قراءة أدبية: عندما تصرخ النصوص!! ماجد القيسي
قراءة أدبية: عندما تصرخ النصوص!!
ماجد القيسي*
نص "مواجهة" للقاص المغاربي حَسن لختام.
قصة قصيرة جدا
مواجهة
أعادَ قراءةَ الماضي، اعترفَ بالواقع المأزوم. لمّا أرادَ أن يطرحَ التساؤلَ...صرختِ النصوصُ مُعترفة:
-نحن لانتحَّملُ ثِقلَ السؤال!
تتجلى عبقرية القصة القصيرة جداً "مواجهة" للقاص حسن لختام في قدرتها على تكثيف الوجود الإنساني والمعرفي داخل بنية لغوية بالغة الإيجاز، وهي بنية تشكل مجالاً خصباً لتطبيق مستويات التحليل السردي عند الناقد البنيوي جيرارد جينيت، حيث تتداخل القصة والخطاب والسرد في نص مستمر يكشف عن آليات الاشتغال الإبداعي.
يبدأ هذا التشريح النقدي بمستوى القصة، وهي المادة الخام والمتوالية المنطقية للأحداث قبل صياغتها الفنية؛ وتتمثل هنا في حكاية بطل (قارئ/مفكر) يمر بمخاض فكري، يبدأ بفعل "إعادة قراءة الماضي"، مروراً بـ"الاعتراف بالواقع المأزوم"، وصولاً إلى الرغبة في "طرح التساؤل"، لتنتهي الحكاية بـ"صراخ النصوص" وإعلان عجزها. هذه الحبكة الافتراضية المجردة تتحرك داخل زمن خطي نفسي، وشخصياتها (البطل والنصوص المؤنسنة) تتواجه في فضاء رمزي يعكس أزمة المعرفة والوجود.
لكن هذه المادة الخام لا تصل إلى وعينا إلا عبر مستوى الخطاب، وهو الملفوظ النصي الملموس الذي يكسر خطية الزمن ويحطم ألاعيب البنية؛ إذ نلاحظ هنا تكثيفاً زمنياً حاداً يختزل عمراً من المعاناة الفكرية في ومضة واحدة عبر سرعة سردية فائقة (الـحذف والتقليص)، حيث تحولت الأحداث إلى لغة مشحونة بالصيغ والتبئيرات. يتجلى هذا في العنوان العتباتي "مواجهة" الذي يوجّه زاوية الرؤية، وفي الاستخدام المتقن للأفعال الماضية المتلاحقة (أعاد، اعترف، أراد، صرخت) التي خلقت إيقاعاً متسارعاً ينتهي بصدمة المفارقة، حين تتحول "النصوص" من أداة للإجابة إلى ذاتٍ صارخة تعاني من ثقل السؤال، وهو ما يعكس هندسة بصرية ودلالية بارعة لتدفق المعلومات السردية.
هذا التحول البنيوي من المادة الخام إلى المنجز المكتوب يستند بالضرورة إلى المستوى الثالث وهو السرد، أي فعل الإنتاج التلفظي والعلاقة الديناميكية بين السارد والقارئ؛ فالسارد هنا يتخذ موقع الغائب (الضمير المستتر في "أعاد، اعترف")، وهو سارد عليم يرقب البطل من علٍ ويخترق وعيه الداخلي، لكنه سرعان ما يفسح المجال في نهاية النص لـ"صوت" النصوص نفسها عبر أسلوب الخطاب المباشر ("نحن لا نتحمل ثقل السؤال!"). هذا الانتقال الصوتي يمنح النص حيوية فائقة، ويجعل القارئ شريكاً في تلقي الصدمة المعرفية.
هكذا تتكامل المستويات الثلاثة في هذا النص المستمر؛ فلا تنفصل قصة المواجهة الفكرية عن خطابها اللغوي المكثف، ولا يقوم هذا الخطاب إلا بوجود فعل السرد الذي منحه الحياة والوجود، ليؤكد الكاتب حسن لختام أن السؤال المعرفي قد ينوء بحمله حتى الحرف والورق.
* ناقد عراقي.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
قراءات أدبيّة لقصة " استعلاء" للكاتب حسن لختام!
مَن الغريب ومَن القريب..!! د. قاسم عبد العزيز الدوسري
الاكثر شهرة
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...