تنوعت الأحداث والسمت واحد!!
علاف الرواية
تنوعت الأحداث والسمت واحد!!
قراءة في مجموعة الأديب جمال هنداوي القصصية
محمد رستم*
نبدأ من العنونة العتبة الأولى للمنجز وقد اختار الكاتب قصة (حب وحمّص وثالثهما نيتشه) لتكون عنواناً لمنجزه هذا العنوان الذي جاء محمّلاً بكثافة رمزية مواربة وسّع معنى حاملها اللغوي، فالحمّص ليس مجرّد حبوب، بل هي هنا إشارة إلى العمل الجسدي البسيط، ونيتشه كدلالة رمزية هو أكثر من مجرد فيلسوف إنه كناية عن الفكر والثقافة وإشارة للانتقال إلى المجال الفكري.!
إذن العنونة تشير إلى تحوّل الشخصيّة الرئيسة من العمل الجسدي البسيط إلى العمل الفكري والثقافي. ويبين الكاتب الدافع الذي تنمو بذوره من رغبة ما ويغدو حقيقة فالمشاعر التي ظنّها وهماً كانت الشرارة التي أضاءت له طريقاً لم لكن مقدراً له أن يسير فيه لولا ذلك الدافع، فجليل الذي يبيع الحمّص عند زاوية باب كلية الآداب ذُهل حين مرّت ( ذات الوجه الهادئ المعمور بالصباح كأنه الشمس) فيتعلق بها وكي يرتفع إلى مستواها الثقافي استبدل بعربة الحمّص (البليلة) مكتبة واقتنى كتاباً مبسطاً عن نيتشه وتحوّل إلى عالم القراءة والكتب حين حدثته عن فيلسوفين أتعباها (نيتشه وهيجل) وبدأ يرى بوضوح أن الحب الذي عاشه من طرف واحد لم يكن محض خسارة بل قد يكون هدية من السماء غيّرت مسار حياته (لكن هذا الوهم كان أجمل درس في حياتي هو الذي جعلني أقرأ أتعلم وأحلم.)
وفي قصة العطر يصف الكاتب لنا الروح التي تميّز الطبقة الكادحة روح المحبة والدعابة ويقول إن العطر مصدر للذكريات حتى ذكريات الحرب العراقية المقيتة فالعطر برأيه شذا الذكريات إنها حكاية بائع العطر... العطر الذي يوقظ الذكريات من غفلتها فتتقافز أوراق السنين كغزلان طريدة. ونلحظ هنا كيف اعتمد الكاتب الحوار المسرحي نموذجاً لتوصيل أفكاره.
وفي قصة (بجاه أبي الجوادين) يقدم الكاتب حكاية هدى التي لا معيل لها وتسكن بيتاً بالأجرة تتلقى اتصالاً من أحمد الذي وعدها بالخطوبة لكن أمّه ترفضها وتجبره على الزواج من ابنة أختها وبعد أن انفصل عن ابنة خالته أراد العودة إلى هدى لكنّها واجهته بقولها كل شيء، يمكن أن يرمم إلاّ الخذلان لقد رأت هدى في أحمد أكثر الثعالب مكراً فمعسول كلامه ووعوده كلها كانت متبّلة بالخيانة والغدر.
ولعل اختيار الكاتب المكان (مقام أبي الجوادين) يأتي ليؤكد صوابية الحق والصدق. فيظهر المكان وكأنه قوس محكمة يفصل بين دناءة الكذب وبراءة الحق. وهكذا تركته وشكرت مكنة الخياطة التي وهبتها الصلابة وقوة المواجهة.
يوضح الكاتب هنا أن الواقع العراقي بل العربي والشرقي بشكل عام محكوم باستلاب الأنثى وتجريدها من أهم ما يميّز الوجود البشري وهو إنسانيتها تحت تأثير الهيمنة الذكورية فجعل الكاتب بطلته هدى تتمرّد على هذا الاستلاب متكئة على آلة الخياطة. القصة هنا تؤكد أهمية العمل في المجتمع حيث يمنح المرء ما يريده من حاجات مادية ومعنوية. إنه يهب الإنسان الكرامة ويسد طريق الحاجة.
في قصة (دليفري) عبد الله يوصل الطلبات لطالبيها..
المسنة أم علي ببغداد الجديدة، المكان بعيد عن مكان عمل عبد الله تطلب أن يصلها الطلب وتقول عليك أن تطرق الباب وحين أوصل لها الطلبات أكثر من مرّة لاحظ أن أم علي تطلب طعاماً أكثر من حاجتها ولاحظ أن علباً منه موضوعة على حالها في سلّة المهملات. سألها لِمَ تطلبين كل هذا الطعام؟؟؟ أجابت حتى أسمع صوتك وأنت تقول (دليفري) وأضافت منذ أن مات علي لم يطرق بابي أحد إلاّ صوتك الذي يشبه صوت ابني علي.
القصة هنا تتناول غربة الأهل حين يهاجر أبناؤهم الشباب إلى بلاد الاغتراب هذه الهجرة التي تتساوى مع الموت فأم علي مات زوجها واستشهدت ابنتها حين انفجرت سيارة في الطريق. وهاجر ولداها. فالهجرة والموت كلاهما فقد بالنسبة للأهل وأم علي تفتقد الصوت الذي يجسد الحضور.
