئيس الجمعية الطبيه الاوربية العربية/فيينا.

 


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة فيينا

سوريا بين الذاكرة والمستقبل: من الانقسام إلى فلسفة التلاقي! د. تمام كيلاني

سوريا بين الذاكرة والمستقبل: من الانقسام إلى فلسفة التلاقي! د. تمام كيلاني
بوابة فيينا

عيد الفطر السعيد في فيينا.. تظاهرة دينية واجتماعية

عيد الفطر السعيد في فيينا.. تظاهرة دينية واجتماعية
بوابة فيينا

الثورة السورية: من جدلية القمع إلى انتصار الإرادة التاريخية

الثورة السورية: من جدلية القمع إلى انتصار الإرادة التاريخية
بوابة فيينا

حاكم مصرف سورية المركزي بضيافة اتحاد الاطباء العرب في فيينا!!

حاكم مصرف سورية المركزي بضيافة اتحاد الاطباء العرب في فيينا!!
بوابة فيينا

أتاك الدور يا دكتور: من صرخة أطفال درعا إلى سقوط الخوف!

أتاك الدور يا دكتور: من صرخة أطفال درعا إلى سقوط الخوف!


الاكثر شهرة
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!   د. تمام كيلاني*   ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...

تابعونا


جارٍ التحميل...