بلادي وإن جارت عليّ عزيزة… وأهلي وإن ضنّوا عليّ كرام

بلادي وإن جارت عليّ عزيزة… وأهلي وإن ضنّوا عليّ كرام
د. تمام كيلاني

بلادي وإن جارت عليّ عزيزة… وأهلي وإن ضنّوا عليّ كرام

 

د. تمام كيلاني*

 

تظل هذه الكلمات الخالدة صادقة في وصف شعور كل مغترب سوري، أينما كان في العالم. فالمغترب الذي ترك وطنه طوعًا أو كرهاً، لم يتركه من قلبه، بل بقي متعلقًا به وفخورًا به، محافظًا على هويته وانتمائه. سوريا بالنسبة لنا ليست مجرد أرض، بل هي هوية، وذاكرة جماعية، وواجب مستمر تجاه حاضرنا ومستقبل أجيالنا القادمة.

لقد تعرضت سوريا لعقود من الخراب المنهجي على يد نظام البعث والعصابات الأسدية الحاكمة، الذي دمّر الإنسان قبل الحجر، وشرّد العقول قبل أن يهدّم الأبنية. تضررت البنية الصحية والتعليمية والاجتماعية بشكل لم يترك جزءًا سليمًا من مؤسسات الدولة، مما جعل الحياة اليومية للمواطنين صعبة، والمستقبل غامضًا. لقد تم إفقار المجتمع، وتشويه المؤسسات، وتدمير إمكانيات الشباب، وضياع فرص التنمية المستدامة.

اليوم، بعد التحرير، تواجه سوريا تحديات هائلة، لكنها في الوقت نفسه تمتلك فرصة تاريخية لإعادة البناء وإعادة الإعمار على أسس سليمة ومستدامة. إعادة إعمار سوريا لا تعني فقط بناء الجدران والمباني، بل تعني قبل كل شيء إعادة بناء الإنسان، وإعادة تأسيس مؤسسات صحية وتعليمية واقتصادية تعمل بالكفاءة والمهنية والشفافية. إن هذا المسار لا يتحقق إلا من خلال رؤية استراتيجية شاملة، وجهود مشتركة من جميع السوريين في الداخل والخارج.

المسؤولية الوطنية والأخلاقية تجاه سوريا

السوريون في الداخل والخارج مسؤولون عن إعادة بناء وطنهم بكل الوسائل الممكنة. ليس الهدف مجرد إعادة المباني، بل إعادة بناء الثقة، وإعادة تأهيل الإنسان السوري على كل المستويات: صحيًا، تعليمياً، اجتماعيًا، وثقافيًا. هذه مسؤولية جماعية تتطلب منّا التضامن، وإشراك كل القطاعات، والاستثمار الأمثل للموارد المتاحة.

هنا يكمن دورنا نحن الأطباء والعاملين في القطاع الصحي والمنظمات الطبية والتعليمية. فالمسؤولية تتجاوز تقديم العلاج إلى المساهمة الفعلية في إعادة بناء القطاع الصحي، والذي يعتبر حجر الزاوية لأي عملية تنموية ناجحة. فالمريض يحتاج إلى مستشفى مجهز، وكادر طبي مدرب، وأجهزة حديثة، وأدوية متوفرة. كل نقص في هذه العناصر يعني تأخيرًا في الشفاء، وضعفًا في جودة الحياة، وهدرًا للطاقات البشرية.

دور الأطباء والمنظمات الصحية

يستطيع الأطباء والمنظمات الصحية أن يكونوا محورًا حقيقيًا لإعادة البناء، من خلال مجموعة من الخطوات العملية:
1. دعم المستشفيات والمراكز الصحية بالأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية، لضمان استمرار تقديم الخدمات الطبية بجودة وكفاءة عالية.
2. تأمين الأجهزة الطبية الحديثة لتسهيل التشخيص والعلاج، خصوصًا في مناطق محرومة كانت تعاني نقصًا شديدًا قبل الحرب.
3. إنشاء مستوصفات ومراكز صحية متخصصة لتخفيف الضغط عن المستشفيات المركزية، وتحسين الوصول إلى الرعاية الصحية للمواطنين في جميع المناطق.
4. تنظيم مؤتمرات طبية وورش تدريبية لنقل الخبرات والمعرفة الطبية الحديثة، وتدريب الكوادر الطبية الوطنية على أحدث الممارسات العالمية.
5. دعم التعليم الطبي وإعادة تأهيل الكوادر لضمان استمرار تطوير الموارد البشرية في القطاع الصحي، بما يضمن استدامة التقدم والتحسين المستمر.
6. تنفيذ مشاريع وقائية وصحية مجتمعية مثل حملات التوعية بالأمراض المزمنة، التطعيمات، وتعليم الصحة العامة، لضمان صحة المجتمع على المدى الطويل.
7. تطوير برامج بحثية وعلمية لدراسة الأوبئة والأمراض المنتشرة في المناطق البعيده بما يساهم في تحسين السياسات الصحية واتخاذ القرارات المبنية على بيانات دقيقة.

