القرآن: لماذا اختار الله لهذا الكتاب هذا الاسم!! د. تمام كيلاني
القرآن: لماذا اختار الله لهذا الكتاب هذا الاسم!!
د. تمام كيلاني*
ليس من المصادفة أن يسمّي الله كتابه القرآن بهذا الاسم تحديدًا.
فالقرآن ليس مجرد عنوانٍ لكتابٍ مقدّس، بل هو تعريفٌ بحقيقة هذا الكلام الإلهي، ووصفٌ لطبيعته الكونية، ووظيفته في الوجود الإنساني.
إن أسماء الأشياء في الرؤية القرآنية ليست اعتباطية؛ فالاسم يكشف عن الجوهر، واللفظ يشي بالحقيقة. وحين اختار الله اسم “القرآن”، فإنه اختار اسمًا يحمل في داخله فلسفة الوحي كلّها.
كلمة “القرآن” مشتقة – عند جمهور أهل اللغة – من الفعل “قرأ”، والقراءة في أصلها العربي ليست مجرد التلفظ بالكلمات، بل تعني الجمع والضمّ والتركيب. العرب تقول: “قرأت الشيء” أي جمعت بعضه إلى بعض. ومن هنا كانت القراءة جمعًا للحروف في كلمات، وجمعًا للكلمات في معنى، وجمعًا للمعنى في رؤية.
لكن السؤال الأعمق هو:
ماذا جمع القرآن؟
هنا يبدأ البعد الفلسفي للاسم.
لقد جاء الإنسان إلى العالم ممزقًا:
العقل منفصل عن الروح،
والمادة في صراع مع المعنى،
والرغبة في حرب مع الضمير،
والإنسانية متشظية بين الأمم والأهواء والمصالح.
فجاء القرآن ليعيد جمع الوجود بعد تفتته.
إنه ليس كتابًا يضيف معرفة جديدة فقط، بل كتاب يعيد بناء العلاقة بين أجزاء الحقيقة نفسها.
جمع الأرض بالسماء.
والزمن بالأبدية.
والإنسان بالمطلق.
والعقل بالغيب.
والحرية بالمسؤولية.
ولذلك فإن أول كلمة نزلت من الوحي لم تكن “آمن”، ولا “اعبد”، بل كانت:
“اقرأ”
وكأن الرسالة الأولى للإنسان هي:
اجمع شتاتك الداخلي، واقرأ العالم بوصفه معنى، لا بوصفه مادة صامتة.
إن الحضارة الحديثة – رغم اتساع العلم – تعيش حالة تفكك وجودي هائل؛ فهي تعرف أجزاء الأشياء لكنها تفقد معناها الكلي. تعرف كيف تبني الآلة، لكنها لا تعرف لماذا يعيش الإنسان. وهنا تتجلى عظمة القرآن؛ لأنه لا يقدّم معلومات متفرقة، بل يقدّم وحدة تفسيرية كبرى للوجود.
فالقرآن ليس كتاب علوم، لكنه يعطي للعلم معناه.
وليس كتاب فلسفة، لكنه يجيب عن السؤال الذي عجزت الفلسفات عن حسمه: لماذا نحن هنا؟
ومن هنا نفهم سرّ البنية اللغوية لكلمة “قرآن”.
فهي على وزن “فُعلان”، وهو وزن يدل في العربية على الامتلاء والفيض والحركة المتدفقة؛ كغضبان وعطشان ولهفان. وكأن القرآن امتلاءٌ بالمعنى حتى الفيض، وحضورٌ للحقيقة حتى الإشراق.
إنه ليس نصًا ساكنًا، بل وعيٌ متحرك داخل التاريخ.
ولعل أعظم ما جمعه القرآن هو أنه جمع الرسالات الإلهية كلها في كتاب واحد.
ففيه صدى نوح، ونار إبراهيم، وتوراة موسى، ورحمة عيسى، وصبر أيوب، وحكمة سليمان، ودموع يعقوب، وطهر مريم عليهم السلام جميعًا.
إنه الذاكرة الروحية للنبوة كلها.
ولهذا لم يكن القرآن كتاب أمة، بل كتاب الإنسان.
وحين يقول الله تعالى:
﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾
فالمعنى ليس أن القرآن موسوعة تفصيلية لكل جزئية علمية، بل إنه لم يفرّط في شيء من أصول الهداية والمعنى والحق التي يحتاجها الإنسان ليهتدي في هذا الوجود.
فالقرآن لا يعطيك كل التفاصيل، لكنه يعطيك البوصلة التي تمنح التفاصيل معناها.
ومن هنا نفهم لماذا بقي القرآن حيًّا بينما تحولت نصوص كثيرة إلى آثار تاريخية.
لأن القرآن لا يخاطب عصرًا بعينه، بل يخاطب البنية الإنسانية ذاتها؛ يخاطب الخوف، والرغبة، والقلق، والحب، والموت، والبحث عن المعنى. وهذه ليست قضايا زمنية، بل أسئلة الإنسان الأبدية.
إن القرآن ليس مجرد كتاب يُتلى، بل حدثٌ وجوديّ يعيد تشكيل الإنسان من الداخل.
إنه الكتاب الذي يجمع الإنسان بعدما بعثرته الحياة.
يجمع اللغة بالمعنى،
والعقل بالقلب،
والفكر بالأخلاق،
والإنسان بربّه.
ولهذا كان اسم “القرآن” معجزة بحد ذاته؛ لأنه ليس فقط ما نقرأه، بل ما يجمعنا بعد الضياع
*رئيس الجمعية الطبيه الاوربيه العربية/ فيينا.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
أمسية قصصية في دمشق بذكرى النكبة الفلسطينية !! عمر سعيد
كيف يصنع الرجال المجد؟ وكيف تبتلعهم السياسة!! د. تمام كيلاني
إسماعيل نصرة.. من نافذة "زوايا" يدخل الضوء إلى لوحته!! روعة سنوبر
"نهاية الرحلة" بداية تالية تسطرها معاني سليمان!! مصطفى العقاد
كيف ينظر الإنسان إلى الزمن..؟ د. تمام كيلاني
من باب اللغة تدخل "نجاة" وطن الخزامى!! الأديب شاهر خضرة
الاكثر شهرة
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...