من الطاعون إلى الحياة… حين تُعلّمنا المدن كيف تنهض من الألم ..!! د. تمام كيلاني

من الطاعون إلى الحياة… حين تُعلّمنا المدن كيف تنهض من الألم ..!!  د. تمام كيلاني

من الطاعون إلى الحياة… حين تُعلّمنا المدن كيف تنهض من الألم ..!!

 

 

د. تمام كيلاني*

 

 

 

في قلب مدينة فيينا، وبين المباني التاريخية العريقة والمقاهي القديمة والشوارع التي تعج بالحياة، يقف Pestsäule، أو ما يُعرف بـ “عمود الطاعون”، شامخًا كأنه شاهدٌ حيّ على قدرة المدن على النهوض بعد الكوارث.

 

قد يراه الزائر مجرد معلمٍ سياحي جميل، أو تحفة فنية من عصر الباروك، لكن هذا النصب يحمل في داخله قصة مدينةٍ واجهت الموت يومًا… ثم استعادت الحياة.

 

في عام 1679 اجتاح وباء الطاعون مدينة فيينا، وغرقت المدينة في الخوف والموت والعجز.

كان الناس يومها يواجهون المجهول، وكانت الشوارع التي تمتلئ اليوم بالحياة تعيش صمتًا ثقيلًا وقلقًا لا ينتهي.

 

وعندما انحسر الوباء أخيرًا، أُقيم هذا العمود ليكون رمزًا للنجاة، ورسالةً تقول إن المدن، مهما انكسرت، تستطيع أن تعود.

 

ومنذ أكثر من ثلاثين عامًا، وأنا أمرّ بجانب هذا المعلم في فيينا، كنت أتوقف طويلًا أمامه، لا لأتأمل جماله فقط، بل لأتأمل الفكرة التي يحملها.

 

كنت أفكر دائمًا:

كيف استطاعت هذه المدينة أن تنهض بعد كل ذلك الألم؟

كيف تحوّل الخوف إلى فن؟

وكيف عادت الحياة إلى شوارعٍ مرّ فيها الموت يومًا؟

 

وفي كل مرة، كانت ذاكرتي تأخذني بعيدًا… إلى حماة.

 

إلى مدينتي التي هُدمت عام 1982، وإلى ذلك الجرح العميق الذي بقي يسكن ذاكرة السوريين لعقود طويلة.

 

كنت أتساءل دائمًا:

هل يمكن لمدينةٍ مدمّرة أن تعود؟

هل يمكن لوطنٍ أنهكته القسوة أن ينهض من جديد؟

هل ستعود سوريا يومًا كما كانت؟

وهل تستطيع الشعوب أن تستعيد أرواحها بعد كل هذا الخراب؟

 

كانت تلك الأسئلة ترافقني لسنوات طويلة، خاصة عندما كنت أقارن بين مدينة أوروبية نهضت من الكارثة، ومدينة عربية بقيت تحمل وجعها بصمتٍ طويل.

 

لكن رغم كل شيء، كان هناك دائمًا ما يُبقي جذوة الأمل حيّة في داخلي.

 

وكانت الآية الكريمة التي تتردد في ذهني كلما اشتدّ اليأس:

 

﴿حَتّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾

 

تلك الآية كانت بالنسبة لي أكثر من نصّ ديني؛ كانت رسالة عميقة تقول إن لحظات الانكسار الكبرى ليست دائمًا النهاية، وإن الفرج قد يأتي بعد أقسى مراحل الألم.

 

واليوم، وبعد كل ما مرّت به سوريا، أشعر أن هذا السؤال الذي حملته في داخلي لسنوات طويلة بدأ يجد طريقه إلى الجواب.

 

فسوريا التي حوّلها نظام الأسدين وحزب البعث إلى وطنٍ مثقل بالخوف والقمع والخراب، بدأت — رغم الجراح — تستعيد شيئًا من روحها.

 

بعد السقوط…

وبعد التحرير…

وبعد سنواتٍ بدا فيها الوطن كأنه يتحول إلى شبح…

بدأت الحياة تعود ببطء.

 

تعود عبر طفلٍ عاد إلى مدرسته.

وعبر بيتٍ يُعاد ترميمه.

وعبر شارعٍ عاد إليه الناس.

وعبر إنسانٍ قرر أن يتمسك بالأمل رغم كل شيء.

 

إن إعادة الإعمار ليست إسمنتًا وحجارة فقط، بل إعادة بناء الإنسان نفسه.

إعادة الثقة، وإعادة الكرامة، وإعادة الإيمان بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل.

 

لكن، وفي الوقت نفسه، علينا ألّا ننسى.

 

علينا ألّا ننسى ما فعله النظام البائد، ولا حجم الألم الذي عاشه السوريون، ولا سنوات القهر والاعتقال والخوف والتدمير.

 

ليس من أجل الانتقام، بل لأن الشعوب التي تنسى مآسيها بسهولة قد تجد نفسها تكررها مرة أخرى.

 

فالذاكرة ليست عبئًا على المستقبل، بل حماية له.

 

وكما حوّلت فيينا مأساة الطاعون إلى فنّ ووعي وذاكرة، فإن سوريا أيضًا قادرة على أن تحوّل سنوات الألم إلى بداية جديدة، إذا امتلكت الشجاعة لمواجهة الحقيقة، والإرادة لبناء دولةٍ لا تقوم مرة أخرى على الخوف.

 

إن أجمل ما في الشعوب الحيّة أنها تستطيع أن تنهض، حتى بعد أكثر اللحظات ظلامًا.

 

وما بين عمود الطاعون في فيينا، ووجع حماة وسوريا، بقيت أؤمن دائمًا أن المدن قد تُهدم… لكن الروح التي فيها يمكن أن تعود للحياة.

 

 

*رئيس الجمعية الطبيه الاوربيه العربية/ فيينا.

 

 


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة القاهرة

بين النّيل والهرم قصيدة يكتبها الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري

بين النّيل والهرم قصيدة يكتبها الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري
بوابة القاهرة

يا أمير البشر، قصيدة يكتبها الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري

يا أمير البشر، قصيدة يكتبها الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري
بوابة القاهرة

نبذة عن د. نادر الصيرفي ومساهماتة في مشروع قانون للأحوال الشخصية للمسيحيين

نبذة عن د. نادر الصيرفي ومساهماتة في مشروع قانون للأحوال الشخصية للمسيحيين
بوابة القاهرة

ما اسمُها، قصيدة للشاعر الدكتور عبد الولي الشميري

ما اسمُها، قصيدة للشاعر الدكتور عبد الولي الشميري
بوابة القاهرة

(رحيق الثغر) قصيدة يكتبها الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري

(رحيق الثغر) قصيدة يكتبها الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري
بوابة القاهرة

د. نادر الصيرفي.. صوت الأحوال الشخصية للمسيحيين عبر برنامج «قضيتي»

د. نادر الصيرفي.. صوت الأحوال الشخصية للمسيحيين عبر برنامج «قضيتي»


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

تابعونا


جارٍ التحميل...