في قصة السجين السياسي الذي لم يبق له أحد بعد سني سجنه إلاّ المقبرة. سجل الكاتب هدفه الذهبي حين رأى فيه وطناً عاد من منفاه (لم يرَ فيه زبوناً غريباً فقط بل وطناً عاد من منفاه مترنحاً حافياً لكنه حي رغم كل ذلك).
هي صرخة إدانة لأنظمة الحكم التي لا تقيم اعتباراً لأيّة حقوق إنسانية. القصة تخبّئ كماً من السخرية السوداء المبطنة من هكذا أنظمة وكأننا نتحدث عن عالم خيالي الحاكم فيه فرعون عصره.
في قصة خيوط القلب تتعطل مكنة الخياطة فتخيط أم مهدي لابنها دشداشة العيد بيدها تخيطها بخيوط الحب والحنان، بخيوط القلب كي يرتديها في العيد. قصة توضح محبة الأم وحنانها ودفء عاطفتها.
في قصة على باب ردهة الطوارئ. يستمع إلى نصيحة أبي كمال... (ولدي عليك بالمستشفيات خاصة ردهة باب الطوارئ وهناك يسرق هاتفاً جوالاً وجد فيه صورة طفلة قال رباه كم تشبه مريم أخته المريضة لم يستطع أن يتخلّى عن نظرة الطفلة وكأنها تقول له أرجوك لا تدعني أموت قبل أن أصل إلى كتابي فقد يكون آخر أمنية لي.
فيخاطب نفسه قائلاً (كم من الأماني أراها في عينيك يا مريم وأنا عاجز أن أروي قلبك ببعضها؟؟؟
وفي حيرة من أمره التقط الهاتف ولفّه بقميص قديم وخرج هل يبيعه ويفي ما عليه من ديون ويتخلص من مطالبات دائنية؟؟؟ أم يعيده إكراماً لطلب الطفلة.؟؟؟
فالبطل هنا ينوس بين حقلين متضادين حقل متطلبات الواقع الأليم بعذاباته وانكساراته وحقل القيم الإنسانية بما فيه من شفقة وعاطفة.
هي حالة من الشروخ النفسية و الخلخلة العميقة في منظومة القيم التي يعيشها نتيجة التعارض الفاقع بين الرغبات والواقع إنها إرهاصات للوقوف في وجه تخندقات القبح وسمو نحو الإنسانية وينابيع الخير ونلحظ كيف يحرص الأديب جمال على ألاّ يشيطن الآخر حين يضعه في ثنائية الخير والشر. الإنساني واللاإنساني. لذا فقد وقعت الشخصيّة الرئيسة هنا بين فكي الحيرة ومع أنها ملوّثة ببعض الدنس فهو لص محترف ومع كل هذه السلبية فالكاتب يراه ضحية هالة مرعبة من فساد المجتمع وتناقضاته المخيفة. ولأن الحزن ثيمة العراقي الأبدية تولدت من موروث القهر التاريخي جاءت قصص المجموعة موسومة بالألم والأسى وتصدر الموضوع الاجتماعي المتن الحكائي فسلّط الكاتب منظاره نحو معاناة الفقراء المحاصرين بسياج الحاجة المحرومين من أرشيف السعادة اليومي. وهم يصارعون طواحين الألم والفاقة.
فآلام الناس ومعاناتهم هي المغزل الذي نسج الأديب جمال هنداوي خيوطه الحكائية عليه. ففي معظم قصصه يلج الكاتب ذائقتنا القرائية من باب الوجع الإنساني هذا الوجع النابت من فساد مجتمع نقشت الحرب على جسده خارطة جراح. ولأن همّ الكاتب أن ينشر ضوء الكلام على حبل أرواحنا المتعبة جعل لكلّ قصة هدفاً إشارياً يتماهى مع الهمّ الإنساني. مع توجيه إدانة صارخة للحرب في معظم قصصه الحرب التي دهمت البلاد ذات عصف فأخذت أبيضها وأسودها إلى أوار الحريق فغدت البلاد بيادر حزن وفاقه.
وبدت شخصياته قوية متماسكة في مواجهة واقع متحجر صلب، ففي معظم القصص يكاد يكون الموضوع واحداً وإن اختلفت الوجوه إنها سيرة الإنسان المعلق من عرقوبه على شجرة الحياة. حيث تبدو المعاناة في مجتمع متخلف صعبة صعبة كالولادة الميتة ،وهكذا نرى كيف يحاول الأدب تدميث الروح الإنسانية وتحويلها إلى كينونة حضارية. في واقع أمطاره بؤس وفاقه.
لقد أجاد الكاتب في تقديمه نموذجاً للنصوص الحكائية ذات الطابع الواقعي التصويري فقدم مشاهد بصرية متخمة بالتفاصيل وجعل الأحداث الواقعية محركاً لمخاض الآلام الروحية والنفسية للشخصيات التي رسم أبعادها الظاهر منهما والمخفي.وقد اختار نمط الأقصوصة الطويلة شكلا لإبداعه...
وفي مفرداته نستمع إلى صهيل اللغة الجامحة نحو الشعرية ولأن اللغة هي الحامل الإبداعي كانت الأناقة مطلوبة لكن على ألاّ يتحول النص القصصي أي السردية القصصية إلى قصيدة شعرية.
أخيراً نقول استطاع الأديب جمال هنداوي في هذه المجموعة القصصيّة أن يبدع من الألم بهائية جمالية مدهشة.