تأملات طبيب بين العلم والإنسان… لماذا نكتب؟ د. تمام كيلاني
تأملات طبيب بين العلم والإنسان… لماذا نكتب؟
د. تمام كيلاني*
بعد أكثر من أربعين عامًا في رحاب الطب، تعلمت أن الطبيب لا يتعامل مع الأمراض فقط، بل يتعامل قبل كل شيء مع الإنسان.
فالمرض له اسم وتشخيص وعلاج، لكن خلف كل تشخيص إنسان يحمل خوفه، وأمله، وتجربته، وقصته الخاصة.
في بداية الطريق الطبي، كان اهتمامنا الأكبر هو الوصول إلى التشخيص الصحيح واختيار العلاج المناسب. كنا نبحث في الكتب والمراجع، ونتابع أحدث الدراسات، ونسعى لأن نكون دائمًا على اطلاع بكل جديد.
ومع مرور السنوات، أدركت أن العلم وحده، رغم أهميته، لا يكفي.
فالعلم يحتاج إلى إنسانية، والمعلومة تحتاج إلى لغة تصل إلى صاحبها، والطبيب الناجح ليس فقط من يعرف الإجابة، بل من يعرف كيف يقدمها.
المعرفة التي لا تصل إلى الناس تبقى ناقصة
لطالما كان الطب مليئًا بالمعلومات المعقدة والمصطلحات التي قد تبدو بعيدة عن فهم الإنسان العادي.
لكن ما قيمة أن يعرف الطبيب كل التفاصيل إذا لم يستطع أن يشرح للمريض ما يحدث داخل جسده؟
إن تبسيط المعلومة الطبية ليس تقليلًا من قيمتها، بل هو احترام لعقل الإنسان ورغبته في أن يفهم.
فالمريض الذي يفهم مرضه يصبح شريكًا في علاجه، وليس مجرد متلقٍ للتعليمات.
لماذا نكتب؟
ربما يسأل البعض: لماذا يكتب الطبيب بعد سنوات طويلة من العمل؟
والجواب بسيط:
لأن الخبرة إذا بقيت داخل الإنسان تنتهي بانتهاء وجوده، أما إذا تحولت إلى كلمة نافعة فقد تستمر وتصل إلى أشخاص لم نلتقِ بهم.
قد يقرأ شخص مقالًا عن السكري فيكتشف أهمية الفحص المبكر، أو يقرأ عن ضغط الدم فيغير أسلوب حياته، أو يفهم أن بعض الأعراض البسيطة قد تكون رسالة تستحق الانتباه.
وهنا تصبح الكتابة جزءًا من رسالة الطبيب.
ليس كل قارئ يبحث عن المعرفة
في زمن السرعة، أصبح كثير من الناس يفضلون المعلومة القصيرة والسريعة.
قد يقرأ البعض العنوان فقط، أو يمر على الكلمات دون أن يتوقف عند معناها، وقد لا يجد البعض وقتًا للقراءة العميقة.
لكن هذا لا يعني أن نتوقف عن الكتابة.
فالمعرفة الحقيقية لا تُقاس بعدد الإعجابات أو التعليقات، بل بمدى تأثيرها في حياة إنسان واحد.
فربما تصل كلمة واحدة إلى شخص يحتاج إليها في الوقت المناسب، وتكون سببًا في تغيير قرار أو حماية صحة.
بين أينشتاين وشابلن
يُروى عن اللقاء الشهير بين ألبرت أينشتاين وشارلي شابلن أن أينشتاين قال لشابلن:
“ما يعجبني في فنك أنك لا تقول كلمة واحدة، ومع ذلك يفهمك العالم كله.”
فأجابه شابلن:
“وأنت أعظم مني، فالعالم كله معجب بك، رغم أن قليلين يفهمونك.”
بعيدًا عن مدى صحة الحوار حرفيًا، فإن المعنى عميق.
فبعض الرسائل تصل ببساطة شديدة، وبعضها يحتاج إلى علم وتجربة وتأمل حتى يُفهم.
لكن كلاهما له قيمة.
فالطبيب يحتاج أن يكون مثل شابلن في قدرته على الوصول إلى الناس، ومثل أينشتاين في احترامه للعلم والبحث.
الطب ليس مهنة فقط
بعد سنوات طويلة في ممارسة الطب، يصبح الإنسان أكثر إدراكًا أن الطب ليس مجرد أجهزة وتحاليل وصور.
إنه علاقة إنسانية.
نظرة الطبيب للمريض، طريقة حديثه معه، واهتمامه بتفاصيل صغيرة قد تكون أحيانًا جزءًا من العلاج.
وقد ينسى المريض اسم الدواء الذي وصفه الطبيب بعد سنوات، لكنه لا ينسى الطبيب الذي جعله يشعر بأنه كان مهمًا ومسموعًا.
كلمة أخيرة
سنوات العمر تمضي، ويبقى ما قدمناه للآخرين.
تبقى المعرفة التي نشرناها، والكلمة الطيبة التي قلناها، والأثر الذي تركناه في حياة إنسان.
لذلك سأبقى مؤمنًا بأن رسالة الطبيب لا تنتهي عند باب العيادة أو قاعة المحاضرات.
فالعلم أمانة، ونقله مسؤولية، والإنسان هو الغاية الأولى والأخيرة.
تأملات طبيب ليست حديثًا عن الطب فقط، بل حديث عن الإنسان الذي من أجله وُجد الطب.
*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.
تعليق / الرد من
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...