إعادة الإعمار ليست مجرد بناء المباني

إعادة إعمار سوريا لا تقتصر على الجانب المادي فقط، بل تشمل إعادة بناء الإنسان والمجتمع. فإعادة إعمار المدارس، المستشفيات، المراكز الصحية، والمرافق العامة ضرورية، لكنها لا تكفي بدون بناء قدرات الإنسان السوري وتعليمه وتأهيله. الإنسان هو أساس أي نهضة حقيقية، ومن دونه تبقى المباني خاوية، والمؤسسات غير فعالة.

كما أن إعادة الإعمار تتطلب تأهيل البنية التحتية لتكون مقاومة للأزمات المستقبلية، وبناء مؤسسات شفافة وعادلة، قادرة على تقديم الخدمات دون فساد أو تمييز. وهذا يتطلب دورًا فاعلًا من المجتمع المدني، والمنظمات الإنسانية، والقطاع الخاص، والجهات الحكومية الجديدة.

سوريا بعد التحرير: مسؤولية مشتركة

سوريا اليوم بعد التحرير ليست سوريا ما قبل الحرب. لقد تغيرت بشكل جذري، وهذا التغيير يستدعي منا جميعًا مسؤولية مضاعفة. يجب علينا إعادة الإعمار بعقلية جديدة: عقلية الشفافية، الكفاءة، العدالة، والعمل الجماعي. كل سوري يستطيع أن يكون جزءًا من الحل، سواء من الداخل أو الخارج، من خلال المساهمة بالمال، الخبرة، الوقت، أو الموارد.

دور المغترب السوري

المغترب السوري يحمل مسؤولية إضافية. فهو يمتلك القدرة على نقل الخبرات، وتوفير الموارد المالية، ودعم مشاريع الإعمار والتعليم والصحة في الداخل. كما يمكنه الضغط على المجتمع الدولي لدعم سوريا، وإعادة الاعتبار للكوادر الوطنية التي تعرضت للهجرة أو الإقصاء خلال سنوات الحرب.

واجبنا كأطباء ومنظمات طبية

من واجبنا نحن الأطباء والمنظمات الطبية أن نكون قدوة في هذا المجال. لا يقتصر دورنا على معالجة المرضى، بل يمتد إلى إعادة بناء النظام الصحي، وتقديم الدعم الفني والتدريب، والمشاركة في مشاريع الصحة العامة، وإنشاء بنية صحية متكاملة قادرة على مواجهة التحديات المستقبلية. إن نجاح أي مشروع تنموي يعتمد بشكل أساسي على صحة الإنسان وكفاءة الكوادر التي تديره.

الخاتمة

إعادة إعمار سوريا واجب وطني وإنساني وأخلاقي. سوريا بحاجة إلى كل مواطن قادر على العطاء، وإلى كل مغترب يحمل في قلبه حب الوطن. علينا أن نكون على قدر المسؤولية، وأن نكتب معًا صفحة جديدة من تاريخها، صفحة عنوانها: الحياة، الكرامة، العدالة، والشفاء.

فلنعمل جميعًا، كل حسب موقعه وإمكاناته، لنكون شركاء حقيقيين في إعادة إعمار سوريا وإحيائها. لا وطن بلا شعب، ولا شعب بلا وطن يحميه ويعيد اليه مجده


*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب
   والجمعية الطبيه الاوربيه العربيه في النمسا.


تعليق / الرد من


الاكثر شهرة

تابعونا


جارٍ التحميل...